فصل: تفسير الآية رقم (5):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: محاسن التأويل



.تفسير الآيات (38- 48):

القول في تأويل قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [38- 48].
{كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} أي: مرهونة ومحبوسة به عند الله تعالى: {إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ} أي: فإنهم فكوا رقابهم بما أطابوه من كسبهم، كما يخلص الراهن رهنه بأداء الحق.
{فِي جَنَّاتِ} أي: هم في جنات لا يدرك وصفها {يَتَسَاءلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ} أي: يسألون عنهم. وإيثار صيغة التفاعل للتكثير، ومنه دعوته وتداعيناه.
وقال القاشاني: أي: يسأل بعضهم بعضاً عن حال المجرمين، لاطلاعهم عليها، وما أوجب تعذيبهم وبقاءهم في سقر، فأجاب المسؤولون بأنا سألناهم عن حالهم بقولنا: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} أي: بلسان الحال أو المقال.
{قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} أي: كنا موصوفين بهذه الرذائل من اختيار الراحات البدنية، ومحبة المال، وترك العبادات البدنية، والخوض في الباطل، والهزء والهذيان، والتكذيب بالجزاء، وإنكار المعاد.
{حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ} أي: الموت، فرأينا به ما كنا ننكره عياناً.
{فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} أي: من نبيّ أو ملك، لو قدر على سبيل فرض المحال، لأنهم غير قابلين لها. فلا إذن في الشفاعة لذلك. فلا شفاعة، فلا تنفع.
قال ابن جرير: أي: فما يشفع لهم الذين شفعهم الله في أهل الذنوب من أهل التوحيد، فتنفعهم شفاعتهم. وفي هذه الآية دلالة واضحة على أن الله تعالى ذِكره، مشفِّع بعض خلقه في بعض.

.تفسير الآيات (49- 56):

القول في تأويل قوله تعالى: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسورة بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً كَلَّا بَل لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} [49- 56].
{فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} أي: فما لهؤلاء المشركين عن تذكرة الله إياهم بهذا القرآن معرضين، لا يستمعون لها، فيتعظوا ويعتبروا.
{كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ} أي: كأنهم في الإعراض عن الذكرى، وبلادة قلوبهم، حمر شديدة النفار.
{فَرَّتْ مِن قَسورة} أي: أسد، أو عصبة قنص من الرماة.
{بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً} أي: ينزل عليه كتاب كما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، ونحوه آية: {وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ} [الأنعام: 124]، وآية {وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ} [الإسراء: 93]، وآية {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} [الأنعام: 7] الآية.
{كُلاَ} أي: لا يكون مرادهم، ولا يتبع الحق أهوائهم. أو ليس إرادتهم تلك للرغبة في الإيمان، فقد جاءهم ما يكفيهم عن اقتراح غيره، وإنما هم مردة الداء، ولذا قال: {بَل لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ} أي: لا يؤمنون بالبعث والجزاء، ولا يخشون العقاب، لإيثارهم العاجلة. أي: فذلك الذي دعاهم إلى الإعراض عن تذكرة الله، والإباء عن الإيمان بتنزيله.
{كُلاَ} ردع عن إعراضهم {كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء ذَكَرَهُ} أي: فاتعظ وعمل بما فيه من أمر الله ونهيه.
{وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ} أي: ذكرهم واتعاظهم، لأنه لا حول لهم ولا قوة إلا به سبحانه. وفيه ترويح لقلبه صلوات الله عليه، مما كان يخامره من إعراضهم، ويحرص عليه من إيمانهم {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى} أي: حَقيقٌ بأن يتقى عقابه، ويؤمن به ويطاع.
{وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} أي: حقيق بأن يغفر لمن آمن به وأطاعه.

.سورة القيامة:

بسم الله الرحمن الرحيم

.تفسير الآيات (1- 2):

القول في تأويل قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [1- 2].
{لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} قال القاشانيّ: جمع بين القيامة والنفس اللوامة، في القسم بهما، تعظيماً لشأنهما، وتناسباً بينهما؛ إذ النفس اللوامة هي المصدقة بها، المقرة بوقوعها المهيئة لأسبابها، لأنها تلوم نفسها أبداً في التقصير، والتقاعد عن الخيرات، وإن أحسنت، لحرصها على الزيادة في الخير، وأعمال البر، تيقناً بالجزاء، فكيف بها إن أخطأت وفرطت وبدرت منها بادرة غفلة ونسياناً.
ومر الكلام على {لَا أُقْسِمُ} في مواقعه قبل هذا فتذكر. وحذف جواب القسم لدلالة قوله:

.تفسير الآيات (3- 4):

القول في تأويل قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ} [3- 4].
{أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ} عليه، وهو لتبعثُنَّ. قال القاشانيّ: المراد بالقيامة، هاهنا الصغرى، لهذه الدلالة بعينها.
{بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ} أي: بلى! نجمع عظامه، قادرين تسوية بنانه التي هي أطراف خلقته وتمامها، على صغرها ولطافتها، وضم بعضها إلى بعض، فكيف بكبار العظام؟

.تفسير الآية رقم (5):

القول في تأويل قوله تعالى: {بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} [5].
{بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} أي: ليدوم على الفجور، فيما يستقبله من الزمان، ولا يثنيه عنه شيء، ولا يتوب منه أبداً.
قال الشهاب:
{أَمَامَهُ} ظرف مكان، استعير هنا للزمان المستقبل، فيفيد الاستمرار والضمير للإنسان، أو ليوم القيامة. وقيل الدوام ولاستمرار؛ لأنه خبر عن حال الفاجر، بأنه يريد ليفجر في المستقبل، على أن إرادته وحسبانه هما عين الفجور. وفي إعادة المظهر ما لا يخفى من التهديد ونعي قبيح ما ارتكبه، وأن الْإِنْسَاْنية تأباه. وقيل: حمله على الاستمرار ليصح الإضراب، ويصير المعنى: بل يريد الْإِنْسَاْن أن يستمر على فجوره ولا يتوب، فلذا أنكر البعث.
وقال القاشانيّ: أي: ليدوم على الفجور بالميل إلى اللذات البدنية، والشهوات البهيمية، غارزاً رأسه فيها، فيما بين يديه من الزمان الحاضر والمستقبل، فيغفل عن القيامة لقصور نظره عنها، وكونه مقصوراً على اللذات العاجلة، وفرط تهالكه عليها، واحتجابه بها عن الآجلة، سائلاً عنها، متعنتاً مستبعداً إياها، كما قال سبحانه:

.تفسير الآيات (6- 13):

القول في تأويل قوله تعالى: {يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ كَلَّا لَا وَزَرَ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} [6- 13].
{يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ} أي: متى يكون؟ استبعاداً وهزؤاً. والجملة استئناف أو حال أو تفسير لقوله: يفجر، أو بدل منه والاستئناف بيانيّ، كأنه قيل: لِمَ يريد الدوام على الفجور؟ قيل: لأنه أنكر البعث واستهزأ به {فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ} أي: تحير ودهش، أي: لما أتى من أمر الله. قال مجاهد: أي: عند الموت. {وَخَسَفَ الْقَمَرُ} أي: ذهب ضوؤه {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} أي: جمع بينهما في ذهاب الضوء، فلا ضوء لواحد منهما. وقيل: إنهما يجتمعان ثم يكوران، كما قال جل ثناؤه: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير: 1]، قال ابن زيد: جمعا فرمي بهما في الأرض.
{يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ} أي: الفرار. أي: يطلب مهرباً ومحيصاً لدهشته، أو يقول قول الآيس لعلمه بأنه لا قرار حينئذ.
{كُلاَ} ردع له عن طلب المفر، {لَا وَزَرَ} أي: لا ملجأ.
{إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} أي: مستقر العباد، من نار أو جنة. أي: مفوض إليه لا إلى غيره مستقرهم، أو استقرار أمرهم، والحكم فيهم.
{يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ} أي من عمله الذي يوجب نجاته وثوابه، من الخيرات والصالحات، {وَأَخْرِ} أي: منه ففرط وقصر فيه ولم يعمله.
قال الشهاب:
{مَا قَدَّمَ} كناية عما عمل، وما {أَخَّرَ} ما تركه ولم يعمله. وهو مجاز مشهور فيما ذكر. أو ما قدمه، ما عمله، وما أخره، عمل من اقتدى به بعده عملاً له، كأنه وقع منه.

.تفسير الآيات (14- 15):

القول في تأويل قوله تعالى: {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} [14- 15].
{بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} قال القاشانيّ: أي: حجة بينة، يشهد بعلمه، لبقاء هيئات أعماله المكتوبة عليه في نفسه، ورسوخها في ذاته، وصيرورة صفاته صور أعضائه، فلا حاجة إلى أن ينبأ من خارج.
قال الشهاب:
{بَصِيرَةٌ} مجاز عن الحجة الظاهرة. أو {بَصِيرَةٌ} بمعنى بينة، وهي صفة لحجة مقدرة. وجعل الحجة بصيرة لأن صاحبها يبصر بها، فالإسناد مجازي. أو هي بمعنى دالة مجازاً. أو هو استعارة مكنية وتخييلية. و{الْإِنسَانُ} مبتدأ، و{بَصِيرَةٌ} خبره، و{عَلَى} متعلق به. والتأنيث للمبالغة، أو لكونه صفة حجة. {وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} أي: ولو ألقى أعذاره مجادلاً عن نفسه بكل معذرة. وفيه إشارة إلى أن ما عليه المشركون من الشرك وعبادة الأوثان، وإنكار البعث، منكر باطل، تنكره قلوبهم، وأنهم في دفاعهم يجادلون بالباطل. ولا غرو أن ينكر القلب ما تدفعه الفطرة السليمة، والدين دين الفطرة.
قال الشهاب: شبه المجيء بالعذر بإلقاء الدلو في البئر للاستقاء به، فيكون فيه تشبيه لذلك بالماء المرويّ للعطش.
وقوله تعالى:

.تفسير الآيات (16- 19):

القول في تأويل قوله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [16- 19].
{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} أي: لا تحرك بالقرآن لسانك عند إلقاء الوحي، لتأخذه على عجلة، مخافة أن يتفلت منك.
{إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ} أي: في صدرك، وإثبات حفظه في قلبك، بحيث لا يذهب عليك منه شيء.
{وَقُرْآنَهُ} أي: أن تقرأه بعدُ فلا تنسى {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ} أي: أتممنا قراءته عليك بلسان جبريل عليه السلام، {فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} أي: كن مقفياً له ولا تراسله.
{ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} أي: بيان ما فيه، إذا أشكل عليك شيء من معانيه، أو أن نُبَيِّنَهُ على لسانك.
تنبيهات:
الأول: ما ذكرناه في تأويل الآية هو المأثور في الصحيحين وغيرهما، ولفظ البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرك شفتيه إذا أنزل عليه»، فقيل له: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ} يخشى أن يتفلت منه {انا علينا جمعه} أن نجمعه في صدرك {وَقُرْآنَهُ} أي: تقرأه {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ} يقول أنزل عليه {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} أن نبيّنه على لسانك. زاد في رواية: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل، قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما قرأه.
قال ابن زيد: أي: لا تكلم بالذي أوحينا إليك حتى يقضى إليك وحيُه، فإذا قضينا إليك وحيه، فتكلم به. يعني: أن هذه الآية نظير قوله تعالى: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} [طه: 114].
قال ابن كثير: وهكذا قال الشعبي والحسن البصري وقتادة ومجاهد والضحاك وغير واحد، أن هذه الآية نزلت في ذلك، وأنها تعليم من الله عز وجل لرسوله كيفية تلقيه الوحي.
الثاني: ذكروا في مناسبة وقوع الآية معترضة في أحوال القيامة- على تأويلهم المتقدم- وجوهاً:
منها: تأكيد التوبيخ على ما جبل عليه الْإِنْسَاْن- والمرء مفتون بحب العاجل- حتى جعل مخلوقاً من عَجَل، ومن محبة العاجل، وإيثاره على الآجل، تقديم الدنيا الحاضرة على الآخرة، الذي هو منشأ الكفر والعناد، المؤدي إلى إنكار الحشر والمعاد، فالنهي عن العجلة في هذا يقتضي النهي فيما عداه، على آكد وجه. وهذه مناسبة تامة بين ما اعترض فيه وبينه، قاله الشهاب.
ومنها: أن عادة القرآن، إذا ذكر الكتاب المشتمل على عمل العبد، حيث يعرض يوم القيامة، أردفه بذكر الكتاب المشتمل على الأحكام الدينية في الدنيا التي تنشأ عنها المحاسبة عملاً وتركاً، كما قال في الكهف:
{وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ} [الكهف: 49]، إلى أن قال: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا للنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ} [الإسراء: 89] الآية. وقال في طه:
{يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً} [طه: 102]، إلى أن قال: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} [طه: 114].
ومنها: أن أول السورة لما نزل إلى قوله:
{وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} صادف أنه صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة بادر إلى تحفظ الذي نزل، وحرَّك به لسانه من عجلته خشية من تفلته، فنزلت: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ} إلى قوله: {ثم انا علينا بيانه} ثم عاد الكلام إلى تكملة ما ابتدأ به.
قال الفخر الرازي: ونحوه ما لو ألقى المدرِّس على الطالب مثلاً مسألة، فتشاغل الطالب بشيء عرض له فقال له: ألق إليّ بالك، وتفهم ما أقول، ثم كمَّل المسالة، فمن لا يعرف السبب يقول: ليس هذا الكلام مناسب للمسالة، بخلاف من عرف ذلك. قاله الحافظ ابن حجر في فتح الباري.
الثالث: استدلوا على التأويل السابق بقوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، كما هو مذهب الجمهور لما تقتضيه {ثُمَّ} من التراخي. وأول من استدل لذلك بهذه الآية القاضي أبو بكر بن الطيب، وتبعوه. وهذا لا يتم إلا على تأويل البيان بتبيين المعنى، وإلا فإذا حمل على أن المراد استمرار حفظه له، وظهوره على لسان، فلا!
قال الآمدي: يجوز أن يراد البيان التفصيلي، ولا يلزم منه جواز تأخير البيان الإجمالي، فلا يتم الاستدلال. وتعقب باحتمال إرادة المعنيين: الإظهار والتفصيل وغير ذلك، لأن قوله: {بَيَانَهُ} جنس مضاف، فيعم جميع أصنافه من إظهاره وتبيين أحكامه، وما يتعلق بها من تخصيص وتقييد ونسخ وغير ذلك. قاله الحافظ في الفتح.
وجوز القفال أن تكون {ثُمَّ} للترتيب في الإخبار. أي: إنا نخبرك بأن علينا بيانه، فلا تدل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب. وضعفه الرازي بأنه ترك للظاهر من غير دليل.
الرابع: ما قدمناه من معنى قوله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ} إلخ، وما استفيد منه، وما قيل في مناسبته لما قبله، كله إذا جرى على المأثور فيها. وحاول القفال معنى فقال كما نقله عنه الرازي: إن قوله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ} ليس خطاباً مع الرسول صلى الله عليه وسلم بل هو خطاب مع الْإِنْسَاْن المذكور في قوله: {يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} [القيامة: 13]، فكان ذلك حال ما ينبأ بقبائح أفعاله، وذلك بأن يعرض عليه كتابه فيقال له: {اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} [الإسراء: 14]. فإذا أخذ في القراءة تلجلج لسانه من شدة الخوف، وسرعة القراءة، فيقال له: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} فإنه يجب علينا بحكم الوعد، أو بحكم الحكمة، أن نجمع أعمالك عليك، وأن نقرأها عليك، فإذا قرأناه عليك فاتبع قرآنه، بالإقرار بأنك فعلت تلك الأفعال، ثم إن علينا بيان أمره، وشرح مراتب عقوبته.
وحاصل الأمر من تفسير هذه الآية: أن المراد منه، أنه تعالى يقرأ على الكافر جميع أعماله، على سبيل التفصيل. وفيه أشد الوعيد في الدنيا، وأشد التهويل في الآخرة.
ثم قال القفال: فهذا وجه حسن، ليس في العقل ما يدفعه، وإن كانت الآثار غير واردة به. انتهى.
ونقل الشهاب أن بعضهم ارتضى هذا الوجه، وقدمه على الوجه السابق.
وزعم الحافظ ابن حجر أن الحامل على هذا الوجه الأخير هو عسر بيان المناسبة بين هذه الآية وما قبلها من أحوال القيامة أي: ولما بيّن الأئمة المناسبة التي أثرناها عنهم، لم يبق وجه للذهاب إلى هذا الوجه الأخير، مع أن هذا الوجه- هو فيما يظهر- فيه غاية القوة والارتباط به قبله وما بعده، مما يؤثر على المأثور، الذي قد يكون مدركه الاجتهاد، والوقوف مع ظاهر ألفاظ الآية. ومما يؤيد ما أورد عليه أن ابن عباس لم ير النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحال؛ لأن الظاهر أن ذلك كان في مبدأ البعث النبوي، ولم يكن ابن عباس وُلد حينئذ. ولا مانع- كما قال ابن حجر- أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك بعد، فيراه ابن عباس، أو يخبر به، فيكون من مراسيل الصحابة، والله أعلم.