روائع مختارة | روضة الدعاة | زاد الدعاة | وفي الأخلاق إحتساب

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
روائع مختارة
الصفحة الرئيسية > روائع مختارة > روضة الدعاة > زاد الدعاة > وفي الأخلاق إحتساب


  وفي الأخلاق إحتساب
     عدد مرات المشاهدة: 1954        عدد مرات الإرسال: 0

إن المسؤولية التي جعلها الله تعالى على عاتق المصلحين كبيرة جداً، لأن مهمتهم الإصلاحية تسعى إلى إزالة كل مظاهر الشر والفساد في كل الأمور صغيرها وكبيرها، بحسب الأولويات، وما يحتاجه الوقت.. أو غير ذلك من الأمور التي يراعيها أهل الحسبة في إحتسابهم، ولكن في خضم المواجهة الدائمة للمنكرات، والخوض في مضمار الإحتساب قد تُهمل بعض الأمور اللطيفة، وإن كانت مهمة بعذر أنها ليست ذات ضرر ظاهر، أو خطر حسي، أما عائشة رضي الله عنها الصديقة بنت الصديق لم تترك حتى الضحكة التي كانت في باطل من أن تحتسب على أصحابها، وتوجههم بما تراه صواباً، وبما يحث عليه ديننا الإسلامي، ففي صحيح مسلم عَنِ الْأَسْوَدِ، قَالَ: دَخَلَ شَبَابٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ بِمِنًى، وَهُمْ يَضْحَكُونَ، فَقَالَتْ: مَا يُضْحِكُكُمْ؟ قَالُوا: فُلَانٌ خَرَّ عَلَى طُنُبِ فُسْطَاطٍ، فَكَادَتْ عُنُقُهُ، أَوْ عَيْنُهُ أَنْ تَذْهَبَ، فَقَالَتْ: لَا تَضْحَكُوا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً، فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ».

ومع هذا الموقف اللطيف من أمنا الصديقة رضي الله عنها نستطيع أن نقف على المفيد والفريد من الدروس والعبر، ومن ذلك:

ـ أن الإحتساب يدخل في جانب الأخلاق من أوسع الأبواب، وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فهو خير من إحتسب في الأخلاق، ففي الصحيحين عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: مَرَرْنَا بِأَبِي ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ وَعَلَى غُلَامِهِ مِثْلُهُ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا ذَرٍّ! لَوْ جَمَعْتَ بَيْنَهُمَا كَانَتْ حُلَّةً، فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ إِخْوَانِي كَلَامٌ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً، فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَقِيتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَنْ سَبَّ الرِّجَالَ سَبُّوا أَبَاهُ وَأُمَّهُ، قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ! إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ»، وهذا ما فعلته عائشة رضي الله عنها حين إحتسبت على ضحك الشباب من الرجل، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم حتى من ضحك المرء عند خروج الصوت من أخيه المسلم، فعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمْعَةَ، «أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ، وَذَكَرَ النَّاقَةَ وَالَّذِي عَقَرَ.. ثُمَّ وَعَظَهُمْ فِي ضَحِكِهِمْ مِنَ الضَّرْطَةِ، وَقَالَ: «لِمَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ»، فلا بد من الإهتمام بالإحتساب في مجال أخلاق المجتمع وتعاملات أهله فيما بينهم، وقد بينت الشريعة فضل حسن الخلق، وذمت سيئ الأخلاق، وإنما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارم الأخلاق، وما فعله الشباب من الضحك كان من الضحك المذموم الذي قد يحصل بسببه الشماتة بالمسلم، أو جرح مشاعره، وهذا منكر يحتاج إلى الإحتساب، يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى عن شرح هذا الحديث: فيه النهي عن الضحك من مثل هذا، إلا أن يحصل غلبة لا يمكن دفعه، وأما تعمده فمذموم، لأن فيه إشماتاً بالمسلم، وكسراً لقلبه.

ـ نستفد من إستفسار عائشة رضي الله عنها عن سبب ضحك الشباب: أنه لابد قبل الإحتساب من التثبت، والتأكد من وقوع الخطأ أو المنكر الذي سيحتسب عليه، أما أن ينطلق المحتسب بالإحتساب بمجرد الظن دون تأكد فهذا غير صحيح، وقد يدخل هذا في الظن الذي أمر الله سبحانه وتعالى باجتنابه، إذ يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات:12]، والظن الذي حذر منه المصطفى صلى الله عليه وسلم إذ قال: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ»، فليس بمجرد الظن نحكم على الناس، فقد يكون ضحك هؤلاء الشباب بسبب أمر يباح لهم الضحك بسببه، فقالت رضي الله عنها: «ما يضحككم؟»، وهذا التثبت مطلوب مع كل أحد، حتى لا نقع في ظلم الآخرين، فنحكم عليهم بما لا يستحقوه، ونجعل ما يفعلونه منكراً، وهو خلاف ذلك، فهذا سليمان عليه السلام لم يحكم على الهدهد، لأنه لا يعرف سبب غيابه، فلم يعاقبه مباشرة، بل سمع منه حجته، وعرف عذره: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ*لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [النمل:20-21]، وبعد أن بين له الهدهد عذره، {قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النمل:27]، والأصل في المسلم أن يحسن الظن بأخيه المسلم، فيحمل ما يقع من أخيه على أحسن المحامل، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرًا، وأنت تجد لها في الخير محملاً، والتثبت لا ينافي حسن الظن، فمع إحسان الظن يحصل التثبت، حتى يحتسب المسلم على أخيه المسلم إن وقع في المنكر.

ـ ومما تميز به إحتساب عائشة رضي الله عنها في هذه القصة: أنها كانت صاحبة أسلوب مميز في الإحتساب، فإنها لم تذكر لهم خطورة السخرية أو الشماتة بالمسلم، فإن هذا قد يكون مما هو معلوم لديهم، بل زادتهم على ذلك بأن بينت ما لهذا الرجل الذي قد ضحكوا منه من الأجر والثواب إذا ما صبر وإحتسب، فهي تربيهم هنا على عدم الشماتة بالمسلم، وفي نفس الوقت تربيهم على الصبر والإحتساب، وأن ما يصيب المسلم من بلاء فيصبر عليه، ويحتسب أجره على ربه إلا كان سبباً للتكفير عن سيئاته، وتكثير حسناته، وإغتنام الفرص لطرح أكثر من فائدة هو منهج نبوي، فعندما سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ»، فلم يكتف عليه الصلاة والسلام بالإجابة على إمكان الوضوء من ماء البحر، بل بين أيضاً إباحة ميتة البحر، فقد يحتسب المحتسب على منكر معين، ثم يفيد المحتسب عليه بفائدة، أو يعظه موعظة حسنة، أو يعلمه ما ينفعه من الخير، أو يدله على الدروس العلمية، وحلقات الذكر.. وغير ذلك من أبواب الخير، فيكون المحتسب واسع النظرة، فليس عنده فقط أن يُترك المنكر، بل يسعى إلى أكثر من ذلك، يسعى إلى تصحيح مسار المحتسب عليه، وأن يكون الإحتساب نواة خير لحياة أجمل.

ـ مما تميز به إحتساب عائشة رضي الله عنها في هذه القصة: أنها كانت صاحبة حجة ودليل، وهذا سلاح مهم لكل محتسب، إذ لابد أن يكون عنده رصيد من العلم الذي يستطيع به أن يتكلم مع المحتسب عليهم، ولا يخفى على أحد فضل العلم ومكانته العظيمة في الإسلام، وإذا كان المحتسب صاحب علم فيما يحتسب عليه فهو خير على خير، وفضل على فضل، ونور على نور، يقول الرب عز وجل: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف:108]، يقول الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان: يشترط في الآمر بالمعروف أن يكون له علم يعلم به أن ما يأمر به معروف، وأن ما ينهى عنه منكر، لأنه إن كان جاهلاً بذلك فقد يأمر بما ليس بمعروف، وينهي عما ليس بمنكر، ولا سيما في هذا الزمن الذي عم فيه الجهل، وصار فيه الحق منكراً، والمنكر معروفاً...، فدل على أن الداعي إلى الله لابد أن يكون على بصيرة، وهي الدليل الواضح الذي لا لبس في الحق معه، ولا يعني: أنه إما أن يكون عالماً أو لا يحتسب، بل يكون على علم بما يحتسب عليه، فيعرف ما يأمر به أنه معروف، ويعرف ما ينهى عنه أنه منكر، حتى لا يقع تشويه للشريعة السمحة، فيُحل ما حرم الله تعالى، أو يحرم ما أحل الله تعالى، وكل ذلك جهل حذر الله تعالى منه، فقال: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} [النحل:116]، وقال: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء:36]، بل جعل القول عليه بغير علم بعد الشرك به سبحانه، فقال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف:33].

ـ ونستفيد من هذه القصة: أهمية إحتساب أهل العلم، وأنهم صمام أمان الأمة، فبعلمهم يستنير الناس، ويسلكون مسالك الخير، ويبتعدون عن كل شر وفتنة، وهذا ما فعلته عائشة رضي الله عنها، وهي من علماء الصحابة، بل من أعلمهم، فلم تقف مكتوفة الأيدي أما هذا المنكر، فضلاً عن منكرات أكبر من هذا، بل تكلمت بما تعلم، وإحتسبت على أولئك الشباب، وهذا دور العالم الذي لابد أن يكون مشعل نور وهداية للمجتمع، فيدعو إلى الله، ويحتسب على أهل المنكرات بقدر إستطاعته، ويكون داعماً لأهل الحسبة بكل ما يستطيع من الدعم المادي والمعنوي، وعلى هذا سار علماء الأمة، من عهد الصحابة الكرام إلى عصرنا الحاصر، ولا يزال ألو بقية منهم يسيرون على طريق الإحتساب حتى قيام الساعة مقتدين بخير سلف، محذرين من عاقبة ترك الإحتساب: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ} [هود:116].

ـ تجلى لنا في قصة إحتساب عائشة رضي الله عنها: دور المرأة في الإحتساب، وأنها من أركان المجتمع الذين تقوم عليهم شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن المرأة في الإسلام فعالة وإيجابية، ومحتسبة بقدر إستطاعتها، وبما يناسب أنوثتها، ومعلوم مكانة المرأة في المجتمع، فهي الأم، وهي البنت، وهي الأخت، وهي الزوجة، وهي العمة، وهي الخالة، فلا يستغني المجتمع أبداً عن إحتساب المرأة، فتحتسب المرأة على غيرها من النساء، وعلى من يجيز لها الشرع الإحتساب عليهم، حتى يسمو المجتمع، ويصلح بإذن الله تعالى، ويستمر فيه الخير والعطاء، وحفظ رب الأرض والسماء.

الكاتب: عادل محمد الشميري.

المصدر: موقع المحتسب.