روائع مختارة | روضة الدعاة | زاد الدعاة | الوعظ إفتاء...أخطر من الإفتاء في الحلال والحرام ـ 3

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
روائع مختارة
الصفحة الرئيسية > روائع مختارة > روضة الدعاة > زاد الدعاة > الوعظ إفتاء...أخطر من الإفتاء في الحلال والحرام ـ 3


  الوعظ إفتاء...أخطر من الإفتاء في الحلال والحرام ـ 3
     عدد مرات المشاهدة: 723        عدد مرات الإرسال: 0

تكلمنا في مقالين سابقين عن خطر وظيفة الداعية، وأنها وظيفة تستوجب شروطًا شديدة، لا تقلّ عن شرط الفقيه المفتي والعالم الذي لديه قدرة التجديد والإصلاح في الفقه والدين.

ولكننا دائما ما نُفاجأ بإستدلالات تزعم التأصيل لذلك التضليل بإسم نشر الدعوة وحض الناس على الخير!!

ومن أهم إستدلالات هذا الخطأ التي كثيرا ما أسمعها تتكرر: ذلك الفهم السقيم لقوله صلى الله عليه وسلم: «بَلّغُوا عنّي ولو آية»، ونحوه من النصوص التي تحث على البلاغ، ولو كان المبلِّغُ لم يعلم من الدين إلا أيسرَ قدرٍ منه كالآية!

إذ إنهم لم يفرقوا بين بلاغ النقل وبلاغ التفقه والإستنباط، فبلاغ النقل هو الذي لا يمارس صاحبه فيه إلا تبليغَ ما سمع، كما سمع، دون تدخل بإجتهاداته الخاصة حول فقه ما سمع، فهذا البلاغُ المحدودُ بالنقل بلاغٌ محمودٌ حتى ممن يجهل معناه، ولا يُشترط له إلا صحة النقل، وهذا هو ما نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر، يحثُّ فيه صلى الله عليه وسلم على البلاغ عنه أيضا، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأً سمع مقالتي، فوعاها، ثم أداها كما سمعها، فرب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه».

ولفهم هذا الحديث يجب التنبه أولا: إلى أن الفقه في لسان الشرع ليس هو مجرد العلم بالحلال والحرام، وإنما ما هو أوسع من ذلك، فـ الفقه تعبير عن: الفهم العميق للنصوص، ولمقاصد الشرع فيها، ولواقع تطبيقها.

ولذلك فإن البلاغ الذي أمر به الشرعُ غيرَ الفقيه: لن يكون سوى مجرد النقل! مجرد النقل كما سمع: دون فُضُول فَهْمِ الجاهل فيه، ودون إدعاء إستنباطاتٍ لا تحق له، وبغير خوض مجاهل لا يبلغها علمه، وبلا تطاولٍ على أسوارٍ للعلم تَقْصُرُ دونها قدراته، لأن.. وبكل سهولة.. غيرَ الفقيه لا يحق له أن يقوم بوظيفة الفقيه!

وأما ما نشاهده اليوم من تجاوز الوعاظ، بحجة «بلغوا عني ولو آية»، فقد أصبحوا بحجة هذا الحديث كثيرًا ما يُبلِّغون عن أنفسهم لا عن الله عز وجل ولا عن رسوله صلى الله عليه وسلم، بل لا يُبلّغون حتى عن فقه كلام الله عز وجل ولا عن فقه حديث رسوله صلى الله عليه وسلم! وذلك عندما خرجوا عن بلاغ النقل، إلى بلاغ فهمهم للمنقول! فهم إنما يُبلِّغون فهمَهم القاصرَ وتصوراتِهم المضطربةَ عن كلام الله تعالى وعن حديث رسوله صلى الله عليهم وسلم، بسبب أنهم تجاوزوا مَهمتهم في النقل، وأرادوا القيام بوظيفة الفقيه في تصدره للفتوى العامة.

وللتأكيد على ضرورة شمولية علم الواعظ للعلوم الإسلامية، وأنه يجب أن يكون صاحبَ فكرٍ -مفكّرًا إسلاميا- قادرًا على النقد والتحليل، يستطيع التعمق في العلوم وفي دراسة المجتمع: جاء تأكيدُ الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه على أن يكون الواعظ عالما بالناسخ والمنسوخ، وإلا لهلك هو وأهلك المجتمعَ معه -كما سبق نقل كلامه الصحيح عنه!

ولا بُدّ أن يستغرب القارئ من تخصيص علي رضي الله عنه لهذا الباب من أبواب العلم، مع أنه باب خاص جدا في عُرفنا، وعلاقته بالفتوى وبالحلال والحرام أظهر، وهو إستغراب في محله، مع إستقرار معنى النسخ في أذهان كثير من الباحثين وطلبة العلم على أنه متعلقٌ بتغيير حكم شرعي زمن التشريع: رفعُ تَعَلُّقِ حكمٍ شرعي بخطابٍ شرعيٍّ متأخرٍ عنه.

لكن لو عرفنا معنى النسخ عند السلف، لزال هذا الإستغراب، ولربما حلَّ مكانه إستغراب آخر!

فالنسخ عند السلف يشمل صورا عديدة، تبدأ:

ـ بصور نسخ التلاوة -مع نسخ الحكم أوبقائه-.

ـ ومن نسخ الحكم دون التلاوة.

ـ إلى تخصيص العام.

ـ وتقييد المطلق.

ـ وكل صور بيان المجمل.

ـ وإنتهاء بورود آية -أو لفظة في آية- ترفع عن الأذهان توهم فهم خاطئ، لولاها لوقع السطحيون أوالغالطون فيه!!

إذن فالنسخ عند السلف هو: كل فهم عميق يخالف ظاهريةَ فهم السطحيين، هوكل فهم يعرف خطورة الإكتفاء بظاهر النص، دون إستيعاب النظر والتفقه في بقية النصوص، ودون ملاحظة كل صوارف المعنى عن ظواهره السطحية من مقصد وعلة ومن سياق خاص وعام، ومن عُرف لغوي أوشرعي.. ونحو ذلك من الصوارف عن الظاهر أومن المفسِّرات للفظ المحتمل، هذا كله هو النسخ عند السلف!!

فالنسخ عندهم هو: كل ما أعان على الفهم العميق والفقه الدقيق في الدين، حاميا من الوقوع في غلط فهم النص الشرعي!

وهنا يزول الإستغراب من تخصيص العلم بالنسخ بإشتراطه في الواعظ، ونعلم أن العلم المشترَط ليس هو مجرد العلم بنحو عشرين آية تبدّل الحكم فيها بآيات نزلت بعدها، بل هو العلم والملكة القادرة على إستنطاق النص وإستنباط خفاياه وإستخراج هداية الله تعالى منه مما يصلح الواقع أفرادًا وجماعات، ويُصحِّحُ الأفكارَ والتصورات!

وعَلِمَ الله أن هذا هو ما كان ينقصنا في وُعّاظنا، وغياب هذا العلم عن عامتهم هو ما جرَّ علينا الويلات منهم، وهو ما به قد هلكوا.. وأهلكوا أمتهم.

وبذلك إن إستغرب شخص من إشتراط كل هذه الشروط في الواعظ، ذكّرناه بوظيفة الوُعاظ، مما تقدم بيانُه في أول مقال كتبناه في هذه المقالات، من كون وظيفته تتعلق ببعض أشد المسائل عمقا وأخطرها أثرا في حياة المسلم، مما تستوجب أن لا يُشكّل آراء المسلمين فيها وأن لا يقود تصحيح تصوراتهم عنها، إلا أهل الفقه الحقيقي في الدين -فقهِ الفكرِ والتأملِ والاستنباط- لا فقه الحفظ والتكرار لما قيل.

وإلى يوم يصبح وعاظنا فيه مثل: تميم الداري رضي الله عنه، أومثل ابن الجوزي رحمه الله، أو دون ذلك بقليل: أترككم مع عقولكم: لا تقبلوا من وعاظنا الجهلة، إلا ما تيقنتم من صحته، وإحذروهم من تشويه فطركم، ومن الحيلولة بينكم وبين إصلاح حال أمتكم، بجهالات مواعظهم، وصراخ تزمتهم، ونار فتنتهم!!

الكاتب: أ. د. الشريف حاتم العوني.

المصدر: صحيفة المدينة.