فصل: كتاب الصوم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر الرائق شرح كنز الدقائق ***


باب صدقة الفطر

لما كان لها مناسبة بالزكاة لكونها عبادة مالية وبالصوم؛ لأن شرط وجوبها الفطر بعد الصوم ذكرها بينهما، والصدقة العطية التي يراد بها المثوبة عنده - تعالى - وسميت بها؛ لأنها تظهر صدق رغبة الرجل في تلك المثوبة كالصداق يظهر به صدق رغبة الزوج في المرأة، والفطر لفظ إسلامي اصطلح عليه الفقهاء كأنه من الفطرة بمعنى الخلقة‏.‏

وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بها في السنة التي فرض فيها رمضان قبل أن تفرض زكاة المال وكان يخطب قبل الفطر بيومين يأمر بإخراجها كذا في شرح النقاية والكلام ها هنا في كيفيتها وكميتها وشرطها وحكمها وسببها وركنها ووقت وجوبها ووقت الاستحباب فالأول أنها واجبة كما في الكتاب وأراد به الوجوب المصطلح عليه عندنا، وإن كان ورد في السنة لفظ فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر؛ لأن معناه أمر أمر إيجاب، والأمر الثابت بظني إنما يفيد الوجوب، والإجماع المنعقد على وجوبها ليس قطعيا ليكون الثابت الفرض؛ لأنه لم ينقل تواترا؛ ولهذا قالوا‏:‏ من أنكر وجوبها لا يكفر واختلفوا هل هي على الفور أو التراخي فقيل تجب وجوبا مضيقا في يوم الفطر عينا، وقيل‏:‏ تجب موسعا في العمر كالزكاة وصححه في البدائع معللا بأن الأمر بأدائها مطلق عن الوقت فلا تضييق إلا في آخر العمر، ورده المحقق في تحرير الأصول بأنه من قبيل المقيد بالوقت لا المطلق لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ «أغنوهم في هذا اليوم عن المسألة‏}‏ فبعده قضاء فالراجح القول الأول وأما بيان كميتها وشرطها وسببها ووقتها فسيأتي مفصلا وأما ركنها فهو نفس الأداء إلى المصرف فهي التمليك كالزكاة فلا تتأدى بطعام الإباحة، وأما حكمها فهو الخروج عن عهدة الواجب في الدنيا ووصول الثواب في الآخرة والإضافة فيها من إضافة الشيء إلى شرطه، وهو مجاز؛ لأن الحقيقة إضافة الحكم إلى سببه، وهو الرأس بدليل التعدد بتعدد الرأس وجعلوها في الأصول عبادة فيها معنى المؤنة؛ لأنها وجبت بسبب الغير كما تجب مؤنته ولذا لم يشترط لها كمال الأهلية فوجبت في مال الصبي والمجنون خلافا لمحمد بخلاف العشر فإنه مؤنة فيها معنى العبادة؛ لأن المؤنة ما به بقاء الشيء، وبقاء الأرض في أيدينا به، والعبادة لتعلقه بالنماء وإذا كانت الأرض الأصل كانت المؤنة غالبة وللعبادة لا يبتدأ الكافر به، ولا يبقى عليه خلافا لمحمد كما تقدم‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ تجب على حر مسلم ذي نصاب فضل عن مسكنه وثيابه وأثاثه وفرسه وسلاحه وعبيده‏)‏؛ لأن العبد لا يملك، وإن ملك فكيف يملك، ورواية على في بعض الروايات بمعنى عن والكافر ليس من أهل العبادة فلا تجب ولو كان له عبد مسلم أو ولد مسلم، وهي وجبت لإغناء الفقير للحديث‏:‏ «أغنوهم في هذا اليوم عن المسألة‏}‏ والإغناء من غير الغنى لا يكون والغنى الشرعي مقدر بالنصاب، وشرط أن يكون فاضلا عن حوائجه الأصلية؛ لأن المستحق بالحاجة كالمعدوم كالماء المستحق للعطش فخرج النصاب المشغول بالدين، ولما كان حوائج عياله الأصلية كحوائجه لم يذكرها فإنه لا بد أن يكون النصاب فاضلا عن حوائجه وحوائج عياله كما صرح به في الفتاوى الظهيرية، ولم يقيد النصاب بالنمو كما في الزكاة لما قدمناه ولأنها وجبت بقدرة ممكنة لا ميسرة؛ ولهذا لو هلك المال بعد الوجوب لا يسقط بخلاف الزكاة كما عرف في الأصول، ولم يقيد بالبلوغ والعقل لما قدمناه فيجب على الولي أو الوصي إخراجها من مال الصبي والمجنون حتى لو لم يخرجها وجب الأداء بعد البلوغ كذا في البدائع وكما يخرج الولي من ماله عنه يخرج عن عبيده للخدمة كذا في الفتاوى الظهيرية‏.‏ وأشار بعد النصاب من الشروط إلى أنه ليس سببا فأفاد أنه لو عجل صدقة الفطر قبل ملك النصاب ثم ملك صح؛ لأن السبب هو الرأس كذا في البزازية إلا إذا كان الأب مجنونا فقيرا فإن صدقة فطره واجبة على ابنه كذا في الاختيار وكذا الولد الكبير إذا كان مجنونا فإن صدقة فطره على أبيه سواء بلغ مجنونا أو جن بعد بلوغه خلافا لما عن محمد في الثاني وخرج الأقارب، ولو في عياله، وإذا أدى عن الزوجة والولد الكبير بغير إذنهما جاز وظاهر الظهيرية أنه لو أدى عمن في عياله بغير أمره جاز مطلقا بغير تقييد بالزوجة والولد‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ عن نفسه وطفله الفقير وعبده لخدمته ومدبره وأم ولده لا عن زوجته وولده الكبير ومكاتبه أو عبده أو عبيد لهما‏)‏ شروع في بيان السبب، وهو رأسه وما كان في معناه ممن يمونه، ويلي عليه ولاية كاملة مطلقة للحديث‏:‏ «أدوا عمن تمونون‏}‏ وما بعد عن يكون سببا لما قبلها وزيدت الولاية للإجماع على أنه لو مان صغيرا أجنبيا لله - تعالى - لم يجب أن يخرج عنه لعدم الولاية ولأن الأئمة الثلاثة قالوا بوجوبها عن الأبوين المعسرين، وعن الولد الكبير في أحد قولي الشافعي، ولا ولاية عليهم فزيادة الولاية لم يدل عليها نص، ولم يقع عليها إجماع كذا قاله بعض المتأخرين، ويمكن أن يقال‏:‏ إن نفقة الفقير واجبة على الإمام في بيت المال، ولا تجب صدقة فطره إجماعا وليس ذلك إلا لعدم الولاية، وفيه بحث؛ لأن المراد أدوا على من يلزمكم مؤنته كما صرح به المحقق نفسه في تقرير عدم لزومها عن العبد المكاتب والمستسعى والمشترك فيه بحث؛ لأن المراد أدوا عمن تلزمكم مؤنته كولده الصغير أو العبيد فخرج الصغير الأجنبي إذا مانه لعدم الوجوب لا لعدم الولاية كذا في فتح القدير وخرجت الزوجة والولد الكبير لعدم الولاية وكذا الأصول والأقارب وخرج العبد المشترك أو العبيد لعدم كمال الولاية والمؤنة وخرج ولد الولد فإن صدقة فطره لا تجب على جده عند عدم أبيه أو فقره على ظاهر الرواية لعدم الولاية المطلقة فإن ولايته ناقصة لانتقالها إليه من الأب فصارت كولاية الوصي، وتعقبه في فتح القدير بالفرق بين الجد والوصي لوجوب النفقة على الجد دون الوصي فلم يبق إلا مجرد انتقال الولاية، ولا أثر له بالفرق بين الجد والوصي كمشتري العبد، ولا مخلص إلا بترجيح رواية الحسن أن على الجد صدقة فطرهم، وهذه مسائل يخالف فيها الجد الأب في ظاهر الرواية، ولا يخالف في رواية الحسن هذه والتبعية في الإسلام وجر الولاء والوصية لقرابة فلان ا هـ‏.‏ وقد يجاب عنه بانتقال الولاية له أثر في عدم الوجوب للقصور؛ لأنها لا تثبت إلا بشرط عدم الأب، ولا نسلم أن ولاية المشتري انتقلت له من البائع بل انقطعت ولاية البائع بالبيع وثبت للمشتري ولاية مطلقة غير منتقلة لحكم الشرع له بذلك كأنه ملكه من الابتداء واختار رواية الحسن في الاختيار وأطلق الطفل فشمل الذكر والأنثى للعلة المذكورة، وهو وجوب نفقته عليه وثبوت الولاية الكاملة عليه له فاستفيد منه أن البنت الصغيرة إذا زوجت وسلمت إلى الزوج ثم جاء يوم الفطر لا يجب على الأب صدقة فطرها لعدم المؤنة عليه لها كما صرح به في الخلاصة وشمل الولد بين الأبوين فإن على كل واحد منهما صدقة تامة كذا في الفتاوى الظهيرية وقيد الطفل بالفقر؛ لأن الطفل الغني بملك نصاب تجب صدقة فطره في ماله كما قدمناه كنفقته وقيد العبد بكونه للخدمة؛ لأنه لو كان للتجارة لا تجب صدقة فطره؛ لأنه يؤدي إلى الثنى، وهو تعدد الوجوب المالي في مال واحد؛ فلذا لم تجب عن عبيد عبده، ولو كان غير مديون لكونهم للتجارة كذا في النهاية، وفي القنية‏:‏ له عبد للتجارة لا يساوي نصابا وليس له مال الزكاة سواه لا تجب صدقة فطرة العبد، وإن لم يؤد إلى الثنى؛ لأن سبب وجوب الزكاة فيه موجود، والمعتبر سبب الحكم لا الحكم ا هـ‏.‏ وأطلقه فشمل المديون والمستأجر والمرهون إذا كان عنده وفاء بالدين والعبد الجاني عمدا كان أو خطأ والعبد المنذور بالتصدق به والعبد المعلق عتقه بمجيء يوم الفطر والعبد الموصى برقبته لإنسان وبخدمته لآخر فإنها على الموصى له بالرقبة بخلاف النفقة فإنها على الموصى له بالخدمة كذا في الفتاوى الظهيرية وأشار بقوله عبده لخدمته إلى أنه لا يخرج عن عبده الآبق، ولا عن المغصوب المجحود إلا بعد عوده فيلزمه لما مضى، ولا عن عبده المأسور؛ لأنه خارج عن يده وتصرفه فأشبه المكاتب، ولا عن خادمه بإجارة أو إعارة، ولا عن الحيوانات سوى الرقيق، ولا عن الحمل، وإلى أنه ليس في رقيق الأخماس ورقيق القوام مثل زمزم ورقيق الفيء والسبي ورقيق الغنيمة والأسرى قبل القسمة صدقة؛ إذ ليس لهم مالك معين كذا في البدائع‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ ويتوقف لو مبيعا بخيار‏)‏ أي يتوقف وجوب صدقة الفطر لو مر يوم الفطر والمبيع فيه خيار فمن استقر الملك له فهو عليه؛ لأن الملك والولاية موقوفان فكذا ما يبتنى عليهما أطلق الخيار فشمل ما إذا كان الخيار للبائع أو للمشتري أو لهما قيد بوجوب الصدقة؛ لأن النفقة تجب على من كان الملك له وقت الوجوب؛ لأنها لا تحتمل التوقف؛ لأنها تجب لحاجة المملوك للحال فلو جعلناها موقوفة لمات المملوك جوعا فاعتبرنا الملك فيها للحال ضرورة كذا في الكافي، ولا يخفى أن الخيار إذا كان للمشتري فعند الإمام خرج المبيع عن ملك البائع، ولم يدخل في ملك المشتري، ومع ذلك فالنفقة واجبة على المشتري إجماعا كما صرح به في الجوهرة شرح القدوري من خيار الشرط، ولم يعلله، ولعل وجهه أن المشتري لما ملك التصرف فيه إجماعا كانت نفقته عليه بخلاف البائع لا يملك التصرف‏.‏ وأشار إلى أن وجوب زكاة مال التجارة متوقف أيضا بأن اشتراه للتجارة بشرط الخيار فتم الحول في مدة الخيار فعندنا يضم إلى من يصير له إن كان عنده نصاب فيزكيه مع نصابه، وإلى أنه لو لم يكن في البيع خيار، ولم يقبضه المشتري حتى مر يوم الفطر فالأمر موقوف، فإن قبضه المشتري فالفطرة عليه، وإلا فإن رده على البائع بخيار عيب أو رؤية بقضاء أو بغير قضاء فعلى البائع؛ لأنه عاد إليه قديم ملكه منتفعا به وإلا بأن مات قبل قبضه فلا صدقة على واحد منهما لقصور ملك المشتري وعوده إلى البائع غير منتفع به فكان كالآبق بل أشد، وفي الفتاوى الظهيرية‏:‏ وفي الموقوف إن أجاز المالك البيع بعد يوم الفطر فعلى المجيز والعبد المشتري شراء فاسدا إذا مر عليه يوم الفطر في يد المشتري فالصدقة على البائع إذا رده، وإن لم يرده ولكن باعه المشتري أو أعتقه فالصدقة على المشتري، والعبد المجعول مهرا إن كان بعينه تجب الصدقة على المرأة قبضته أو لم تقبضه؛ لأنها ملكته بنفس العقد؛ ولهذا جاز تصرفها قبل القبض فإن طلقها قبل الدخول بها ثم مر يوم الفطر إن لم يكن المهر مقبوضا فلا صدقة على أحد، وإن كان مقبوضا فكذلك عند أبي حنيفة وعندهما تجب عليها، وفي الأصل لا صدقة في عبد المهر في يد الزوج ا هـ‏.‏ ما في الظهيرية بلفظه‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ نصف صاع من بر أو دقيقه أو سويقه أو زبيب أو صاع تمر أو شعير، وهو ثمانية أرطال‏)‏ بدل من الضمير في تجب أي تجب صدقة الفطر، وهي نصف صاع إلى آخره لحديث الصحيحين‏:‏ «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر على الذكر والأنثى والحر والمملوك صاعا من تمر، أو صاعا من شعير‏}‏ فعدل الناس به مدين من حنطة، والكلام مع المخالفين في المسألة طويل قد استوفاه المحقق في فتح القدير، وفي جعله دقيق البر وسويقه كالبر إشارة إلى أن دقيق الشعير وسويقه كهو كما صرح به في الكافي وأفاد أنه لا اعتبار للقيمة في الدقيق والسويق كأصلهما؛ لأن المنصوص عليه لا تعتبر فيه القيمة بخلاف غيره حتى لو أدى نصف صاع من تمر قيمته صاع من بر أو أكثر لا يجوز لكن صرح المصنف في الكافي بأن الأولى اعتبار القدر والقيمة في الدقيق والسويق وإن نص على الدقيق في بعض الأخبار إلا أنه ليس بمشهور فالاحتياط فيما قلنا، وهو أن يعطي نصف صاع دقيق حنطة أو صاع دقيق شعير يساويان نصف صاع بر وصاع شعير لا أقل من نصف يساوي نصف صاع من بر أو أقل من صاع يساوي صاع شعير، ولا نصف لا يساوي نصف صاع بر أو صاع لا يساوي صاع شعير كذا في فتح القدير وقيد بالدقيق والسويق؛ لأن الصحيح في الخبز أنه لا يجوز إلا باعتبار القيمة لعدم ورود النص به فكان كالزكاة وكالذرة وغيرها من الحبوب التي لم يرد بها النص، وكالأقط، وجعله الزبيب كالبر رواية الجامع الصغير وجعلاه كالتمر، وهو رواية عن أبي حنيفة وصححها أبو اليسر ورجحها المحقق في فتح القدير من جهة الدليل، وفي شرح النقاية والأولى أن يراعي في الزبيب القدر والقيمة، والضمير في قوله، وهو عائد إلى الصاع وتقديره بما ذكر مذهب أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف‏:‏ خمسة أرطال وثلث، وبه قال الأئمة الثلاثة، ومنهم من رفع الخلاف بينهم فإن أبا يوسف لما حرره وجده خمسة وثلثا برطل أهل المدينة، وهو أكبر من رطل أهل بغداد؛ لأنه ثلاثون إستارا، والبغدادي عشرون وإذا قابلت ثمانية بالبغدادي بخمسة وثلث بالمدني وجدتها سواء‏.‏ وهو الأشبه؛ لأن محمدا لم يذكر في المسألة خلاف أبي يوسف ولو كان لذكره على المعتاد، وهو أعرف بمذهبه، ورده في الينابيع بأن الصحيح أن الاختلاف بينهم ثابت بالحقيقة، والإستار بكسر الهمزة أربعة مثاقيل ونصف كذا في شرح الوقاية، وفي تقديره الصاع بالأرطال دليل أنه يعتبر نصف صاع أو صاع من حيث الوزن لا من حيث الكيل، وهو مذهب أبي حنيفة‏.‏ وعن محمد يعتبر كيلا؛ لأن النص جاء بالصاع، وهو اسم للمكيال حتى لو وزن أربعة أرطال فدفعها إلى الفقير لا يجزئه لجواز كون الحنطة ثقيلة لا تبلغ نصف صاع، وإن وزنت أربعة أرطال كذا قالوا لكن قولهم في تقدير الصاع إنه يعتبر بما لا يختلف كيله ووزنه، وهو بالعدس والماش فما وسع ثمانية أرطال أو خمسة وثلثا من ذلك فهو الصاع كما صرح به في الخانية يقتضي رفع الخلاف المذكور في تقدير الصاع كيلا ووزنا كذا في فتح القدير، وفي الفتاوى الظهيرية‏:‏ ولو أدى منوين من الحنطة بالوزن لا يجوز عند أبي حنيفة إلا كيلا، وهو قول محمد إلا أن يتيقن أنه يبلغ نصف صاع، وقال أبو يوسف‏:‏ يجوز ا هـ‏.‏ وهو مخالف لما نقل من الخلاف أولا، وفيها أيضا ويجوز نصف صاع من تمر ومثله من شعير، ولا يجوز نصف صاع من التمر ومد من الحنطة وجوزه في الكفارة وذكر الإمام الزندوستي في نظمه فإن أدى نصف صاع من شعير ونصف صاع من تمر أو نصف صاع تمر ومنا واحدا من الحنطة أو نصف صاع شعير وربع صاع حنطة جاز عندنا خلافا للشافعي فإن عنده لا يجوز إلا إذا كان الكل من جنس واحد ا هـ‏.‏ وأطلق المصنف نصف الصاع والصاع، ولم يقيده بالجيد؛ لأنه لو أدى نصف صاع رديء جاز، وإن أدى عفينا أو به عيب أدى النقصان، وإن أدى قيمة الرديء أدى الفضل كذا في الفتاوى الظهيرية، ولم يتعرض المصنف لأفضلية العين أو القيمة فقيل بالأول وقيل بالثاني والفتوى عليه؛ لأنه أدفع لحاجة الفقير كذا في الظهيرية واختار الأول في الخانية إذا كانوا في موضع يشترون الأشياء بالحنطة كالدراهم‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ صبح يوم الفطر فمن مات قبله أو أسلم أو ولد بعده لا تجب‏)‏ بيان لوقت وجوب أدائها، وهو منصوب على أنه ظرف ليجب أول الباب وعند الشافعي بغروب الشمس من اليوم الأخير من رمضان ومبنى الخلاف على أن قول ابن عمر في الحديث السابق ‏{‏فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر‏}‏ المراد به الفطر المعتاد في سائر الشهر فيكون الوجوب بالغروب أو الفطر الذي ليس بمعتاد فيكون الوجوب بطلوع الفجر ورجحنا الثاني؛ لأنه لو كان الفطر المعتاد لسائر الشهر لوجب ثلاثون فطرة فكان المراد صدقة يوم الفطر، ويدل عليه الحديث‏:‏ «صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون‏}‏ أي وقت فطركم يوم تفطرون كذا في البدائع، ولم يتعرض في الكتاب لوقت الاستحباب، وصرح به في كافيه فقال‏:‏ ويستحب أن يخرج الناس الفطرة قبل الخروج إلى المصلى يعني بعد طلوع الفجر من يوم العيد لحديث الحاكم كان ‏{‏يأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج صدقة الفطر قبل الصلاة وكان يقسمها قبل أن ينصرف إلى المصلى، ويقول‏:‏ أغنوهم عن الطوف في هذا البلد اليوم‏}‏‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ وصح لو قدم أو أخر‏)‏ أي صح أداؤها إذا قدمه على يوم الفطر أو أخره أما التقديم فلكونه بعد السبب؛ إذ هو الرأس، وأما الفطر فشرط الوجوب كما قدمناه؛ ولهذا قالوا‏:‏ لو قال لعبده‏:‏ إذا جاء يوم الفطر فأنت حر فجاء يوم الفطر عتق العبد ويجب على المولى صدقة فطره قبل العتق بلا فصل؛ لأن المشروط متعقب عن الشرط في الوجود لا مقارن بخلاف العلة فإن المعلول يقارنها، وكذا لو كان للتجارة يجب على المولى زكاة التجارة إذا تم الحول بانفجار الصبح من يوم الفطر، ونظيرهما ما لو قال لعبده‏:‏ إن بعتك فأنت حر حيث يصح البيع كذا في النهاية فصار كتقديم الزكاة على الحول بعد ملك النصاب بمعنى أنه لا فارق لا أنه قياس فاندفع به ما في فتح القدير من أن حكم الأصل على خلاف القياس فلا يقاس لكنه وجد فيه دليل، وهو حديث البخاري وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو بيومين وأطلق في التقديم فشمل ما إذا دخل رمضان وقبله وصححه المصنف في الكافي، وفي الهداية والتبيين وشروح الهداية، وفي فتاوى قاضي خان وقال خلف بن أيوب‏:‏ يجوز التعجيل إذا دخل رمضان، وهكذا ذكره الإمام محمد بن الفضل، وهو الصحيح في فتاوى الظهيرية والصحيح أنه يجوز تعجيلها إذا دخل شهر رمضان، وهو اختيار الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل وعليه الفتوى ا هـ‏.‏ فقد اختلف التصحيح كما ترى لكن تأيد التقييد بدخول رمضان بأن الفتوى عليه فليكن العمل عليه، وسبب هذا الاختلاف أن مسألة التعجيل على يوم الفطر لم تذكر في ظاهر الرواية كما صرح في البدائع لكن صحح هو أنه يجوز التعجيل مطلقا كما في الهداية وأما التأخير فلأنها قربة مالية فلا تسقط بعد الوجوب إلا بالأداء كالزكاة حتى لو مات ولده الصغير أو مملوكه يوم الفطر لا يسقط عنه أو افتقر بعد ذلك فكذلك، وفي أي وقت أدى كان مؤديا لا قاضيا كما في سائر الواجبات الموسعة كذا في البدائع وقد تقدم أن التحقيق أنه بعد اليوم الأول قاض لا مؤد؛ لأنه من قبيل المقيد بالوقت بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أغنوهم في هذا اليوم عن المسألة‏}‏ ومقتضاه أنه يأثم بتأخيره عن اليوم الأول على القول بأنه مقيد، وعلى أنه مطلق فلا إثم؛ ولهذا قال‏:‏ في الفتاوى الظهيرية‏:‏ ولا يكره التأخير ولم يتعرض في الكتاب لجواز تفريق صدقة شخص على مساكين، وظاهر ما في التبيين وفتح القدير أن المذهب المنع وأن القائل بالجواز إنما هو الكرخي وصرح الولوالجي وقاضي خان وصاحب المحيط والبدائع بالجواز من غير ذكر خلاف فكان هو المذهب كجواز تفريق الزكاة وأما الحديث المأمور فيه بالإغناء فيفيد الأولوية، وقد نقل في التبيين الجواز من غير ذكر خلاف في باب الظهار، وأما دفع صدقة جماعة إلى مسكين واحد فلا خلاف في جوازه‏.‏

‏(‏فروع‏)‏ ‏[‏أمر الزوج زوجته بأداء صدقة الفطر‏]‏

المرأة إذا أمرها زوجها بأداء صدقة الفطر فخلطت حنطته بحنطتها بغير إذن الزوج، ودفعت إلى الفقير جاز عنها لا عن الزوج عند أبي حنيفة خلافا لهما وهي محمولة على قولهما إذا أجاز الزوج كذا في الفتاوى الظهيرية وعلله في حيرة الفقهاء بأنها لما خلطت بغير إذنه صارت مستهلكة لحصته؛ لأن الخلط استهلاك عنده يقطع حق صاحبه عن العين، وفي قولهما‏:‏ لا يقطع وتجوز عنه لهذه العلة، وفي البدائع‏:‏ ولا يبعث الإمام على صدقة الفطر ساعيا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث ذكر الزندوستي أن الأفضل صرف الزكاتين يعني زكاة المال، وصدقة الفطر إلى أحد هؤلاء السبعة الأول إخوته الفقراء وأخواته ثم إلى أولاد إخوته وأخواته المسلمين ثم إلى أعمامه الفقراء ثم إلى أخواله وخالاته وسائر ذوي أرحامه الفقراء إلى جيرانه ثم إلى أهل مسكنه ثم إلى أهل مصره وقال الشيخ الإمام أبو حفص الكبير البخاري‏:‏ لا تقبل صدقة الرجل وقرابته محاويج حتى يبدأ بهم فيسد حاجتهم ثم أعطى في غير قرابته إن أحب كذا في الفتاوى الظهيرية، وفي الولوالجية‏:‏ وصدقة الفطر كالزكاة في المصارف ا هـ‏.‏ وينبغي أن يستثني الذمي كما سبق في المصرف، وفي عمدة الفتاوى للصدر الشهيد‏:‏ ولو دفع صدقة فطره إلى زوجة عبده جاز، وإن كانت نفقتها عليه ا هـ‏.‏ والله أعلم

كتاب الصوم

أخره عن الزكاة، وإن كان عبادة بدنية مقدمة على المالية لقرانها بالصلاة في آيات كثيرة، وذكر محمد رحمه الله الصوم عقب الصلاة في الجامع الكبير والصغير نظرا لما قلنا، وهو في اللغة ترك الإنسان الأكل، وإمساكه عنه ثم جعل عبارة عن هذه العبادة المخصوصة، ومن مجازه صام الفرس على آريه إذا لم يعتلف، ومنه قول النابغة خيل صيام كذا في المغرب، وفي الشرع ما سيذكره المصنف ولو قال كتاب الصيام لكان أولى لما في الفتاوى الظهيرية‏:‏ ولو قال لله علي صوم فعليه صوم يوم واحد، ولو قال فعلي صيام عليه صيام ثلاثة أيام كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ففدية من صيام‏}‏ ا هـ‏.‏ وركنه حقيقته الشرعية التي هي الإمساك المخصوص وسببه مختلف ففي المنذور النذر؛ ولذا قلنا‏:‏ لو نذر صوم شهر بعينه كرجب أو يوما بعينه فصام غيره أجزأ عن المنذور؛ لأنه تعجيل بعد وجوب السبب، وفيه خلاف محمد كما في المجمع وصوم الكفارات سببه ما يضاف إليه من الحنث والقتل والظهار والفطر، وسبب رمضان شهود جزء من الشهر اتفاقا لكن اختلفوا فذهب السرخسي إلى أن السبب مطلق شهود الشهر حتى استوى في السببية الأيام والليالي، وذهب الدبوسي وفخر الإسلام وأبو اليسر إلى أن السبب الأيام دون الليالي أي الجزء الذي لا يتجزأ من كل يوم سبب لصوم ذلك اليوم فيجب صوم جميع الأيام مقارنا إياه، وثمرة الخلاف تظهر فيمن أفاق في أول ليلة من الشهر ثم جن قبل أن يصبح ومضى الشهر، وهو مجنون ثم أفاق فعلى قول السرخسي يلزمه القضاء، ولو لم يتقرر السبب في حقه بما شهد من الشهر حال إفاقته لم يلزمه، وعلى قول غيره لا يلزمه القضاء، وصححه السراج الهندي في شرح المغني؛ لأن الليل ليس بمحل للصوم فكان الجنون والإفاقة فيه سواء، وعلى هذا الخلاف لو أفاق ليلة في وسط الشهر ثم أصبح مجنونا، وكذا لو أفاق في آخر يوم من رمضان بعد الزوال وجمع في الهداية بين القولين بأنه لا منافاة فشهود جزء منه سبب لكله ثم كل يوم سبب وجوب أدائه غاية الأمر أنه تكرر سبب وجوب صوم اليوم باعتبار خصوصه ودخوله في ضمن غيره كذا في فتح القدير، والذي يظهر أن صاحب الهداية يختار غير قول السرخسي؛ لأن السرخسي يقول‏:‏ كل يوم مع ليلته سبب للوجوب لا اليوم وحده، وتمام تقريره في الأصول

وشرائطه ثلاثة شرط وجوب، وهو الإسلام والبلوغ والعقل كذا في النهاية وفتح القدير، وفي غاية البيان ذكر الأولين ثم قال‏:‏ ولا يشترط العقل لا للوجوب، ولا للأداء ولهذا إذا جن في بعض الشهر ثم أفاق يلزمه القضاء بخلاف استيعاب الشهر حيث لا يلزمه القضاء للحرج واختاره صاحب الكشف فقال‏:‏ إن المجنون أهل للوجوب إلا أن الشرع أسقط عنه عند تضاعف الواجبات دفعا للحرج واعتبر الحرج في حق الصوم باستغراق الجنون جميع الشهر ا هـ‏.‏ وفي البدائع وأما العقل فهل هو من شرائط الوجوب وكذا الإفاقة واليقظة قال عامة مشايخنا‏:‏ ليست من شرائط الوجوب بل من شرائط وجوب الأداء مستدلين بوجوب القضاء على المغمى عليه والنائم بعد الإفاقة والانتباه بعد مضي بعض الشهر أو كله وكذا المجنون إذا أفاق في بعض الشهر وقال بعض أهل التحقيق من مشايخ ما وراء النهر‏:‏ إنه شرط الوجوب وعندهم لا فرق بينه وبين وجوب الأداء وأجابوا عما استدل به العامة بأن وجوب القضاء لا يستدعي سابقة الوجوب لا محالة وإنما يستدعي فوت العبادة عن وقتها، والقدرة على القضاء من غير حرج وهكذا وقع الاختلاف في الطهارة عن الحيض والنفاس فذهب أهل التحقيق إلى أنها شرط الوجوب فلا وجوب على الحائض والنفساء، وقضاء الصوم لا يستدعي سابقة الوجوب كما تقدم، وعند العامة ليست بشرط، وإنما الطهارة عنهما شرط الأداء، وتمامه في البدائع ولعله لا ثمرة له، والنوع الثاني من الشرائط شرط وجوب الأداء، وهو الصحة والإقامة والثالث شرط صحته، وهو الإسلام والطهارة عن الحيض والنفاس، والنية كذا في البدائع واقتصر في فتح القدير على ما عدا الأول؛ لأن الكافر لا نية له باشتراطها، ولم يجعلوا العقل والإفاقة شرطين للصحة؛ لأن من نوى الصوم من الليل ثم جن في النهار أو أغمي عليه يصح صومه في ذلك اليوم، وإنما لم يصح في اليوم الثاني لعدم النية؛ لأنها من المجنون والمغمى عليه لا تتصور لا لعدم أهلية الأداء، وأما البلوغ فليس من شرط الصحة لصحته من الصبي العاقل؛ ولهذا يثاب عليه كذا في البدائع وزاد في فتح القدير العلم بالوجوب أو الكون في دار الإسلام؛ لأن الحربي إذا أسلم في دار الحرب، ولم يعلم بفرضية رمضان ثم علم ليس عليه قضاء ما مضى وزاد في النهاية على شرائط الصحة الوقت القابل ليخرج الليل، وفيه بحث؛ لأن التعليق بالنهار داخل في مفهوم الصوم لا قيد له؛ ولهذا كان التحقيق في الأصول أن القضاء والنذر المطلق وصوم الكفارة من قبيل المطلق عن الوقت لا من المقيد به كما ذهب إليه فخر الإسلام، وحكمه سقوط الواجب، ونيل ثوابه إن كان صوما لازما، وإلا فالثاني كذا في فتح القدير، وفيه بحث؛ لأن صوم الأيام المنهية لا ثواب فيه فالأولى أن يقال وإلا فالثاني إن لم يكن منهيا عنه، وإلا فالصحة فقط‏.‏

وأقسامه فرض وواجب ومسنون ومندوب ونفل ومكروه تنزيها وتحريما فالأول رمضان وقضاؤه والكفارات والواجب المنذور والمسنون عاشوراء مع التاسع، والمندوب صوم ثلاثة من كل شهر ويندب فيها كونها الأيام البيض وكل صوم ثبت بالسنة طلبه والوعد عليه كصوم داود عليه الصلاة والسلام وعلى سائر الأنبياء والنفل ما سوى ذلك مما لم يثبت كراهته والمكروه تنزيها عاشوراء مفردا عن التاسع، ونحو يوم المهرجان وتحريما أيام التشريق والعيدين كذا في فتح القدير واستثنى في عمدة الفتاوى من كراهة صوم يوم النيروز والمهرجان أن يصوم يوما قبله فلا يكره كما في يوم الشك والأظهر أن يضم المنذور بقسميه إلى المفروض كما اختاره في البدائع والمجمع ورجحه في فتح القدير للإجماع على لزومه وأن يجعل قسم الواجب صوم التطوع بعد الشروع فيه، وصوم قضائه عند الإفساد، وصوم الاعتكاف كذا في البدائع أيضا، وبما ذكره المحقق اندفع ما في البدائع من قوله، وعندنا يكره الصوم في يومي العيد وأيام التشريق، والمستحب هو الإفطار فإنه يفيد أن الصوم فيها مكروه تنزيها، وليس بصحيح؛ لأن الإفطار واجب متحتم؛ ولهذا صرح في المجمع بحرمة الصوم فيها وينبغي أن يكون كل صوم رغب فيه الشارع صلى الله عليه وسلم بخصوصه يكون مستحبا، وما سواه يكون مندوبا مما لم تثبت كراهيته لا نفلا؛ لأن الشارع قد رغب في مطلق الصوم فترتب على فعله الثواب بخلاف النفلية المقابلة للندبية فإن ظاهره يقتضي عدم الثواب فيه، وإلا فهو مندوب كما لا يخفى، ومن المكروه صوم يوم الشك على ما سنذكره إن شاء الله - تعالى، ومنه صوم الوصال وقد فسره أبو يوسف و محمد بصوم يومين لا فطر بينهما، ومنه صوم يوم عرفة للحاج إن أضعفه، ومنه صوم يوم السبت بانفراد للتشبه باليهود بخلاف صوم يوم الجمعة فإن صومه بانفراده مستحب عند العامة كالاثنين والخميس وكره الكل بعضهم، ومنه صوم الصمت بأن يمسك عن الطعام والكلام جميعا كذا في البدائع، ومنه أيضا صوم ستة من شوال عند أبي حنيفة متفرقا كان أو متتابعا وعن أبي يوسف كراهته متتابعا لا متفرقا لكن عامة المتأخرين لم يروا به بأسا ثم اعلم أن الصيامات اللازمة فرضا ثلاثة عشر سبعة منها يجب فيها التتابع، وهي رمضان وكفارة القتل وكفارة الظهار وكفارة اليمين وكفارة الإفطار في رمضان والنذر المعين وصوم اليمين المعين، وستة لا يجب فيها التتابع، وهي قضاء رمضان وصوم المتعة، وصوم كفارة الحلق وصوم جزاء الصيد وصوم النذر المطلق، وصوم اليمين بأن قال‏:‏ والله لأصومن شهرا ثم إذا أفطر يوما فيما يجب فيه التتابع هل يلزمه الاستقبال أو لا فنقول‏:‏ كل صوم يؤمر فيه بالتتابع لأجل الفعل، وهو الصوم يكون التتابع شرطا فيه وكل صوم يؤمر فيه بالتتابع لأجل أن الوقت مفوت ذلك يسقط التتابع، وإن بقي الفعل واجب القضاء فالأول كصوم كفارة القتل والظهار واليمين والإفطار، ويلحق به النذر المطلق إذا ذكر التتابع فيه أو نواه، والثاني كرمضان والنذر المعين واليمين بصوم يوم معين كذا ذكره صاحب البدائع والإسبيجابي مختصرا ومحاسنه كثيرة منها شكر النعمة التي هي المفطرات الثلاثة؛ لأن بضدها تتبين الأشياء، ومنها أنه وسيلة إلى التقوى؛ لأنها إذا انقادت إلى الامتناع عن الحلال طمعا في مرضاته - تعالى، فالأولى أن تنقاد للامتناع عن الحرام، وإليه الإشارة بقوله - تعالى - ‏{‏لعلكم تتقون‏}‏ ومنها كسر الشهوة الداعية إلى المعاصي، ومنها الاتصاف بصفة الملائكة الروحانية، ومنها علمه بحال الفقراء ليرحمهم فيطعمهم، ومنها موافقته لهم‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ هو ترك الأكل والشرب والجماع من الصبح إلى الغروب بنية من أهله‏)‏ أي الصوم في الشرع الإمساك عن المفطرات الثلاث حقيقة أو حكما في وقت مخصوص من شخص مخصوص مع النية وإنما فسرنا الترك بالإمساك المذكور في كلام القدوري ليكون فعل المكلف ؛ لأنه لا تكليف إلا بفعل حتى قالوا‏:‏ إن المكلف به في النهي كف النفس لا ترك الفعل؛ لأنه لا تكليف إلا بمقدور، والمعدوم غير مقدور؛ لأن تفسير القادر بمن إن شاء فعل، وإن لم يشأ لم يفعل لا، وإن شاء ترك، وتمامه في تحرير الأصول وقلنا حقيقة وحكما ليدخل من أفطر ناسيا فإنه ممسك حكما واختص الصوم باليوم لتعذر الوصال المنهي عنه، وكونه على خلاف العادة وعليه مبنى العبادة؛ إذ ترك الأكل بالليل معتاد واشترطت النية لتمييز العبادة عن العادة كما سيأتي وأراد بالأهل من اجتمعت فيه شروط الصحة وتقدم أنها ثلاثة فخرج الكافر والحائض والنفساء والمراد باشتراط الطهارة عن الحيض والنفاس اشتراط عدمهما إلا أن يكون المراد منها الاغتسال كذا في النهاية والمراد بترك الأكل ترك إدخال شيء بطنه أعم من كونه مأكولا أو لا لما سيأتي من إبطاله بإدخال نحو الحديد، ولا يرد ما وصل إلى الدماغ فإنه مفطر كما سيأتي لما أن بين الدماغ والجوف منفذا فما وصل إلى الدماغ وصل إلى الجوف كما صرح به في البدائع على ما سيأتي، وفي البزازية استنشق فوصل الماء إلى فمه، ولم يصل إلى دماغه لا يفسد صومه‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ وصح صوم رمضان والنذر المعين والنفل بنية من الليل إلى ما قبل نصف النهار‏)‏ شروع في بيان النية التي هي شرط الصحة لكل صوم، وعرفها في المحيط بأن يعرف بقلبه أنه صوم، ووقتها بعد الغروب، ولا يجوز قبله، والتسحر نية كذا في الظهيرية ولم يتكلم على فرضية رمضان لما أنها من الاعتقادات لا لفقه لثبوتها بالقطعي المتأيد بالإجماع؛ ولهذا يحكم بكفر جاحده وكانت فرضيته بعد ما صرفت القبلة إلى الكعبة بشهر في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من الهجرة، وهو في الأصل من رمض إذا احترق سمي به؛ لأن الذنوب تحترق فيه، وهو غير منصرف للعلمية والألف والنون قال الجوهري‏:‏ يجمع على أرمضاء ورمضانات، وقال الفراء‏:‏ يجمع على رماضين كسلاطين وشياطين، وقال ابن الأنباري‏:‏ رماض جمع رمضان، وتقدم حكم النذر أنه فرض على الأظهر والمراد بالنفل ما عدا الفرض، والواجب أعم من أن يكون سنة أو مندوبا أو مكروها‏.‏ وأشار إلى أنه لو نوى عند الغروب لا تصح نيته؛ لأنه قبل الوقت كما قدمناه، وفي فتاوى الظهيرية‏:‏ ولو نوى أن يتسحر في آخر الليل ثم يصبح صائما لم تصح هذه النية كما لو نوى بعد العصر صوم الغد ا هـ‏.‏ واستدل الطحاوي لعدم اشتراط التبييت في رمضان بحديث الصحيحين في يوم عاشوراء ‏{‏من أكل فليمسك بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم‏}‏ وكان صومه فرضا حتى فرض رمضان فصار سنة ففيه دليل على أن من تعين عليه صوم يوم، ولم ينوه ليلا تجزئه النية نهارا فوجب حمل حديث السنن الأربعة ‏{‏لا صيام لمن لم ينو الصيام من الليل‏}‏ على نفي الكمال؛ لأن الأفضل في كل صوم أن ينوي وقت طلوع الفجر إن أمكنه أو من الليل كما في البدائع أو على أن المراد لم ينو كون الصوم من الليل فيكون الجار، وهو من الليل متعلقا بصيام الثاني لا ينوي فحاصله لا صيام لمن لم يقصد أنه صائم من الليل أي من آخر أجزائه فيكون نفيا لصحة الصوم من حين نوى من النهار، وعلى تقدير كونه لنفي الصحة وجب أن يخص عمومه بما روينا عندهم وعندنا لو كان قطعيا خص بعضه خصص به بعض فكيف، وقد اجتمع فيه عدم الظنية والتخصيص؛ إذ قد خصص منه النفل بحديث مسلم عن عائشة‏:‏ «دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال‏:‏ هل عندكم شيء فقلنا‏:‏ لا فقال‏:‏ إني إذا صائم‏}‏ فالحاصل أن صوم عاشوراء أصل وألحق به صوم رمضان، والمنذور المعين في حكمه، وهو عدم النية من الليل، ومقتضاه إلحاق كل صوم واجب به لكن القياس إنما يصلح مخصصا للخبر لا ناسخا، ولو جرينا على تمام لازم هذا القياس لكان ناسخا لحديث السنن؛ إذ لم يبق تحته شيء حينئذ فوجب أن يحاذى به مورد النص، وهو الواجب المعين من رمضان ونظيره من النذر المعين، ولا يمكن أن يلغى قيد التعيين في مورد النص الذي رويناه فإنه حينئذ يكون إبطالا لحكم لفظ بلا لفظ بنص فيه، وإنما اختص اعتبارها بوجودها في أكثر النهار؛ لأن ما رويناه من حديث الصحيحين واقعة حال لا عموم لها في جميع أجزاء النهار، واحتمل كون إجازة الصوم في تلك الواقعة لوجود النية فيها في أكثره واحتمل كونها للتجويز في النهار مطلقا في الواجب فقلنا بالأول؛ لأنه أحوط خصوصا، ومعنا نص السنن بمنعها من النهار مطلقا وعضده المعين، وهو أن للأكثر من الشيء الواحد حكم الكل، وإنما اختص بالصوم دون الحج والصلاة، فإن قران النية فيهما شرط حقيقة أو حكما كالمتقدمة بلا فاصل؛ لأن الصوم ركن واحد ممتد فبالوجود في آخره يعتبر قيامها في كله بخلافهما، فإنهما أركان فيشترط قرانها بالعقد على أدائها، وإلا خلت بعض الأركان عنها فلم يقع ذلك الركن عبادة واعتبر المصنف النية إلى ما قبل نصف النهار ليكون أكثر اليوم منويا؛ ولهذا عبر في الوافي بنية أكثره، وهي أولى لما أن النهار يطلق في اللغة على زمن أوله طلوع الشمس كما في النهاية وغيرها لكن هو في الشرع واليوم سواء من طلوع الفجر، وفي غاية البيان جعل أوله من طلوع الفجر لغة وفقها وعلى كل حال فهي أولى من عبارة القدوري ومختصر الكرخي والطحاوي ما بينه وبين الزوال؛ لأن ساعة الزوال نصف النهار من طلوع الشمس ووقت الصوم من طلوع الفجر كذا في المبسوط والظاهر أن الاختلاف في العبارة لا في الحكم، وفي الفتاوى الظهيرية‏:‏ الصائم المتطوع إذا ارتد عن الإسلام ثم رجع إلى الإسلام قبل الزوال ونوى الصوم قال زفر لا يكون صائما، ولا قضاء عليه إن أفطر، وقال أبو يوسف‏:‏ يكون صائما، وعليه القضاء إذا أفطر، وذكر بعده وعلى هذا الخلاف‏:‏ إذا أسلم النصراني في غير رمضان قبل الزوال، ونوى التطوع كان صائما عند أبي يوسف خلافا لزفر وأطلق المصنف فأفاد أنه لا فرق بين الصحيح والمريض والمقيم والمسافر؛ لأنه لا تفصيل فيما ذكرنا من الدليل وقال زفر‏:‏ لا يجوز الصوم للمسافر والمريض إلا بنية من الليل؛ لأن الأداء غير مستحق عليهما فصار كالقضاء ورد بأنه من باب التغليظ، والمناسب لهما التخفيف، وفي فتاوى قاضي خان‏:‏ مريض أو مسافر لم ينو الصوم من الليل في شهر رمضان ثم نوى بعد طلوع الفجر قال أبو يوسف‏:‏ يجزئهما، وبه أخذ الحسن قال صاحب الكشف الكبير‏:‏ فهذا يشير إلى أن عند أبي حنيفة ومحمد لا يجزئهما ا هـ‏.‏ وهذه الإشارة مدفوعة بصريح المنقول من أن عندنا لا فرق كما ذكره في المبسوط والنهاية والولوالجية وغيرها‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ وبمطلق النية ونية النفل‏)‏ أي صح صوم رمضان وما معه بمطلق النية وبنية النفل أما في رمضان فلأن الشارع عينه لفرض الصوم فانتفى شرعية غيره من الصيام فيه فلم يشترط له نية التعيين فصح بنية صوم مباين له كالنفل والكفارات بناء على لغو الجهة التي عينها فيبقى الصوم المطلق، وبمطلق النية يصح صومه كالأخص نحو زيد يصاب بالأعم كيا إنسان وجمهور العلماء على خلافه قال في التحرير‏:‏ وهو الحق؛ لأن نفي شرعية غيره إنما توجب صحته لو نواه ونفي صحة ما نواه من الغير لا يوجب وجود نية ما يصح، وهو يصرح بقوله لم أرده بل لو ثبت لكان جبرا، ولا جبر في العبادات وقولهم‏:‏ الأخص يصاب بالأعم إنما يصح إذا أراد الأخص بالأعم، ولو أراده لارتفع الخلاف، وأعجب من هذا ما روي عن زفر أن التعيين شرعا يوجب الإصابة بلا نية ا هـ‏.‏ وقد يقال بأنه نوى أصل الصوم ووصفه، والوقت لا يقبل الوصف فلغت نية الوصف، وبقيت نية الأصل؛ إذ ليس من ضرورة بطلان الوصف بطلان الأصل، والإعراض إن ثبت فإنما هو في ضمن نية النفل أو القضاء وقد لغت بالاتفاق فيلغو ما في ضمنها، ولا يلزم الجبر؛ لأن معنى القربة في أصل الصوم يتحقق لبقاء الاختيار للعبد فيه، ولا يتحقق في الصفة؛ إذ لا اختيار له فيها فلا يتصور منه إبدال هذا الوصف بوصف آخر في هذا الزمان فيسقط اعتبار نية الصفة فعلم أنه لا يلزم الجبر إلا لو قلنا بوقوع الصوم من غير نية أصلا، وما ألزمنا به الشافعي هنا من لزوم الجبر لزمه في الحج فإنه صححه فرضا بنية النفل فما هو جوابه فهو جوابنا، وأما في النذر المعين فلأنه معتبر بإيجاب الله - تعالى، وإنما قال‏:‏ وبنية النفل، ولم يقل‏:‏ وبنية مباينة لما أن النفل لا يصح بنية واجب آخر بل يقع عما نوى ولما أن المنذور المعين لا يصح بنية واجب آخر بل يقع عما نوى بخلاف رمضان، والفرق بينهما أن التعيين إنما جعل بولاية الناذر، وله إبطال صلاحية ماله، وهو النفل لا ما عليه، وهو القضاء ونحوه، ورمضان متعين بتعيين الشارع، وليس له ولاية إبطال صلاحيته لغيره من الصيام لكن بقي عليه إفادة صحة رمضان بنية واجب آخر ويمكن أن يكون ذكر نية النفل إشارة إليه بجامع إلغاء الجهة لتعيينه، وإذا وقع عما نوى فهل يلزمه قضاء المنذور المعين لا ذكر لها في ظاهر الرواية والأصح وجوب القضاء كذا في الفتاوى الظهيرية، ولا يرد عليه المسافر فإنه لو نوى واجبا آخر في رمضان يصح عند أبي حنيفة ويقع عما نوى لإثبات الشارع الترخص له، وهو في الميل إلى الأخف، وهو في صوم الواجب المغاير؛ لأنه في ذمته، وفرض الوقت لا يكون في ذمته إلا إذا أدرك عدة من أيام أخر، وفي النفل عنه روايتان أصحهما عدم صحة ما نوى، ووقوعه عن فرض الوقت؛ لأن فائدة النفل الثواب، وهو فرض الوقت أكثر كما لو أطلق النية كذا في التقرير فعلم بهذا أن المسافر يصح صومه عن رمضان بمطلق النية وبنية النفل على الأصح فيهما مع وجود الروايتين فيهما؛ فلهذا لم يستثنه في المختصر وأما المريض إذا نوى واجبا آخر أو نفلا ففيه ثلاثة أقوال فقيل يقع عن رمضان؛ لأنه لما صام التحق بالصحيح واختاره فخر الإسلام وشمس الأئمة وجمع وصححه صاحب المجمع وقيل يقع عما نوى كالمسافر واختاره صاحب الهداية وأكثر المشايخ، وقيل بأنه ظاهر الرواية، وينبغي أن يقع عن رمضان في النفل على الصحيح كالمسافر على ما قدمناه، وقيل بالتفصيل بين أن يضره الصوم فتتعلق الرخصة بخوف الزيادة فيصير كالمسافر يقع عما نوى وبين أن لا يضره الصوم كفساد الهضم فتتعلق الرخصة بحقيقته فيقع عن فرض الوقت واختاره صاحب الكشف وتبعه المحقق في فتح القدير والتحرير وتعقبه الأكمل في التقرير بأن المعلوم أن المريض الذي لا يضره الصوم غير مرخص له الفطر عند أئمة الفقه كما شهدت كتبهم بذلك فمن لا يضره الصوم صحيح، وليس الكلام فيه ثم اعلم أنه وقع في عبارة القوم أصولا وفروعا أن رمضان يصح مع الخطأ في الوصف فذهب جماعة من المشايخ إلى أن مسألة نية الصوم النفل في رمضان من الصحيح المقيم إنما هي مصورة في يوم الشك بأن شرع بهذه النية ثم ظهر أنه من رمضان حتى يكون هذا الظن معفوا فأما لو وجدت في غيره يخشى عليه الكفر؛ لأنه ظن أن الأمر بالإمساك المعين يتأدى بغيره وبمثل هذا الظن يخشى عليه الكفر كذا في التقرير، وفي النهاية ما يرده فإنه قال في دليل الشافعي‏:‏ إنه لو اعتقد المشروع في هذا الوقت أنه نفل يكفر، وقال في رده‏:‏ إنه لما لغا نية النفل لم تتحقق نية الإعراض، وبه يبطل قوله‏:‏ إنه لو اعتقد فيه أنه نفل يكفر ا هـ‏.‏ والحاصل أنه ملازم بين نية النفل واعتقاد عدم الفرضية أو ظنه فقد يكون معتقدا للفرضية، ومع ذلك نوى النفل فلا يكون بنية النفل كافرا إلا إذا انضم إليها اعتقاد النفلية، وكذا لا يخشى عليه الكفر إلا إذا انضم إليها الظن المذكور والله - سبحانه وتعالى - أعلم ثم اعلم أن أبا حنيفة جرى على أصله في المواضع كلها من أن الأصل ينفك عن الوصف؛ فلهذا قال‏:‏ إذا بطلت صفة الفرضية في الصلاة لا يبطل أصلها وإذا بطلت الصفة في الصوم بقي أصله، وإذا قال لها‏:‏ أنت طالق كيف شئت وقع أصل الطلاق وكان الوصف مفوضا إليها وهما قالا في هذه المسألة بأن ما لا يقبل الإشارة من الأمور الشرعية فحاله ووصفه بمنزلة أصله فيتعلق الأصل بتعلقه فخالفا هذا الأصل في الصوم وخالفه أبو يوسف في الصلاة؛ لأنه موافق لأبي حنيفة فيها وجرى عليه محمد في الصلاة فإنه قال ببطلان الأصل إذا بطل الوصف فيها وقد فرق بعضهم لمحمد بين الصوم والصلاة ورده الأكمل في تقريره وقال في بحث كيف أن أصلهما المذكور ليس بصحيح؛ لأن صحته تستلزم انتفاء الفاسد على مذهبنا واللازم باطل؛ لأن الأحكام عندنا تنقسم إلى جائز وفاسد وباطل، بيان الملازمة أن الربا مثلا وسائر العقودات الفاسدة مشروعة بأصلها غير مشروعة بوصفها بالاتفاق، وهي مما لا يقبل الإشارة فلو كان ما ذكرناه صحيحا لكان الأصل فيه مثل الوصف والوصف غير مشروع وما كان غير مشروع بحسب الأصل والوصف فهو باطل اتفاقا لا فاسد أو كان الوصف مثل الأصل والأصل مشروع فكان الربا جائزا لا فاسدا، وهو باطل إجماعا ا هـ‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ وما بقي لم يجز إلا بنية معينة مبيتة‏)‏ أي ما بقي من الصيام، وهو قضاء رمضان والكفارات وجزاء الصيد والحلق والمتعة والنذر المطلق لا يصح بمطلق النية، ولا بنية مباينة، ولا بد فيه من التعيين لعدم تعين الوقت له، ولا بد فيه أيضا من النية من الليل أو ما هو في حكمه، وهو المقارنة لطلوع الفجر بل هو الأصل؛ لأن الواجب قران النية بالصوم لا تقديمها، وإنما جاز التقديم للضرورة، ومن فروع لزوم التبييت في غير المعين لو نوى القضاء نهارا فلم يصح هل يقع عن النفل في فتاوى النسفي نعم، ولو أفطر يلزمه القضاء قيل‏:‏ هذا إذا علم أن صومه عن القضاء لم يصح بنية النهار أما إذا لم يعلم فلا يلزم بالشروع كما في المظنون كذا في فتح القدير والذي يظهر ترجيح الإطلاق فإن الجهل بالأحكام في دار الإسلام ليس بمعتبر خصوصا أن هذه المسألة أعني عدم جواز القضاء بنية نهارا متفق عليها فيما يظهر فليس كالمظنون ولا يخفى أن قضاء النفل بعد إفساده وقضاء المنذور المعين داخل تحت قوله وما بقي ثم اعلم أن النية من الليل كافية في كل صوم بشرط عدم الرجوع عنها حتى لو نوى ليلا أن يصوم غدا ثم عزم في الليل على الفطر لم يصبح صائما فلو أفطر لا شيء عليه إن لم يكن رمضان، ولو مضى عليه لا يجزئه؛ لأن تلك النية انتقضت بالرجوع، ولو نوى الصائم الفطر لم يفطر حتى يأكل، وكذا لو نوى التكلم في الصلاة كذا في الظهيرية ولو قال‏:‏ نويت صوم غد إن شاء الله - تعالى - فعن الحلواني يجوز استحسانا؛ لأن المشيئة إنما تبطل اللفظ، والنية فعل القلب وصححه في فتاوى الظهيرية واعلم أنه يتفرع على كيفية النية ووقتها مسألة الأسير في دار الحرب إذا اشتبه عليه رمضان فتحرى وصام شهرا عن رمضان فلا يخلو إما أن يوافق أو لا بالتقديم أو بالتأخير فإن وافق جاز، وإن تقدم لم يجز، وإن تأخر، فإن وافق شوالا يجوز بشرط موافقة الشهرين في العدد وتعيين النية وتبييتها، ولا يشترط نية القضاء في الصحيح فإن كان كل منهما كاملا قضى يوما واحدا لأجل يوم الفطر، وإن كان رمضان كاملا وشوال ناقصا قضى يومين يوما لأجل يوم العيد ويوما لأجل النقصان، وعلى العكس لا شيء عليه، وإن وافق صومه هلال ذي الحجة، فإن كان رمضان كاملا وذو الحجة كاملا قضى أربعة أيام يوم النحر وأيام التشريق، وإن كان رمضان كاملا وذو الحجة ناقصا قضى خمسة أيام، وعلى عكسه قضى ثلاثة أيام، وإن وافق صومه شهرا آخر سوى هذين الشهرين، فإن كان الشهران كاملين أو ناقصين أو كان رمضان ناقصا، والآخر كاملا فلا شيء عليه، وعلى عكسه قضى يوما، ولو صام بالتحري سنين كثيرة ثم تبين أنه صام في كل سنة قبل شهر رمضان فهل يجوز صومه في الثانية عن الأولى، وفي الثالثة عن الثانية، وفي الرابعة عن الثالثة قيل‏:‏ يجوز، وقيل‏:‏ لا يجوز كذا في البدائع مختصرا وصحح في المحيط أنه إن نوى صوم رمضان مبهما يجوز عن القضاء، وإن نوى عن السنة الثانية مفسرا لا يجوز وقد علم من هذا أن من فاته رمضان وكان ناقصا يلزمه قضاؤه بعدد الأيام، لا شهر كامل ولهذا قال في البدائع قالوا فيمن أفطر شهرا بعذر ثلاثين يوما ثم قضى شهرا بالهلال فكان تسعة وعشرين أن عليه قضاء يوم آخر؛ لأن المعتبر عدد الأيام التي أفطر فيها دون الهلال؛ لأن القضاء على قدر الفائت، ولو صام أهل مصر تسعة وعشرين وأفطروا للرؤية، وفيهم مريض لم يصم فإن علم ما صام أهل مصره فعليه قضاء تسعة وعشرين يوما، وإن لم يعلم صام ثلاثين يوما؛ لأنه الأصل والنقصان عارض ا هـ‏.‏ وفي عدة الفتاوى لو قال لله علي صوم شوال وذي القعدة وذي الحجة فصامهن بالرؤية وكان هلال ذي القعدة وذي الحجة ثلاثين وشوال تسعة وعشرين فعليه صوم خمسة أيام‏:‏ الفطر والأضحية وأيام التشريق، ولو قال‏:‏ لله علي صوم ثلاثة أشهر فصامهن فعليه قضاء تسعة أيام؛ لأنه أشار إلى غائب فيلزم لكل شهر ثلاثون ا هـ‏.‏ وبما ذكرنا علم من يراجع فتح القدير أنه لم يستوف الأقسام كلها‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ ويثبت رمضان برؤية هلاله أو بعد شعبان ثلاثين يوما‏)‏ لحديث الصحيحين‏:‏ «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما‏}‏ والوجه في إثبات الرمضانية والعيد أن يدعي عند القاضي بوكالة رجل معلقة بدخول رمضان بقبض دين فيقر الخصم بالوكالة وينكر دخول رمضان فيشهد الشهود بذلك فيقضي القاضي عليه بالمال فيثبت مجيء رمضان؛ لأن إثبات مجيء رمضان لا يدخل تحت الحكم حتى لو أخبر رجل عدل القاضي بمجيء رمضان يقبل ويأمر الناس بالصوم يعني في يوم الغيم ولا يشترط لفظ الشهادة وشرائط القضاء أما في العيد فيشترط لفظ الشهادة، وهو يدخل تحت الحكم؛ لأنه من حقوق العباد كذا في الخلاصة من كتاب الشهادات وبهذا علم أن عبارة المصنف في الوافي أولى وأوجز، وهي‏:‏ ويصام برؤية الهلال أو إكمال شعبان؛ لأن الصوم لا يتوقف على الثبوت وليس يلزم من رؤيته ثبوته لما تقدم أن مجرد مجيئه لا يدخل تحت الحكم، ولم يتعرض لوجوب التماسه، ولا شك في وجوبه على الناس وجوب كفاية، وينبغي في كلام بعضهم بمعناه ووقته ليلة الثلاثين؛ ولهذا قال في الاختيار‏:‏ يجب التماسه في اليوم التاسع والعشرين وقت الغروب، وقول بعضهم في التاسع والعشرين تساهل نعم لو رئي في التاسع والعشرين بعد الزوال كان كرؤيته ليلة الثلاثين اتفاقا، وإنما الخلاف في رؤيته قبل الزوال يوم الثلاثين فعند أبي حنيفة ومحمد هو للمستقبلة وعند أبي يوسف هو للماضية والمختار قولهما لكن لو أفطروا لا كفارة عليهم؛ لأنهم أفطروا بتأويل ذكره قاضي خان، وفي الفتاوى الظهيرية وتكره الإشارة عند رؤية الهلال تحرزا عن التشبه بأهل الجاهلية‏.‏ وأشار المصنف إلى أنه لا عبرة بقول المنجمين قال في غاية البيان‏:‏ ومن قال‏:‏ يرجع فيه إلى قولهم فقد خالف الشرع؛ لأنه روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏{‏من أتى كاهنا أو منجما فصدقه بما قال فهو كافر بما أنزل على محمد‏}‏‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ ولا يصام يوم الشك إلا تطوعا‏)‏ وهو استواء طرفي الإدراك من النفي والإثبات، وموجبه هنا أحد أمرين إما أن يغم عليهم هلال رمضان، أو هلال شعبان فأكملت عدته، ولم ير هلال رمضان؛ لأن الشهر ليس الظاهر فيه أن يكون ثلاثين بل يكون تسعة وعشرين كما يكون ثلاثين فيستوي هاتان الحالتان بالنسبة إليه كما يعطيه الحديث المعروف في الشهر فاستوى الحال حينئذ في الثلاثين أنه من المنسلخ أو المستهل إذا كان غيم فيكون مشكوكا بخلاف ما إذا لم يكن؛ لأنه لو كان من المستهل لرئي عند الترائي فلما لم ير كان الظاهر أن المنسلخ ثلاثون فيكون هذا اليوم منه غير مشكوك في ذلك كذا ذكروا وقد قدمنا عن البدائع أن كونه ثلاثين هو الأصل، والنقصان عارض؛ ولهذا وجب على المريض الذي أفطر رمضان قضاء ثلاثين يوما إذا لم يعلم صوم أهل بلده فلو كان على السواء لم يلزم الزائد بالشك؛ لأن ظهور كونه كاملا إنما هو عند الصحو أما عند الغيم فلا إلا أن يقال‏:‏ الأصل الصحو والغيم عارض، ولا عبرة به قبل تحققه، وهم إنما ذكروا التساوي عند تحقق الغيم، ولم يتعرض لصفة صوم غير التطوع، ولا لصفته من الإباحة والاستحباب أما صوم غير التطوع، فإن جزم بكونه عن رمضان كان مكروها كراهة تحريم للتشبه بأهل الكتاب؛ لأنهم زادوا في صومهم، وعليه حمل حديث النهي عن التقدم بصوم يوم أو يومين، وفي استحبابه إن وافق صوما كان يعتاده على الأصح، ويجزئه إن بان أنه من رمضان لما تقدم، وإلا فهو تطوع غير مضمون بالإفساد؛ لأنه في معنى المظنون، وإن جزم بكونه عن واجب آخر فهو مكروه كراهة تنزيه التي مرجعها خلاف الأولى؛ لأن النهي عن التقدم خاص بصوم رمضان لكن كره لصورة النهي المحمول على رمضان فإن ظهر أنه من رمضان أجزأه عنه لما عرف إن كان مقيما وإلا أجزأه عن الذي نواه كما لو ظهر أنه من شعبان على الأصح وإن جزم بالتطوع فلا كلام في عدم كراهته وإنما الخلاف في استحبابه إن لم يوافق صومه والأفضل أن يتلوم، ولا يأكل، ولا ينوي الصوم ما لم يتقارب انتصاف النهار فإن تقارب، ولم يتبين الحال اختلفوا فيه فقيل الأفضل صومه وقيل فطره وعامة المشايخ على أنه ينبغي للقضاة والمفتين أن يصوموا تطوعا، ويفتوا بذلك خاصتهم ويفتوا العامة بالإفطار، وكان محمد بن سلمة وأبو نصر يقولان‏:‏ الفطر أحوط؛ لأنهم أجمعوا أنه لا إثم عليه لو أفطروا واختلفوا في الصوم قال بعضهم‏:‏ يكره ويأثم كذا في الفتاوى الظهيرية، وقولهم‏:‏ يصوم القاضي والمفتي المراد أنه يصوم من تمكن من ضبط نفسه عن الإضجاع عن النية وملاحظة كونه عن الفرض إن كان غد من رمضان؛ ولهذا قالوا‏:‏ ويفتوا بالصوم خاصتهم وأما إذا ردد فإن كان في أصلها كأن نوى أن يصوم غدا عن رمضان إن كان رمضان وإلا فليس بصائم وهذه صحيحة فليس بصائم، وفي الفتاوى الظهيرية وعن محمد ينبغي أن يغرم ليلة يوم الشك على أنه إن كان غد من رمضان فهو صائم عن رمضان، وإن لم يكن من رمضان فليس بصائم، وهذا مذهب أصحابنا ا هـ‏.‏ وإن ردد في وصفها فله صورتان أحدهما ما إذا نوى أن يصوم عن رمضان إن كان غد منه وإلا فعن واجب آخر، وهو مكروه لتردده بين مكروهين فإن ظهر أنه من رمضان أجزأه عنه وإلا كان تطوعا غير مضمون بالإفساد، ولا يكون عن الواجب لعدم الجزم به والثانية إذا نوى أن يصوم عن رمضان إن كان منه وإلا فتطوع فهو مكروه لنية الفرض من وجه، فإن ظهر أنه منه أجزأه، وإلا فتطوع غير مضمون لدخول الإسقاط في عزيمته من وجه، ولم يتعرض المصنف لصوم ما قبله وصرح في الكافي بأنه إن وافق يوم الشك صوما كان يصومه فالصوم أفضل وكذا إن صام كله أو نصفه أو ثلاثة من آخره، ولم يقيد بكون صوم الثلاثة عادة وصرح في التحفة بكراهة الصوم قبل رمضان بيوم أو يومين لمن ليس له عادة لقوله عليه السلام‏:‏ «لا تتقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يوافق صوما كان يصومه أحدكم‏}‏ وإنما كره خوفا من أن يظن أنه زيادة على رمضان إذا اعتادوا ذلك فالحاصل أن من له عادة فلا كراهة في حقه مطلقا، ومن ليس له عادة فلا كراهة في التقدم بثلاثة فأكثر ويكره في اليوم واليومين، وأما صوم الشك فلا يكره بنية التطوع مطلقا‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ من رأى هلال رمضان أو الفطر ورد قوله صام فإن أفطر قضى فقط‏)‏ لقوله تعالى في هلال رمضان ‏{‏فمن شهد منكم الشهر فليصمه‏}‏، وهذا قد شهده والحديث في هلال الفطر ‏{‏صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون‏}‏ والناس لم يفطروا في هذا اليوم فوجب عليه موافقتهم ولأن تفرده مع شدة حرص الناس على طلبه دليل غلطه، وإنما لم تجب الكفارة فيما إذا رأى هلال رمضان، ولم يصم؛ لأن القاضي رد شهادته بدليل شرعي، وهو تهمة الغلط فأورث شبهة، وهذه الكفارة تندرئ بالشبهات؛ لأنها ألحقت بالعقوبات باعتبار أن معنى العقوبة فيها أغلب بدليل عدم وجوبها على المعذور والمخطئ بخلاف بقية الكفارات فإنه اجتمع فيها معنى العبادة والعقوبة، والعبادة أغلب كما عرف في تحرير الأصول قيد بقوله ورد قوله أي ورد القاضي أخباره احترازا عما إذا أفطر قبل أن يرد القاضي شهادته فإنه لا رواية فيه عن المتقدمين واختلف المشايخ في وجوب الكفارة وصحح في المحيط عدم وجوبها ورجحه في غاية البيان باعتبار أنه يوم مختلف في وجوب صومه فإن الحسن وابن سيرين وعطاء قالوا بأنه لا يصومه إلا مع الإمام واحترازا عما إذا قبل الإمام شهادته، وهو فاسق وأمر الناس بالصوم فأفطر هو أو واحد من أهل بلده لزمته الكفارة، وبه قال عامة المشايخ خلافا للفقيه أبي جعفر؛ لأنه صوم يوم الناس فلو كان عدلا ينبغي أن لا يكون في وجوب الكفارة خلاف؛ لأن وجه النفي كونه ممن لا يجوز القضاء بشهادته، وهو منتف كذا في فتح القدير وأفاد أن التفرد بالرؤية من غير ثبوت عند الحاكم موجب لإسقاط الكفارة فدخل ما إذا رآه الحاكم وحده، ولم يصم فإنه لا كفارة عليه؛ ولهذا قالوا‏:‏ لا ينبغي للإمام إذا رآه وحده أن يأمر الناس بالصوم، وكذا في الفطر بل حكمه حكم غيره فليس له أن يخرج إلى العيد برؤيته وحده، وله أن يصوم إذا رآه، والوالي إذا أخبر صديقه صام إن صدقه، ولا يفطر، وإن أفطر لا كفارة عليه كذا في البزازية، وفي فتاوى قاضي خان‏:‏ ومن رأى هلال رمضان في الرستاق، وليس هناك وال وقاض فإن كان ثقة يصوم الناس بقوله، وفي الفطر إن أخبر عدلان برؤية الهلال لا بأس بأن يفطروا ا هـ‏.‏ وأشار بوجوب صومه إذا رأى هلال الفطر وحده إلى أن المنفرد برؤية هلال رمضان إذا صام وأكمل ثلاثين يوما لم يفطر إلا مع الإمام؛ لأن الوجوب علته الاحتياط، والاحتياط بعد ذلك في تأخير الإفطار ولو أفطر لا كفارة عليه اعتبارا للحقيقة التي عنده، وأطلق في الرائي فشمل من لا تقبل شهادته، ومن تقبل كذا في الفتاوى الظهيرية‏.‏ وأشار إلى رد قول الفقيه أبي جعفر من أن معنى قول الإمام أبي حنيفة فيما إذا رأى هلال الفطر لا يفطر لا يأكل، ولا يشرب ولكن ينبغي أن يفسد صوم ذلك اليوم، ولا يتقرب به إلى الله - تعالى -؛ لأنه يوم عيد عنده، وإلى رد ما قاله بعض مشايخنا من أنه إذا أيقن برؤية هلال الفطر أفطر لكن يأكل سرا كذا في الفتاوى الظهيرية، وفيها أيضا‏:‏ وإذا صام أهل مصر بغير رؤية، ورجل برؤية فنقص له يوم جاز‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ وقبل بعلة خبر عدل، ولو قنا أو أنثى لرمضان وحرين أو حر وحرتين للفطر‏)‏؛ لأن صوم رمضان أمر ديني فأشبه رواية الإخبار؛ ولهذا لا يختص بلفظ الشهادة خلافا لشيخ الإسلام، ولا يشترط الدعوى لكن قال في الفتاوى الظهيرية‏:‏ إنه قولهما أما على قول الإمام أبي حنيفة فينبغي أن يشترط الدعوى أما في شهادة الفطر والأضحى فيشترط لفظ الشهادة، وتشترط العدالة في الكل؛ لأن قول الفاسق في الديانات التي يمكن تلقيها من العدول غير مقبول كالهلال ورواية الإخبار، ولو تعدد كفاسقين فأكثر كذا في الولوالجية بخلاف ما لا يتيسر تلقيه منهم حيث يتحرى في خبر الفاسق كالإخبار بطهارة الماء ونجاسته وحل الطعام وحرمته وبخلاف الهدية والوكالة، وما لا إلزام فيه من المعاملات حيث يقبل خبره بدون التحري للزوم الضرورة، ولا دليل سواه فوجب قبوله مطلقا وحقيقة العدالة ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة، والشرط أدناها، وهو ترك الكبائر والإصرار على الصغائر، وما يخل بالمروءة كما عرف تحقيقه في تعريف الأصول فلزم أن يكون مسلما عاقلا بالغا، وأما الحرية والبصر وعدم الحد في قذف وعدم الولاء والعداوة فمختص بالشهادة، وعن أبي حنيفة نفي رواية المحدود والظاهر خلافه لقبول رواية أبي بكرة بعد ما تاب، وكان قد حد في قذف، وأما مجهول الحال، وهو المستور فعن أبي حنيفة قبوله وظاهر الرواية عدمه؛ لأن المراد بالعدل في ظاهر الرواية من ثبتت عدالته، وأن الحكم بقوله فرع ثبوتها، ولا ثبوت في المستور، وما ذكره الطحاوي من عدم اشتراط العدالة فمحمول على قبول المستور الذي هو إحدى الروايتين، وصحح البزازي في فتاويه قبول المستور، وهو خلاف ظاهر الرواية كما علمت أما مع تبين الفسق فلا قائل به عندنا وفرعوا عليه ما لو شهدوا في تاسع عشرين رمضان أنهم رأوا هلال رمضان قبل صومهم بيوم وإن كانوا في هذا المصر لا تقبل شهادتهم؛ لأنهم تركوا الحسبة، وإن جاءوا من خارج قبلت، وفي البزازية‏:‏ الفاسق إذا رآه وحده يشهد؛ لأن القاضي ربما يقبل شهادته لكن القاضي يرده ا هـ‏.‏ وأما في هلال الفطر فلأنه تعلق به نفع العباد، وهو الفطر فأشبه سائر حقوقهم فيشترط فيه ما يشترط في سائر حقوقهم من العدالة والحرية والعدد وعدم الحد في قذف ولفظ الشهادة والدعوى على خلاف فيه إن أمكن ذلك وإلا فقد تقدم أنهم لو كانوا في بلدة لا قاضي فيها، ولا والي فإن الناس يصومون بقول الثقة ويفطرون بإخبار عدلين للضرورة وأطلقه فشمل ما لو كان المخبر من مصر أو جاء من خارجه، وهو ظاهر الرواية خلافا فللإمام الفضلي حيث قال‏:‏ إنما يقبل الواحد العدل إذا فسر، وقال‏:‏ رأيته خارج البلد في الصحراء، أو يقول‏:‏ رأيته في البلدة من بين خلل السحاب أما بدون هذا التفسير فلا يقبل كذا في الظهيرية، وأشار إلى أنه يقبل في هلال رمضان شهادة واحد عدل على شهادة واحد عدل بخلاف الشهادة على الشهادة في سائر الأحكام حيث لا تقبل ما لم يشهد على شهادة رجل واحد رجلان، أو رجل وامرأتان لما ذكرنا أنه من باب الإخبار لا من باب الشهادة كذا في البدائع وكذا تقبل فيه شهادة العبد على العبد كذا في البزازية، وكذا شهادة المرأة على المرأة كذا في الظهيرية، وإلى أنهم لو صاموا بشهادة واحد وغم هلال شوال فإنهم لا يفطرون فتثبت الرمضانية بشهادته لا الفطر خلافا لما روي عن محمد أنهم يفطرون، وصححه في غاية البيان‏:‏ وأما إذا صاموا بشهادة اثنين فإنهم يفطرون اتفاقا كذا في البدائع وحكى البزازي فيه خلافا، والعلة غيم أو غبار أو نحوهما هنا، وفي الأصول الخارج المتعلق بالحكم المؤثر فيه وأشار إلى أن الجارية المخدرة إذا رأت هلال رمضان وبالسماء علة وجب عليها أن تخرج في ليلتها وتشهد بغير إذن مواليها كما صرح به البزازي واعلم أن ما كان من باب الديانات فإنه يكتفى فيه بخبر الواحد العدل كهلال رمضان وما كان من حقوق العباد، وفيه إلزام محض كالبيوع والأملاك فشرطه العدد والعدالة، ولفظ الشهادة مع باقي شروطها، ومنه الفطر إلا أن يكون الملزم به غير مسلم فلا يشترط في الشاهد الإسلام، وإلا ما لا يطلع عليه الرجال كالبكارة والولادة والعيوب في العورة فلا عدد، ولا ذكورة وما لا إلزام فيه كالإخبار بالوكالات والمضاربات والإذن في التجارة والرسالات في الهدايا والشركات فلا شرط سوى التمييز مع تصديق القلب وما كان فيه إلزام من وجه كعزل الوكيل وحجر المأذون وفسخ الشركة والمضاربة فالرسول والوكيل فيها كما قبله عندهما وشرط الإمام عدالته أو العدد كما عرف في تحرير الأصول وفي البزازية وقعت في بخارى سنة إحدى وسبعين وسبعمائة أن الناس صاموا يوم الأربعاء فجاء اثنان أو ثلاثة يوم الأربعاء التاسع والعشرين وأخبروا أنهم رأوا ليلة الثلاثاء، وهذا الأربعاء يوفي الثلاثين اتفقت الأجوبة أن بالسماء علة عيدوا يوم الخميس وإلا لا صاموا ثمانية وعشرين بلا رؤية ثم رأوا هلال الفطر إن أكملوا عدة شعبان ثلاثين، وقد كانوا رأوا هلال شعبان قضوا يوما، وإن صاموا تسعا وعشرين لا قضاء عليهم أصلا، فإن كانوا أتموا شعبان من غير رؤية هلاله أيضا قضوا يومين ا هـ‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ وإلا فجمع عظيم‏)‏ أي، وإن لم يكن بالسماء علة فيهما يشترط أن يكون فيهما الشهود جمعا كثيرا يقع العلم بخبرهم أي علم غالب الظن لا اليقين؛ لأن التفرد من بين الجم الغفير بالرؤية مع توجههم طالبين لما توجه هو إليه مع فرض عدم المانع وسلامة الإبصار، وإن تفاوتت الأبصار في الحدة ظاهر في غلطه قياسا على تفردنا قل زيادة من بين سائر أهل مجلس مشاركين له في السماع فإنها ترد، وإن كان ثقة مع أن التفاوت في حدة السمع واقع أيضا كما هو في الإبصار مع أنه لا نسبة لمشاركته في السماع بمشاركته في الترائي كثرة، والزيادة المقبولة ما علم فيه تعدد المجالس أو جهل فيه الحال من الاتحاد والتعدد كذا في فتح القدير وغيره وبهذا اندفع تشنيع المتعصبين في زماننا على مذهبنا حيث زعموا أن عدم قبول الاثنين لا دليل له، وهو مردود؛ لأن القياس حيث لا سمع أحد الأدلة الشرعية، والقياس المذكور صحيح لوجود ركنه وشرائطه، ولم يريدوا بالتفرد تفرد الواحد، وإلا لأفاد قبول الاثنين، وهو منتف بل المراد تفرد من لم يقع العلم بخبرهم من بين أضعافهم من الخلائق، وهذا هو ظاهر الرواية، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يقبل فيه شهادة رجلين أو رجل وامرأتين سواء كان بالسماء علة أو لم يكن كما روي عنه في هلال رمضان كذا في البدائع، ولم أر من رجحها من المشايخ، وينبغي العمل عليها في زماننا؛ لأن الناس تكاسلت عن ترائي الأهلة فانتفى قولهم مع توجههم طالبين لما توجه هو إليه فكان التفرد غير ظاهر في الغلط ولهذا وقع في زماننا في سنة خمس وخمسين وتسعمائة أن أهل مصر افترقوا فرقتين فمنهم من صام، ومنهم من لم يصم وهكذا وقع لهم في الفطر بسبب أن جمعا قليلا شهدوا وعندنا قاضي القضاة الحنفي، ولم يكن بالسماء علة فلم يقبلهم فصاموا وتبعهم جمع كثير على الصوم، وأمروا الناس بالفطر وهكذا في هلال الفطر حتى إن بعض المشايخ الشافعية صلى العيد بجماعة دون غالب أهل البلدة وأنكر عليهم ذلك لمخالفة الإمام، ولم يقدر الجمع الكثير في ظاهر الرواية بشيء فروي عن أبي يوسف أنه قدره بعد القسامة خمسين رجلا، وعن خلف بن أيوب خمسمائة ببلخ قليل وقيل‏:‏ ينبغي أن يكون من كل مسجد جماعة واحد أو اثنان وعن محمد أنه يفوض مقدار القلة والكثرة إلى رأي الإمام كذا في البدائع، وفي فتح القدير والحق ما روي عن محمد وأبي يوسف أيضا أن العبرة لتواتر الخبر ومجيئه من كل جانب، وفي الفتاوى الظهيرية، وإن كانت السماء مصحية لا تقبل شهادة الواحد في ظاهر الرواية بل يشترط العدد واختلفوا في تقديره ا هـ‏.‏ فظاهره أن ظاهر الرواية لا يشترط الجمع العظيم، وإنما يشترط العدد، وهو يصدق على اثنين فكان مرجحا لرواية الحسن التي اخترناها آنفا، ويدل على ذلك أيضا ما في الفتاوى الولوالجية، وإن كانت السماء مصحية لا تقبل شهادة الواحد عن أبي حنيفة أنه يقبل؛ لأنه اجتمع في هذه الشهادة ما يوجب القبول، وهو العدالة والإسلام وما يوجب الرد، وهو مخالفة الظاهر فرجح ما يوجب القبول احتياطا؛ لأنه إذا صام يوما من شعبان كان خيرا من أن يفطر يوما من رمضان وجه ظاهر الرواية أنه اجتمع ما يوجب القبول وما يوجب الرد فرجح جانب الرد؛ لأن الفطر في رمضان من كل وجه جائز بعذر كما في المريض والمسافر وصوم رمضان قبل رمضان لا يجوز بعذر من الأعذار فكان المصير إلى ما يجوز بعذر أولى ثم إذا لم تقبل شهادة الواحد واحتيج إلى زيادة العدد عن أبي حنيفة أنه تقبل شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، وعن أبي يوسف أنه لا يقبل ما لم يشهد على ذلك جمع عظيم، وذلك مقدر بعدد القسامة، وعن خلف بن أيوب خمسمائة ببلخ قليل، وعن أبي حفص الكبير أنه شرط الوفاء، وعن محمد ما استكثره الحاكم فهو كثير وما استقله فهو قليل هذا إذا كان الذي شهد بذلك في المصر أما إذا جاء من مكان آخر خارج المصر فإنه تقبل شهادته إذا كان عدلا ثقة؛ لأنه يتيقن في الرؤية في الصحاري ما لم يتيقن في الأمصار لما فيها من كثرة الغبار، وكذا إذا كان في المصر في موضع مرتفع، وهلال الفطر إذا كانت السماء مصحية كهلال رمضان ا هـ‏.‏ فهذا يدل على ترجيح رواية الحسن وأن ظاهر الرواية اعتبار العدد لا الجمع الكثير لكن فرق بين من كان بالمصر وخارجه وبين المكان المرتفع وغيره قول الطحاوي‏:‏ أما ظاهر الرواية فلا يقبل فيه خبر الواحد مطلقا كما في غاية البيان وفتح القدير‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ والأضحى كالفطر‏)‏ أي هلال ذي الحجة كهلال شوال فلا يثبت بالغيم إلا برجلين أو رجل وامرأتين وأما حالة الصحو فالكل سواء لا بد من زيادة العدد على ما قدمناه، وإنما كان كهلاله دون رمضان؛ لأنه تعلق به حق العباد، وهو التوسع بلحوم الأضاحي وذكر في النوادر عن أبي حنيفة أنه كرمضان؛ لأنه تعلق به أمر ديني، وهو وجوب الأضحية، والأول ظاهر المذهب كذا في الخلاصة، وهو ظاهر الرواية، وهو الأصح كذا في الهداية وشروحها والتبيين وصحح الثاني صاحب التحفة فاختلف التصحيح لكن تأيد الأول بأنه المذهب، ولم يتعرض لحكم بقية الأهلة التسعة وذكر الإمام الإسبيجابي في شرح مختصر الطحاوي الكبير وأما في هلال الفطر والأضحى وغيرهما من الأهلة فإنه لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين عدول أحرار غير محدودين كما في سائر الأحكام ا هـ‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ ولا عبرة باختلاف المطالع‏)‏ فإذا رآه أهل بلدة، ولم يره أهل بلدة أخرى وجب عليهم أن يصوموا برؤية أولئك إذا ثبت عندهم بطريق موجب، ويلزم أهل المشرق برؤية أهل المغرب، وقيل‏:‏ يعتبر فلا يلزمهم برؤية غيرهم إذا اختلف المطلع، وهو الأشبه كذا في التبيين، والأول ظاهر الراوية، وهو الأحوط كذا في فتح القدير، وهو ظاهر المذهب، وعليه الفتوى كذا في الخلاصة أطلقه فشمل ما إذا كان بينهما تفاوت بحيث يختلف المطلع أولا وقيدنا بالثبوت المذكور؛ لأنه لو شهد جماعة أن أهل بلد كذا رأوا هلال رمضان قبلكم بيوم فصاموا، وهذا اليوم ثلاثون بحسابهم، ولم يروا هؤلاء الهلال لا يباح فطر غد، ولا تترك التراويح هذه الليلة؛ لأن هذه الجماعة لم يشهدوا بالرؤية، ولا على شهادة غيرهم، وإنما حكوا رؤية غيرهم، ولو شهدوا أن قاضي بلد كذا شهد عنده اثنان برؤية الهلال في ليلة كذا وقضى بشهادتهما جاز لهذا القاضي أن يحكم بشهادتهما؛ لأن قضاء القاضي حجة، وقد شهدوا به، وأما ما استدل به الشارح على اعتبار اختلاف المطالع من واقعة الفضل مع عبد الله بن عباس حين أخبره أنه رأى الهلال بالشام ليلة الجمعة ورآه الناس وصاموا وصام معاوية فلم يعتبره، وإنما اعتبر ما رآه أهل المدينة ليلة السبت فلا دليل فيه؛ لأنه لم يشهد على شهادة غيره، ولا على حكم الحاكم ولئن سلم فلأنه لم يأت بلفظ الشهادة ولئن سلم فهو واحد لا يثبت بشهادته وجوب القضاء على القاضي، والمطالع جمع مطلع بكسر اللام موضع الطلوع كذا في ضياء الحلوم‏.‏