روائع مختارة | قطوف إيمانية | أخلاق وآداب | الإقتراض بين المشروع والممنوع

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
روائع مختارة
الصفحة الرئيسية > روائع مختارة > قطوف إيمانية > أخلاق وآداب > الإقتراض بين المشروع والممنوع


  الإقتراض بين المشروع والممنوع
     عدد مرات المشاهدة: 1877        عدد مرات الإرسال: 0

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة»، وعنه أيضاً: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه ديناً أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إليّ من أن أعتكف في المسجد شهراً، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظاً ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضى يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل»، وعن ابن المنكدر رضي الله عنه، قال: صلى الله عليه وسلم: «من أفضل العمل إدخال السرور على المؤمن، تقضي عنه ديناً، تقضي له حاجة، تنفس له كربة».

بهذه المعاني النبيلة فتح الإسلام للناس باباً عظيماً من أبواب الخير ليتواصوا بينهم بالمعروف، ويعرفوا مواطن المروءة، والإقدام لإغاثة الملهوف وإعانة المحتاج، بدلاً أن يتركوه يسلك مسالك الردى ومهاوي الشيطان تحت ضغط الحاجة وذل السؤال.

وقد يتصور البعض أن الإقراض ليس فيه ثواب لأن المال يعود كما ذهب، ولكن الأمر على عكس ذلك، فإن فضل الإقراض كبير وثوابه عظيم، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقتها مرة».

وعنه أيضاً قال صلى الله عليه وسلم: «إن السلف يجري مجرى شطر الصدقة»، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «كان رجل يداين الناس فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسراً فتجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عنا، فلقي الله فتجاوز عنه».

وبعض العلماء يفضل القرض على الصدقة، لأن الصدقة يأخذها المحتاج وغيره، أما القرض فلا يطلبه إلا من إحتاج إليه.

[] خطورة الدَّيْن:

حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الدَّيْن في أحاديث كثيرة، بل شدد صلى الله عليه وسلم  فيه لدرجة أنه كان صلى الله عليه وسلم لا يصلي على من توفي وعليه دَين، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: مات رجل فغسلناه وكفناه وحنطناه ووضعناه لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث توضع الجنائز، عند مقام جبريل، ثم آذنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليه، فجاء معنا فتخطى خطى ثم قال: «لعل على صاحبكم ديناً»؟ قالوا: نعم، ديناران، فتخلف وقال: «صلوا على صاحبكم»، فقال له رجل منا يقال له أبو قتادة: يا رسول الله هما علي، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «هما عليك وفي مالك، والميت منها برئ»؟ فقال: نعم، فصلى عليه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقي أبا قتادة يقول: «ما صنعت الديناران»؟ حتى كان آخر ذلك أن قال: قد قضيتهما يا رسول الله، قال: «الآن حين بردت عليه جلده».

وإذا كان الدَّيْن لا يغفره الله للشهيد الذي قتل في سبيله، فكيف بمن هو دون ذلك، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال صلى الله عليه وسلم: «يغفر الله للشهيد كل ذنب إلا الدَّيْن»، وعن أبي قتادة رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله! أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر إلا الدَّيْن»، وعن محمد بن جحش رضي الله عنه قال: كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع رأسه إلى السماء ثم وضع راحته على جبهته، ثم قال: «سبحان الله! ماذا نزل من التشديد»؟ فسكتنا وفزعنا، فلما كان من الغد سألته: يا رسول الله! ما هذا التشديد الذي نزل؟ فقال: «والذي نفسي بيده، لو أن رجلاً قتل في سبيل الله، ثم أحيي، ثم قتل، ثم أحيي، ثم قتل، وعليه دين ما دخل الجنة حتى يُقضى عنه دينه».

والدَّيْن يحبس صاحبه عن دخول الجنة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه».

وقوله صلى الله عليه وسلم: «معلقة» أي: محبوسة عن الدخول في الجنة، وعن ثوبان رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من جاء يوم القيامة بريئاً من ثلاث، دخل الجنة: الكِبر، والغلول، والدَّيْن»، وروى أبو داود في سننه بسند حسن عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هاهنا أحد من بني فلان؟» فلم يجبه أحد، ثم قال: «هاهنا أحد من بني فلان»؟ فلم يجبه أحد، ثم قال: «هاهنا أحد من بني فلان»؟ فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: «ما منعك أن تجبني في المرتين الأوليين، أما إني لم أنوه بكم إلا خيراً إن صاحبكم مأسور بدينه»، وفي رواية: «إن صاحبكم حُبس على باب الجنة بدين كان عليه».

[] شروط الإستدانة:

الإستدانة -الخالية من الربا والمحظورات الشرعية- مشروعة من حيث الأصل، لكنها شُرعت بضابطين وقيدين:

= أولهما: وجود الحاجة الفعلية المشروعة للإستدانة، وليس مجرد التوسع والترفه.

= ثانيهما: غلبة الظن بالقدرة على الوفاء.

ومخالفة هذين الشرطين تجعل الإستدانة تَدخل في حَيِّز المحذور الشرعي الذي يصل إلى التحريم.

وليس كل ما كان مشروعاً في أصله جاز إستعماله على أي وجه كان، فالأكل والشرب من الطيبات مباح في الأصل، ومع ذلك فإن الله تعالى قال: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأعراف:31]، فالإسراف في كل شيء محرم ومذموم.

إن العاقل لا يقترض إلا عند الحاجة، ومتى أمكنه أن يصبر فلا يقترض، لأن الإنسان إذا عَوَّد نفسه الإقتراض سهل عليه، وصار يقترض لأمور لا داعي لها، كما عليه بعض الناس، وقد جاء في نصوص الشريعة تعظيم أمر الدَّيْن وعِظَمُ حقوق العباد، وهذا إذا كان يرجو وفاءً من مُرتَّبٍ أو أجرة عقار ونحوهما، أما إذا كان لا يرجو وفاءً فإن أقل أحوال الإقتراض الكراهة، إن لم يصل إلى درجة التحريم، ويجب عليه في هذه الحال أن يبين للمقترض حاله، ليكون على بصيرة.

[] الله تعالى في عون المدين:

عون الله عز وجل للمدين مقيد فيما إذا كان الدَّيْن من أجل غرض مأذون به شرعاً مما أباحه الله عز وجل، لحديث ابن ماجه عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: قال صلى الله عليه وسلم: «كان الله مع الدائن حتى يقضي دينه، ما لم يكن فيما يكرهه الله»، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله»، وقال صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد يدان ديناً يعلم الله منه أنه يريد قضاءه إلا أداه الله عنه في الدنيا»[16]، وفي رواية: «من أخذ ديناً وهو يريد أن يؤديه أعانه الله»، وعن صهيب الخير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما رجل تداين ديناً وهو مجمع أن لا يوفيه إياه لقي الله سارقاً».

[] المماطلة حـــرام:

يجب على المسلم أن يعلم أن أموال الناس ليست مرتعاً مباحاً يرتع فيه كيفما يشاء وحيثما أراد، ولكنها مصونة ومحفوظة ولا يجوز أكلها بالباطل، ومن العجيب من البعض أنه إن إستدان ديناً جحده، وإن إستقرض قرضاً تظاهر أنه نسيه، فسبحان ربي!. كيف يهنأ بالطعام والشراب والمنام، من ذمته مشغولة!! وكيف تسمح للإنسان نفسه أن يجحد سلف أخيه، أو يماطله في ذلك! والمقرض فعل ذلك إحساناً وقربه، والله تعالى يقول: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} [الرحمن:60]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «مَطْلُ الغَني ظلم»، وعن الشريد بن سويد رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته».

وقال صلى الله عليه وسلم: «خيار الناس أحسنهم قضاء»، وعن عبد الله بن أبي ربيعة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «إنما جزاء السلف الحمد والوفاء».

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي الدائن بأكثر مما إستدان منه، ويضاعف له الوفاء، ويدعو له، كما قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: كان لي على النبي صلى الله عليه وسلم دين، فقضاني وزادني، وقال عبد الله بن أبي ربيعة رضي الله عنه: إستقرض مني النبي صلى الله عليه وسلم أربعين ألفاً، فجاءه مال، فدفعه إليّ، وقال: «بارك الله تعالى في أهلك ومالك»، وعن أبي رافع رضي الله عنه قال: إستلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل بكراً هو الثني من الإبل، وهو بمنزلة الفتى من الناس فجاءته إبل الصدقة، فأمرني أن أقضي الرجل باكراً، فقلت: لم أجد في الإبل إلا جملاً خياراً رباعياً -هو الذي قضى ست سنوات ودخل في السابعة- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعطه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاء».

[] فضل إنظار المعسر:

قال تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون} [البقرة:280]، أي إمهاله حتى يوسر، ولا يجوز مطالبته بالدَّيْن مادام معسراً.

ففي حديث بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أنظر معسراً كان له بكل يوم مثله صدقة»، قال: ثم سمعته يقول: «من أنظر معسراً فله بكل يوم مثليه صدقة» فقلت: يا رسول الله! إني سمعتك تقول: فله بكل يوم مثله صدقة، وقلت الآن: فله بكل يوم مثليه صدقة، فقال: إنه ما لم يحل الدَّيْن فله بكل يوم مثله صدقة، وإذا حل الدَّيْن فأنظره، فله بكل يوم مثليه صدقة»، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال صلى الله عليه وسلم: «من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة»، وعن أبي قتادة رضي الله عنه أنه طلب غريماً له فتوارى منه ثم وجده، فقال: إني معسر، فقال: آلله، قال: آلله، قال فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه»، وعن كعب بن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظله».

[] من أحكام الدَّيْن:

للدين أحكامٌ يجب على المسلم أن يتعلمها، منها:

1= يشترط لصحة القرض أن يكون المقرض ممن يصح تبرعه، فلا يجوز لولي اليتيم مثلاً أن يقرض من مال اليتيم.

2= إن علم المقرض أو غلب على ظنه أن المقترض ينفق ذلك القرض في معصية أو مكروه كان الإقراض حرامًا أو مكروهًا على حسب الحال.

3= يحرم على المقرض أن يشترط على المقترض زيادة في القرض، وقد أجمع العلماء على أنه إذا شرط عليه زيادة فأخذها فهو ربا، وما تفعله البنوك اليوم من الإقراض بالفائدة رباً صريح، سواءً كان قرضاً إستهلاكياً أو إنمائياً كما يسمونه، فلا يجوز للمقرض سواءً كان بنكاً، فرداً، أو شركة، أن يأخذ زيادة في القرض مشترطة بأي اسم سمَّي هذه الزيادة.

4= في الإستدانة ممن يغلب على ماله الحرام أو كله حرام، يقول أهل العلم: المال المحرم لا يخلو من حالين:

*الحال الأولى: أن يكون المال محرم العين كالمسروق والمغصوب وشبهه، فلا يجوز التعامل مع من في يده هذه الأموال لا بالقرض ولا بالمعاوضة ولا بالهبة ولا بغيرها، لأن هذا المال محرم العين لحق صاحبه فلا يجوز أخذه بوجه إلا لرده لمستحقه.

*الحال الثانية: أن يكون المال محرماً لجهة كسبه، كالمال المستفاد من الربا أو المعاملات المحرمة فللعلماء في هذا قولان: منهم من يرى أنه لا يجوز التعامل معه، ومنهم من يرى جواز التعامل معه، إستناداً إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم تعامل مع اليهود مع أنهم يأكلون السحت ويأخذون الربا وهو غالب في أموالهم، ومما يستأنس به في ذلك ما رواه عبد الرزاق بسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلاً سأله فقال: إن لي جاراً يأكل الربا وإنه لا يزال يدعوني، فقال: «مهنأةً لك وإثمه عليه»، وقد صحح هذا عن ابن مسعود رضي الله عنه الإمام أحمد رحمه الله، كما نقل ابن رجب في جامع العلوم والحكم 211.

5= يشترط معرفة المال المدفوع في القرض، ومعرفة صفته، ليتمكن من ردّه إلى صاحبه بعد ذلك.

6= إستحباب كتابة الدَّيْن المؤجل والإشهاد عليه، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة:282].

7= إذا كان الدَّيْن مؤجلاً، فلا يطالب المدين به حتى يحل الأجل، ولا يلزم المدين أداؤه قبل حلوله.

8= لا يبيت الرجل وفي ذمته دين قليلاً كان أو كثيراً، إلا كتبه في وصيته، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما حق امرئ مسلم، له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده».

المصدر: موقع مجلة الجندي المسلم.