روائع مختارة | قطوف إيمانية | أخلاق وآداب | لا أكلمك أبــداً!

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
روائع مختارة
الصفحة الرئيسية > روائع مختارة > قطوف إيمانية > أخلاق وآداب > لا أكلمك أبــداً!


  لا أكلمك أبــداً!
     عدد مرات المشاهدة: 910        عدد مرات الإرسال: 0

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

بٌعث رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس في جاهلية عمياء، يعيشون كالأنعام لا يدرون لماذا خلقوا، ويتقاتلون كالأسماك يأكل الكبير منهم الصغير، ويطغى القوي على الضعيف، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرج الناس من ظلمات الجهل إلى النور، ومن دياجير الشرك إلى عبادة الله وعدل الإسلام.

وإختار الله لنبيه صحبة راشدة، وجيلاً فريداً من نوعه، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: أولئك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا أبر الناس قلوباً، وأعمقهم علماً، وأقلهم تكلفاً.

فكانوا أسلم الناس فطرة، وأقلهم تكلفاً، وأعظمهم إيماناً، وأزكاهم نفوساً بشهادة الله لهم وتزكيته في كتابه العزيز، وكانوا إذا جاءهم أمر أو نهي إبتدروا له دون أن يسألوا: هل هو للوجوب أو الإستحباب؟ وهل النهي للحرمة أو الكراهة؟!

ولا أجد ما أصف به هذه الجيل من الصحابة إلا قول عروة بن مسعود في صلح الحديبية: فقد روى البخاري عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: أن قريشاً لما وجهوا عروة بن مسعود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، فرأى تعظيم أصحابه رضي الله تعالى عنهم ما رأى، وأنه لا يتوضأ إلا إبتدروا وضوءه، فكادوا يقتتلون عليه، ولا يبصق بصاقاً، ولا يتنخم نخامةً إلا تلقوها بأكفهم، فدلكوا بها وجوههم وأجسادهم، ولا تسقط منه شعرة إلا إبتدروها.. وإذا أمرهم بأمر إبتدروا أمره، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه، تعظيماً له، فقال لهم حين رجع إليهم: يا معشر قريش! إني جئت كسرى وقيصر، والنجاشي في ملكهم، وإني والله ما رأيت ملكاً في قوم قط مثل محمد في أصحابه! وفي رواية: ما رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم محمداً أصحابه! وقد رأيت قوماً لا يسلمونه أبداً.

وروى مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحلاق يحلقه وقد أطاف به أصحابه، فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل.

وهذا عثمان رضي الله تعالى عنه لما أذنت له قريش أن يطوف بالبيت، حين وجهه صلى الله عليه وسلم إليهم في القضية أبى وقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولم يقف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند التطبيق والإمتثال.. بل تعدى إلى الإحتساب والإنكار على كل متقاعس أو متباطئ في إمتثال أمر رسول الله أياً كان هذا المتباطئ، ومهما كان عذره، ولذا وردت ألفاظ إحتسابية عن بعض الصحابة قل أن ينتبه لها كثير من الناس ومن ذلك على سبيل المثال: -لاَ أُكَلِّمُكَ أَبَدًا، لاَ أُكَلِّمُكَ كَذَا وَكَذَا، فرفع يده فلطمه، فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ.

هذه كلمات إختلفت ألفاظها، وإتفق مدلولها، وتباينت أحداثها، وإتحد مضمونها، إنه الحب لرسول الله، والتعظيم لأمره ونهيه، والإحتساب والإنكار على من تقاعس أو تباطأ في التسليم له صلى الله عليه وسلم مهما كانت المبررات والأسباب، إذ إن شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم صالحة لكل زمان ومكان لا تتغير، ولم تتغير إلا النفس البشرية بتقادم عهدها وبعدها عن هدي رسول الله، وبإختلاطها بالحضارات اللادينية التي تعظم النفس والشهوة، وتنغمس في الغفلة والنزوة!!

لنعد إلى أصل هذه الألفاظ، وذكر قائليها، وسرد قصة الحديث، علنا نجد النفع والفائدة، ونشد الهمة في إيقاظ ضمير الحسبة والإحتساب في قلوبنا ومجتمعاتنا، لنركب على قارب النجاة من دنس الذنوب والمعاصي، وما يترتب عليه من عذاب ومقت وسخط من الجبار سبحانه وتعالى. جاء في صحيح البخاري في باب النهي عن الخذف والبندقة: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً يَخْذِفُ فَقَالَ لَهُ: لاَ تَخْذِفْ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ الْخَذْفِ، أَوْ كَانَ يَكْرَهُ الْخَذْفَ- وَقَالَ:«إِنَّهُ لاَ يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ، وَلاَ يُنْكَى بِهِ عَدُوٌّ، وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ»، ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَخْذِفُ فَقَالَ لَهُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْخَذْفِ، أَوْ كَرِهَ الْخَذْفَ وَأَنْتَ تَخْذِفُ!! لاَ أُكَلِّمُكَ كَذَا وَكَذَا.

وفي صحيح مسلم رحمه الله تعالى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ قَرِيبًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ خَذَفَ- قَالَ- فَنَهَاهُ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ الْخَذْفِ وَقَالَ: «إِنَّهَا لاَ تَصِيدُ صَيْدًا، وَلاَ تَنْكَأُ عَدُوًّا، وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ»، قَالَ: فَعَادَ، فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْهُ ثُمَّ تَخْذِفُ! لاَ أُكَلِّمُكَ أَبَدًا.

فيغضب عبد الله بن مغفل رضي الله عنه وأرضاه لما رأى من تباطؤ المنصوح وعدم امتثاله نهي الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فيحتسب عليه مرة أخرى بالهجر عل ذلك ينجع فيه، ويرده إلى رشده!!

وهنا يأتي موقف آخر مشابه في الإنكار من أحد الصحابة، وإن إختلف المضمون والحوار إلا أن حب إتباع سنة رسول الله وكراهية مخالفته إتفقا فيها، فقد جاء في صحيح مسلم عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لاَ تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا». قَالَ: فَقَالَ بِلاَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَتَقُولُ وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ؟!

وفي مسند الطيالسي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تمنعوا النساء المساجد بالليل» فقال ابنه: بلى، والله لنمنعهن، يتخذنه دغلا -أي: ريبة وفساداً وخداعاً- فرفع يده فلطمه، فقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول هذا!!

ففي هذه الرواية صار الإنكار والإحتساب من الصحابي الجليل عبد الله بن عمر باليد، ليعلم ابنه الأدب مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

نعم لقد نزل عليهم قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات:1]، فعقلوه وعرفوا معناه ومدلوله، ولم يلجئوا لتأويلات ولا لتبريرات ليتنصلوا من فعل أوامره أو ترك نواهيه صلى الله عليه وسلم، كقول بعض الجهلاء إن ما جاء في السنة والأحاديث النبوية الشريفة، من شاء عمل به ومن شاء لم يعمل! أو كبحث البعض عن زلات العلماء وهفواتهم ونصبها في مقابل أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قيل قديماً من أخذ برخصة كل عالم فقد إجتمع فيه الشر كله.

لقد نسي هؤلاء أن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم دليل أصيل على محبته، بل هي دليل على محبة الله عز وجل بنص القرآن الكريم، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران:31]، ولم يتأسوا بخير أسوة بعد الأنبياء، أعني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين بلغ تعظيمه في قلوبهم رضي الله عنهم مبلغاً عظيماً حتى كانوا يجسلون عنده وكأن على رءوسهم الطير حباً وتعظيماً وإجلالاً وإكباراً!! فقد روى أبو داود عن أسامة بن شريك رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحوله أصحابه، عليهم السكينة والوقار، كأنما على رؤوسهم الطير، فسلمت ثم قعدت.

فهذه دعوة لوقفة جادة مع النفس -من خلال هذين المثالين- نقارن فيها بين أحوالنا وأحوال صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من حيث مكانته في قلوبهم، وحبهم له ولإمتثال أوامره ونواهيه، وموقفهم الصارم في الإحتساب على المخالفين، وموقفنا نحن من كل ذلك.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

الكاتب: أمير يحيى يحيى الحجاجي.

المصدر: موقع المحتسب.