فصل: مسألة: (الصلاة على الشهيد)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الطهارة والصلاة



.صلاة الليل:

وأفضل الصلوات ما كانت في جوف الليل؛ إذ هو وقت خلو البال، وهجعة العيون، فعن علي عليه السلام قال: (من صلى من الليل ثماني ركعات فتح الله له ثمانية أبواب من الجنة يدخل من أيها شاء).
وصلاة النافلة لا حد لها معين، وهي على حسب الرغبة والاستعداد لطاعة الله سبحانه.
وهناك نوافل اختصت بمزايا منها:

.صلاة الفرقان:

وهي ركعتان بعد سنة المغرب، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة آخر سورة الفرقان من قوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا} [الفرقان:61] إلى آخر السورة، وفي الركعة الثانية يقرأ بعد الفاتحة أول سورة المؤمنون إلى قوله تعالى: {فتبَارَكَ اللهُ أحسَنَ الْخَالِقِينَْ} [المؤمنون:14] ويستحب تكميل صلاة اليوم والليلة إلى خمسين ركعة لما روي في الجامع الكافي عن الحسن قال: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه أوصى علياً عليه السلام فقال: «عليك بصلاة الخمسين»، قال أحمد، والحسن، ومحمد: وصلاة الخمسين ركعتان قبل صلاة الفجر إذا طلع الفجر يعني سنة الفجر، وركعتا الفريضة، وثمان ركعات بعد الزوال قبل الظهر، والظهر أربع وبعدها أربع، ومنها ركعتا السنة، وأربع قبل العصر، والعصر أربع، والمغرب ثلاث، وأربع بعدها منهما ركعتا السنة، والعشاء أربع، وثمان ركعات صلاة الليل بعد العشاء الآخرة، والوتر ثلاث، قال أحمد: هذا عن علي عليه السلام وزيد بن علي عليه السلام وقد روي عن علي زين العابدين عليه السلام أنه كان يكمل الصلاة خمسين.

.صلاة التسبيح:

ومما اختص بالفضل صلاة التسبيح، وهي أربع ركعات بتسليمتين،يعني يصلي ركعتين ويسلم على اليمين واليسار، ثم يصلي ركعتين ويسلم على اليمين واليسار، ويجوز أن تكون بتسليمة واحدة، وذلك في ليل أو نهار، غير الوقت المكروه، لما في الجامع الكافي قال: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعمه العباس، ولجعفر بن أبي طالب -رضي الله عنهما- في صلاة التسبيح وهي: «أن يقرأ فاتحة الكتاب وسورة معها،ثم يسبح خمس عشرة مرة سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ثم يُركع ويُسبح عشراً، وإذا رفع رأسه من الركوع عشراً، وإذا سجد عشراً، وإذا رفع رأسه من السجود عشراً، وإذا سجد الثانية عشراً، وإذا رفع رأسه من السجود عشراً، فيكون ذلك خمساً وسبعين في كل ركعة».
قال: وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «فلو كانت ذنوبك مثل عدد نجوم السماء، وقطر الماء، وعدد أيام الدنيا، وعدد رمل عالج لغفرها الله لك، تُصلِّيها في كل يوم مرة واحدة، قال العباس -رحمه الله: ومن يطيق ذلك يا رسول الله؟ قال: افعلها كل جمعة، قال: ومن يطيق ذلك؟ قال: افعلها في كل شهر مرة، قال: ومن يطيق ذلك يا رسول الله؟ حتى قال: افعلها في عمرك مرة واحدة».

.صلاة الاستخارة:

كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُعلِّم أصحابه الاستخارة كما يعلمهم السورة من القرآن ويقول: «إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك فيه بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب،اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسّره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌ لي في ديني،ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله فاصرفه عني،واصرفني عنه، واْقدُر لي الخير حيث كان، ثم رضِّني به ويُسمِّي حاجته»، وفي التعليم الرباني خيرٌ جزيلٌ، ومن لزم الاستخارة في أموره الدينية والدنيوية لم يندم أبداً؛ لأنه يستخير في أموره من لا تخفى عليه خافية، ومن بيده ملكوت كل شيء.

.صلاة الحاجة:

عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من كانت له حاجة إلى الله عز وجل، أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ وليحسن الوضوء، ثم ليصل ركعتين، ثم ليثنِ على الله ويصلِّ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم،سبحان الله رب العرش العظيم،الحمد لله رب العالمين أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، لا تَدَعْ لي ذنباً إلا غفرته،ولا همّاً فرجته،ولا حاجةً هي لك رضاً ولي فيها صلاحٌ إلا قضيتها، يا أرحم الراحمين».

.تحية المسجد:

عن أبي ذرٍّ -رحمه الله- قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في المسجد جالس فاغتنمت خَلوته فقال: «يا أبا ذر، للمسجد تحية، قلت: وما تحيته يا رسول الله؟ قال: ركعتين تركعهما.. ثم التفت، فقلت: يا رسول الله، إنك أمرتني بالصلاة فما الصلاة؟ قال: خير موضوع فمن شاء أقل ومن شاء استكثر». ويستثنى من ذلك من وصل إلى المسجد الحرام فتحيته أن يطوف به سبعاً، ثم يصلي ركعتين خلف مقام إبراهيم. وكذلك من دخل المسجد في الوقت المكروه فليقعد على الصحيح ولا يتنفل حتى يمضي الوقت المكروه.

.كتاب الجنائز:

يؤمر المريض بالتوبة والتخلص عما عليه من حقوق الله كالزكوات، والكفارات والحج وغيرها، وحقوق المخلوقين كالديون والمظالم، فإن لم يتمكن المخلوق من ذلك في الحال أوصى وجوباً إلى من يخلِّص ذمته لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما حق امرئ مسلم له شيءٌ يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة» ومعنى ما حَقَّ امرئٍ: ما أحَقَّه وما أولاه بذلك، ويستحب تلقين المريض مرضاً شديداً: لا إله إلا الله، لقوله ً: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله».
ويستحب أيضاً لمن حضر: أن يكثر عند المحتضر من ذكر الله سبحانه وتعالى، وأن يأمره بحسن الظن بالله، ففي الحديث القدسي يقول الله سبحانه وتعالى: «أنا عند حسن ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء».
وكذا يستحب توجيهه إلى القبلة، وبعد موته تغمض عيناه، ويربط برباط من ذقنه إلى قمته؛ لكي لا يفتح فاه، ثم ينبغي الإسراع في تجهيزه والصلاة عليه ودفنه، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «اسرعوا بجنائزكم، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» ويستثنى من ذلك الغريق وصاحب الهدم، فينتظر فيه وقتاً لعله يفيق؛ ذكر ذلك الهادي إلى الحق عليه السلام.
ويجوز البكاء على الميت، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن العين لتدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون».
ويحرم شق الجيب، والصراخ، واللطم وغير ذلك مما يدل على السخط وعدم الرضا بقضاء الله وقدره، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «ليس منا من حلق، ولا من سلق، ولا من خرق، ولا من دعا بالويل والثبور».
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «صوتان ملعونان: صوت عند نغمةٍ مزمار، وصوت عند مصيبة نياحٌ وصراخٌ».

.غسل الميت:

لا خلاف في وجوب غسل الميت المسلم بين أهل العلم.
وأما الشهيد، وهو الذي يقتل في المعركة فلا يغسل، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الشهداء: «زَمِّلُوهم بدمائهم فإنه ليس كلْمٌ يُكْلَمُ في سبيل الله عز وجل إلا يأتي يوم القيامة بدم، لونه لون الدم وريحه ريحة المسك». وكذلك حكم من جُرح في أرض المعركة ومات من ذلك الجرح ولو بعد حين فإنه لا يُغسل إذا لم تتغير جراحه فإن تغيرت جراحاته غسل.

.مسألة: [صفة تكفين الشهيد]

ويكفَّن الشهيد في الثياب التي قُتل بها ولو أصابها دم، وتجوز الزيادة على ذلك، ولا ينزع منها إلا ما كان يستخدم حال القتال، أو كان ثقيلاً، كالخف والفرو والجورب والجاكت وغيرها.

.فضل الشهيد:

قال تعالى: {اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} [التوبة:111] وقال تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ...الآيةَ} [آل عمران:169]
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «للشهيد عند الله ست خصال: يُغفر له في أول دفعة (يعني من دمه)، ويرى مقعده من الجنة، ويُجار من عذاب النار، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ولياقوتةٌ منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوَّج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويُشفَّع في سبعين من أقاربه».
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في اللحد وقال: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة» وأمر بدفنهم بدمائهم.
وقال رجل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟! قال: «كفاه بارقة السيوف على رأسه فتنة».
ملاحظة: دلت هذه الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية على منزلة عظيمة لا ينالها إلا من أخلص دينه، وجاهد نفسه، وصدق مع الله عز وجل، كما قال ً: «من سأل الله الشهادة بصدق بَلَّغَهُ الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه».
وما أحسن قول العلامة الجيوري:
النية الأصلُ والرحمنُ مطَّلِعٌ ** والحافظان لدينا قطُّ ما غفلا

وهذا الفضل العظيم والشرف الرفيع،إنما هو لمن قاتل لتكون كلمة الله العليا، قال رجل: يا رسول الله، منا من يقاتل حمية، ومنا من يقاتل من أجل المغنم، ومنا من يقاتل ليرى مكانه.. فَمَنْ في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله». نسأل الله أن يرزقنا الشهادة في سبيله.

.مسألة: [الصلاة على الشهيد]

ويصلَّى على الشهيد، لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى على شهداء أحد وكبَّر على عمّه الحمزة سبعين تكبيرة، يُرْفَعُ قومٌ ويوضعُ آخرونَ، وحمزةُ موضوعٌ مكانه يكبر عليه وعلى من استشهد معه يوم أحد.

.كيفية غسل الميت:

يوضع الميت على المغتسل مجرداً من الثياب مستور العورة، ثم تمسح بطنه مسحاً رفيقاً ثلاثاً؛ ليخرج من بطنه ما بقي من الفضلات إلا الحامل فلا تمسح بطنها إذا مات ما في بطنها، ثم يلف الغاسل على يده خرقة؛ لكي لا يباشر النجاسة، ثم يصب الماء على فرجه وينقيه، ولا ينظر إلى عورته، ثم يوضيه مثل وضوئه للصلاة، فيغسل فمه وأنفه ووجهه وذراعيه مع المرفقين،ثم يصب الماء على رأسه وسائر بدنه، ويقلبه يميناً وشمالاً برفق، وينقي ما تحت أظفاره.
ثم يغسله المرة الثانية بالصابون أو السدر، فإذا فرغ من ذلك غسله بالماء القراح، ثم يغسله المرة الثالثة بماء فيه شيء من الكافور، لشد جسمه، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لمن غسلن ابنته: «اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافوراً». وإذا لم يجد الغاسل سدراً، أو صابوناً غسله بالماء القراح، فإذا لم يجد ماءً يمَّمَه وصلوا عليه، وكذلك من يخشى تبدد جسمه أو أعضائه، فإنه يصب عليه الماء صباً إذا أمكن، وإلا يُمِّمَت أعضاؤُه تيممه بالتراب.

.من يغسل الميت:

ويكون الغاسل للميت من جنسه، فيغسل الرجل رجل، والمرأة امرأة، ولا خلاف في ذلك، وللرجل أن يغسل زوجته والعكس لما روي أن علياً غسل زوجته فاطمة عليهما السلام.

.فضل من غسل مسلماً:

عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من غسل أخاً له مسلماً، فنظفه ولم يقذره، ولم ينظر إلى عورته، ولم يذكر فيه سوءاً، ثم شيعه وصلى عليه، وجلس حتى يدلى في قبره خرج من ذنوبه عُطْلاً» يعني بلا ذنب.

.تكفين الميت:

الواجب من الكفن ثوب واحد ساتر لجميع بدنه من رأسه إلى قدمه، لما روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم كفّن عمه الحمزة -رضي الله عنه- في ثوب قصير،كان إذا غطّى رأسه بدت رجلاه، وإذا غطّى رجليه بدى رأسه، فغطى رأسه بالكفن، وجعل على رجليه شيئاً من الحشيش، وروي مثل ذلك في مصعب بن عمير -رضي الله عنه- حين استشهد في أحد.
والمشروع أن يكون الكفن واحداً،أو ثلاثة،أو خمسة، لما روي عن علي عليه السلام قال: كفنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ثلاثة أثواب: ثوبان يمانيان أحدهما سَحْقٌ -أي بالي- وقميص كان يتجمل به.
وروي عن النبي ً: أنه أمر أن تكفّن ابنته أم كلثوم في خمسة أثواب.
فإذا كفن في خمسة أُلبس قميصاً، وعُمِم بعمامة، أو خمار للمرأة وأزر بمئزر، وأُدرج في اثنين، وإن كُفِّن في ثلاثة أُلبس قميصاً، وأزر بمئزر وأُدرج في واحد، وإن كُفِّن في واحدٍ فإنه يلف فيه، ويستحب أن تكون الأكفان من الثياب البيض، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «البسوا من ثيابكم البياض فإنه أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم» ولا بأس أن تطيب الأكفان بالطيب والبخور والريحان إلا المحرم فلا يغطى رأسه، ولا يطيب لما روي عن ابن عباس قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فَخَرَّ رجلٌ من بعيره فَوُقِصَ فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا رأسه ولا تحنطوه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً».

.صلاة الجنازة:

تجب صلاة الجنازة على كل من مات من المسلمين صغيراً كان أو كبيراً، ذكراً أو أنثى، وهي فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن البعض الآخر، وهذا في حق من مات وظاهره العدالة ولا خلاف في ذلك، وأما من مات مصراً على عصيانه محارباً لله ولرسوله،متعدياً لحدود الله، تاركاً لفرائض الله، مجاهراً بارتكاب الجرائم ظالماً فاجراً، فأهل البيت ٍ لا يجيزون الصلاة عليه، لما روي أن رسول الله ً أُتي برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصلِّ عليه.
وهو الذي ملأ الله قلبه رحمة، بل كان يمتنع من الصلاة على الرجل الذي مات وعليه دين إذا علم بذلك، فكيف بمن اغتصب الأموال، وهتك الأعراض، وسفك الدماء، وكره وظلم الصالحين، أوظلم أهل بيت النبوة ومات غير تائب ولا نادم؛ إذ أن في ترك الصلاة عليه زجراً للعصاة والمجرمين، ومن اضطر إلى الصلاة على مثل هؤلاء فلا يدعو لهم كما فعل الحسين عليه السلام في سعيد بن العاص فإنه دعا عليه.
مسألة: تكفي صلاة واحدة على الجنائز الكثيرة، لما روي عن علي عليه السلام أنه قال: (لما كان أُحُدٌ أصيبوا فذهبت عامَّةُ رؤسهم فصلى عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكبَّر على حمزة سبعين تكبيرة). وإذا كان الموتى رجالاً ونساء جعل الرجال مما يلي الإمام، والنساء مما يلي القبلة، وهذا مروي عن علي عليه السلام وجماعة من الصحابة.

.كيفية صلاة الجنازة:

وهي أن يقف الإمام مقابلاً لسرة الرجل، وثدي المرأة، ويجعل بينه وبين الجنازة قدر ذراع، ثم يكبر خمس تكبيرات وجوباً، وبعد الخامسة يسلم، لما روي عن زيد بن أرقم أنه صلى على جنازة وكبر خمساً فلما سُئل عن ذلك قال: هي سنة نبيكم. وروي عن أمير المؤمنين أنه كبر على فاطمة خمساً. وقد أجمع على هذا الأوائل من آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
ويستحب: أن يقرأ المصلي بعد التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب، وبعد الثانية بـ{قل هو الله أحد}، وبعد الثالثة بـ{قل أعوذ برب الفلق}، وبعد الرابعة يصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم يدعو للميت، وبعد الخامسة يسلِّم، وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قرأ على جنازة بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى.
وعن ابن عباس أنه صلى على جنازة فقرأ فيها بفاتحة الكتاب وسورة معها، فلما انصرف سُئل عن ذلك فقال: سنة وحق. وعن أمير المؤمنين أنه قرأ على جنازة بفاتحة الكتاب وسورة معها، فلما انصرف سُئل عن ذلك فقال: سنة وحق. وروي عن أمير المؤمنين أنه قال في الصلاة على الميت: تبدأ في التكبيرة الأولى بالحمد والثناء على الله عز وجل، وفي الثانية الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والثالثة الدعاء لنفسه وللمؤمنين، وفي الرابعة الدعاء للميت والاستغفار له، والخامسة تكبر وتسلم.
وقد وردت أدعية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلاة الجنازة منها أنه كان يقول في صلاة الجنازة: «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وذكرنا وأنثانا، وصغيرنا وكبيرنا، وشاهدنا وغائبنا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده».
وورد أنه كان يقول: «اللهم إن هذا عبدك، وأنت خلقته، وأنت قبضت روحه، وأنت هديته للإسلام، وأنت أعلم بسره وعلانيته وقد جئنا لنشفع له فاغفر له». وكان علي عليه السلام إذا صلى على الطفل يقول: (اللهم اجعله لنا سلفاً وفرطاً وذخراً وأجراً). والأمر في ذلك موسعٌ فمن دعا فليدعِ بما شاء.

.دفن الميت:

ينبغي الإسراع بدفن الميت وتشييعه إلى مثواه الأخير بعد تجهيزه والصلاة عليه، فإن كان محسناً فقبره روضة من رياض الجنة، وإن كان مسيئاً فقبره حفرة من حفر النار.

.ما يستحب عند تشييع الجنازة وما يتبع ذلك من الأمور:

الخروج مع الجنازة والصلاة عليها، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «من تبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً وكان معها حتى يصلي عليها، ويفرغ من دفنها فإنه يرجع بقيراطين، كل قيراط مثل جبل أحد».
حمل الجنازة من جوانبها الأربعة، لقول ابن مسعود: إذا تبع أحدكم الجنازة فليأخذ بجوانب السرير الأربعة، ثم ليتطوع بعد أو يذر، فإن ذلك من السنة، وقال علي عليه السلام: (إذا لقيت جنازة فخذ بجوانبها وسلم على أهلها، فإنه لا يترك ذلك إلا عاجز).
المشي خلفها، لقول علي عليه السلام: (المشي خلف الجنازة أفضل من المشي أمامها، كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفرد).
اللحد، وهو حفر جانب القبر مما يلي القبلة، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «اللحد لنا والضرح لغيرنا».
والضرح هو الشق وسط القبر. وقال سعد بن أبي وقاص: الحدوا لي لحداً وانصبوا عليّ اللِّبن كما صُنع برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

.كيفية إنزال الميت إلى القبر وما يقال عند ذلك:

توضع الجنازة عند مؤخرة القبر، ثم يسل من قِبَلِ رأسه سلاً رفيقاً، ويوضع على جنبه الأيمن مستقبلاً بوجهه القبلة، لما روي أن عبدالله بن يزيد الخطمي أدخل الميت القبر من قبل رجلي القبر وقال: هذا من السنة، وعن أبي رافع قال: سَلَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سعد بن معاذ سلاً، ورش على قبره.
ويستحب: أن يُقال عند وضعه في قبره: بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: «منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى، بسم الله وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم».
ثم يعالج قبره بنصب اللبن أو الحجارة على لحده، ويستحب بعد ذلك لمن حضر الدفن أن يحثو بيده ثلاث حثيات، لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من حثى على قبر أخيه ثلاث حثيات من تراب كفّر عنه من ذنوبه ذنوب عام».
وروي عن علي عليه السلام أنه كان يقول إذا حثى على ميت: (اللهم إيماناً بك، وتصديقاً برسلك، وإيقاناً ببعثك، هذا ما وعد الله ورسوله وصدق الله ورسوله).

.ما يستحب بعد دفن الميت:

تربيع القبر قدر شبر ورشه بالماء، لما روي عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام قال: أُلْحد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحد ونصب الَّلِبنُ على قبره، وكفن في ثلاثة أثواب: ثوبين من برد البحرين وبردة حبرة. ورفع قبره من الأرض قريباً من شبر، ورُشَّ على قبره، وجعل على قبره حصباء العرصة.
وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم ربع قبر ابنه إبراهيم بيده، وحمزة بيده. وروي أيضاً أنه رشَّ قبر ابنه إبراهيم ووضع عليه الحصى، ويجوز وضع شيء أخضر على القبر، كالشجر والعود الرطب والريحان، لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرّ على قبرين فوضع عليهما جريدتين من جرائد النخل وقال: «إنه سيخفف عنهما ما دام العودان رطبين».
ويجوز وضع علامة على قبر الميت، كالحجر (الوثن) وكتب اسمه عليها؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وضع حجراً على قبر عثمان بن مضعون وقال: «أُعلِمُ به قبر أخي، وأدفن عنده من مات من أهلي».
استحباب التعزية لأهل الميت والدعاء له بالرحمة ولهم بالصبر، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «من عزّى مصاباً فله مثل أجره». وقد رويت ألفاظ في التعزية منها: تعزية الملائكة، فعن جابر -رحمه الله- قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عزتهم الملائكة ٍ يسمعون اللحن ولا يرون الشخص فقالت: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاءً من كل مصيبة، وخلفاً من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإنما المحروم من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. رواه الحاكم وقال: حديث صحيح الإسناد.
مواساة أهل الميت بالزيارات، وتفقد أحوالهم، وصنع الطعام لهم، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «اصنعوا لآل جعفر طعاماً».

.مسائل متفرقة:

لقبور المسلمين عند الله حرمة كبيرة، فلا يجوز زراعتها ولا استطراقها، ولا بناء المساكن عليها، بل حرم الشارع ما هو أدنى من ذلك، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «لأنْ يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده خير له من الجلوس على القبر».
حثّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم على زيارة القبور فقال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر بالآخرة وتزهِّد في الدنيا». وعن ابن عباس قال: مرَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال: «السلام عليكم يا أهل القبور، ويغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر».
وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على مشروعية الدعاء والاستغفار، وقراءة القرآن للأموات، وأنهم ينتفعون بذلك، منها: ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «اقرؤا يس على موتاكم».
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «من قرأ (يس) ابتغاء وجه الله غفر له ما تقدم من ذنبه، فاقرؤها عند موتاكم».
قال محب الدين الطبري: المراد الميت الذي فارقته روحه، وحمله على المحتضر قول بلا دليل، ولأن الأصل في الكلام هو الحقيقة، ولا موجب للعدول إلى المجاز، وعن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من مرَّ على المقابر، وقرأ قل هو الله أحد إحدى عشرة مرة، ثم وهب أجرها للأموات، أعطي من الأجر بعدد الأموات».
وروي أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: كان لي أبوان أبرُّهما حال حياتهما، فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ فقال ً: «إن من البر بعد موتهما أن تصلي لهما مع صلاتك، وتصوم لهما مع صيامك».
وعن ابن عباس قال: قال النبي ً: «ما الميت في قبره إلا شبه الغريق المتغوث، ينتظر دعوة تلحقه من أب أو أم أو ولدٍ أو صديق ثقة، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها، وإن الله لَيُدْخِلُ على أهل القبور من دعاء أهل الأرض أمثال الجبال، وإن هدية الأحياء إلى الأموات الاستغفار لهم». وقد قال العلماء: بأن من تصدق بصدقة ونوى بثوابها لفلان الميت أنه يصل نفعها إلى الميت، يعني نفع ثوابها، فكذلك من قرأ شيئاً من القرآن ونوى بثواب قراءته لفلان الميت، فإنه يصل إنشاء الله تعالى، فالمقصود بوصول القراءة إلى روح الميت هو وصول ثوابها لا مجرد الحروف والأصوات، فلا وجه لاستنكار بعض الناس على قراءة القرآن للموتى، فاستنكارهم لا وجه له.
وعن سفيان قال: كان يُقال: الأموات أحوج إلى الدعاء من الأحياء إلى الطعام والشراب. وقال النووي -رحمه الله- في شرح المهذب: يستحب لزائر القبور: أن يقرأ ما تيسر من القرآن، ويدعو لهم عقبها، نص عليه الشافعي وزاد في موضع آخر: وإن ختموا القرآن على القبر كان أفضل.
وقال ابن قدامة في آخر كتاب الجنائز في المغني ما نصه: فصل ولا بأس بالقراءة عند القبر. وقد روي عن أحمد أنه قال: إذا دخلتم المقابر فاقرؤا آية الكرسي، وثلاث مرات قل هو الله أحد، ثم قل: اللهم إن فضله لأهل المقابر.
قال ابن القيم الحنبلي: قد اُخْتُلِفَ في العبادات البدنية، كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر، فذهب أحمدُ وجمهور السلف إلى وصولها، وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة، نص على هذا أحمد لمَّا قيل له: الرجل يعمل الشيءَ من الخير من صدقة أو صلاة أو غير ذلك، فيجعل نفعه لأبيه أو أمَّه قال: أرجو، وقال: الميت يصل إليه كل شيءٍ من صدقة أو غيرها رفع أصوات المشيعين للجنازة بالتهليل والتحميد، والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته أمرٌ مستحسن؛ لأن في ذلك تنبيهاً وتقريعاً للغارقين في بحار الدنيا، والمنغمسين في الشهوات والملذات، وكأن القائل يقول لهم: لا تغتروا بهذه الحياة الدنيا، فعَمَّا قليلٍ ستخرجون منها كارهين، تاركين وراءكم الأموال والأولاد. وإن المؤمن ليجد لذلك وقعاً وتأثيراً في مشاعره، والسعيد من اتعظ بغيره.
والحمد لله أولاً وآخراً وصلى الله على من بعثه الله رحمة للعالمين، وعلى آله الطاهرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. آمين اللهم آمين،،