فصل: باب

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاري **


*3*باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب قول الله تعالى‏:‏ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى‏)‏ قال مقاتل بن حيان ‏"‏ لما نزلت قام رجل فقال‏:‏ يا رسول الله ما نجد زادا، فقال‏:‏ تزود ما تكف به وجهك عن الناس، وخير ما تزودتم التقوى ‏"‏ أخرجه ابن أبي حاتم‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا شَبَابَةُ عَنْ وَرْقَاءَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ وَيَقُولُونَ نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا يحيى بن بشر‏)‏ بكسر الموحدة وبالمعجمة وهو البلخي، ولم يخرج للجريري الذي أخرج له مسلم وهو من طبقته، وجعلهما ابن طاهر وأبو علي الجياني رجلا واحدا والصواب التفرقة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون‏)‏ زاد ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس ‏"‏ يقولون نحج بيت الله أفلا يطعمنا‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فإذا قدموا المدينة‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ مكة ‏"‏ وهو أصوب، وكذا أخرجه أبو نعيم من طريق محمد بن عبد الله المخرمي عن شبابة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏رواه ابن عيينة عن عمرو‏)‏ يعني ابن دينار ‏(‏عن عكرمة مرسلا‏)‏ يعني لم يذكر فيه ابن عباس، وهكذا أخرجه سعيد بن منصور عن ابن عيينة، وكذا أخرجه الطبري عن عمرو بن علي وابن أبي حاتم عن محمد بن عبد الله بن يزيد المقري كلاهما عن ابن عيينة مرسلا، قال ابن أبي حاتم‏:‏ وهو أصح من رواية ورقاء‏.‏

قلت‏:‏ وقد اختلف فيه على ابن عيينة فأخرجه النسائي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عنه موصولا بذكر ابن عباس فيه، لكن حكى الإسماعيلي عن ابن صاعد أن سعيدا حدثهم به في كتاب المناسك موصولا، قال وحدثنا به في حديث عمرو بن دينار فلم يجاوز به عكرمة انتهى‏.‏

والمحفوظ عن ابن عيينة ليس فيه ابن عباس، لكن لم ينفرد شبابة بوصله، فقد أخرجه الحاكم في تاريخه من طريق الفرات بن خالد عن سفيان الثوري عن ورقاء موصولا، وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس كما سبق، قال المهلب‏:‏ في هذا الحديث من الفقه أن ترك السؤال من التقوى، ويؤيده أن الله مدح من لم يسأل الناس إلحافا فإن قوله‏:‏ ‏(‏فإن خير الزاد التقوى‏)‏ أي تزودوا واتقوا أذى الناس بسؤالكم إياهم والإثم في ذلك، قال‏:‏ وفيه أن التوكل لا يكون مع السؤال وإنما التوكل المحمود أن لا يستعين بأحد في شيء، وقيل هو قطع النظر عن الأسباب بعد تهيئة الأسباب، كما قال عليه السلام ‏"‏ اعقلها وتوكل‏"‏‏.‏

*3*باب مُهَلِّ أَهْلِ مَكَّةَ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب مهل أهل مكة للحج والعمرة‏)‏ المهل بضم الميم وفتح الهاء وتشديد اللام موضع الإهلال، وأصله رفع الصوت لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية عند الإحرام، ثم أطلق على نفس الإحرام اتساعا، قال ابن الجوزي‏:‏ وإنما يقول بفتح الميم من لا يعرف‏.‏

وقال أبو البقاء العكبري‏:‏ هو مصدر بمعنى الإهلال كالمدخل والمخرج بمعنى الإدخال والإخراج، وأشار المصنف بالترجمة إلى حديث ابن عمر فإنه سيأتي بلفظ ‏"‏ مهل‏"‏، وأما حديث الباب فذكره بلفظ ‏"‏ وقت ‏"‏ أي حدد، وأصل التوقيت أن يجعل للشيء وقت يختص به ثم اتسع فيه فأطلق على المكان أيضا، قال ابن الأثير‏:‏ التوقيت والتأقيت أن يجعل للشيء وقت يختص به وهو بيان مقدار المدة يقال‏:‏ وقت الشيء بالتشديد يوقته ووقت بالتخفيف يوقته إذا بين مدته، ثم اتسع فيه فقيل للموضع ميقات‏.‏

وقال ابن دقيق العيد‏:‏ قيل إن التوقيت في اللغة التحديد والتعيين، فعلى هذا فالتحديد من لوازم الوقت، وقوله هنا ‏"‏ وقت ‏"‏ يحتمل أن يريد به التحديد أي حد هذه المواضع للإحرام، ويحتمل أن يريد به تعليق الإحرام بوقت الوصول إلى هذه الأماكن بالشرط المعتبر‏.‏

وقال عياض‏:‏ وقت أي حدد، وقد يكون بمعنى أوجب‏.‏

ومنه قوله تعالى ‏(‏إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا‏)‏ انتهى‏.‏

ويؤيده الرواية الماضية بلفظ ‏"‏ فرض‏"‏‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الشَّأْمِ الْجُحْفَةَ وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة‏)‏ أي مدينته عليه الصلاة والسلام‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ذا الحليفة‏)‏ بالمهملة والفاء مصغرا مكان معروف بينه وبين مكة مائتا ميل غير ميلين قاله ابن حزم‏.‏

وقال غيره‏:‏ بينهما عشر مراحل‏.‏

وقال النووي‏:‏ بينها وبين المدينة ستة أميال، ووهم من قال بينهما ميل واحد وهو ابن الصباغ‏.‏

وبها مسجد يعرف بمسجد الشجرة خراب، وبها بئر يقال لها بئر علي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الجحفة‏)‏ بضم الجيم وسكون المهملة، وهي قرية خربة بينها وبين مكة خمس مراحل أو ستة، وفي قول النووي في ‏"‏ شرح المهذب ‏"‏ ثلاث مراحل نظر، وسيأتي في حديث ابن عمر أنها مهيعة بوزن علقمة وقيل بوزن لطيفة، وسميت الجحفة لأن السيل أجحف بها، قال ابن الكلبي‏:‏ كان العماليق يسكنون يثرب، فوقع بينهم وبين بني عبيل - بفتح المهملة وكسر الموحدة وهم إخوة عاد - حرب فأخرجوهم من يثرب فنزلوا مهيعة فجاء سبل فاجتحفهم أي استأصلهم فسميت الجحفة‏.‏

ووقع في حديث عائشة عند النسائي ‏"‏ ولأهل الشام ومصر الجحفة ‏"‏ والمكان الذي يحرم منه المصريون الآن رابغ بوزن فاعل براء وموحدة وغين معجمة قريب من الجحفة، واختصت الجحفة بالحمى فلا ينزلها أحد إلا حم كما سيأتي في فضائل المدينة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولأهل نجد قرن المنازل‏)‏ أما نجد فهو كل مكان مرتفع وهو اسم لعشرة مواضع، والمراد منها هنا التي أعلاها تهامة واليمن وأسفلها الشام والعراق‏.‏

والمنازل بلفظ جمع المنزل، والمركب الإضافي هو اسم المكان، ويقال له قرن أيضا بلا إضافة، وهو بفتح القاف وسكون الراء بعدها نون، وضبطه صاحب ‏"‏ الصحاح ‏"‏ بفتح الراء وغلطوه، وبالغ النووي فحكى الاتفاق على تخطئته في ذلك، لكن حكى عياض تعليق القابسي أن من قاله بالإسكان أراد الجبل ومن قاله بالفتح أراد الطريق، والجبل المذكور بينه وبين مكة من جهة المشرق مرحلتان‏.‏

وحكى الروياني عن بعض قدماء الشافعية أن المكان الذي يقال له قرن موضعان‏:‏ أحدهما في هبوط وهو الذي يقال له قرن المنازل، والآخر في صعود وهو الذي يقال له قرن الثعالب والمعروف الأول‏.‏

وفي ‏"‏ أخبار مكة ‏"‏ للفاكهي أن قرن الثعالب جبل مشرف على أسفل منى بينه وبين مسجد منى ألف وخمسمائة ذراع، وقيل له قرن الثعالب لكثرة ما كان يأوي إليه من الثعالب، فظهر أن قرن الثعالب ليس من المواقيت، وقد وقع ذكره في حديث عائشة في إتيان النبي صلى الله عليه وسلم الطائف يدعوهم إلى الإسلام وردهم عليه قال ‏"‏ فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب ‏"‏ الحديث ذكره ابن إسحاق في السيرة النبوية، ووقع في مرسل عطاء عند الشافعي ‏"‏ ولأهل نجد قرن، ولمن سلك نجدا من أهل اليمن وغيرهم قرن المنازل‏"‏‏.‏

ووقع في عبارة القاضي حسين في سياقه لحديث ابن عباس هذا ‏"‏ ولأهل نجد اليمن ونجد الحجاز قرن ‏"‏ وهذا لا يوجد في شيء من طرق حديث ابن عباس، وإنما يوجد ذلك من مرسل عطاء، وهو المعتمد فإن لأهل اليمن إذا قصدوا مكة طريقين‏:‏ إحداهما طريق أهل الجبال وهم يصلون إلى قرن أو يحاذونه فهو ميقاتهم كما هو ميقات أهل المشرق، والأخرى طريق أهل تهامة فيمرون بيلملم أو يحاذونه وهو ميقاتهم لا يشاركهم فيه إلا من أتى عليه من غيرهم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولأهل اليمن يلملم‏)‏ بفتح التحتانية واللام وسكون الميم وبعدها لام مفتوحة ثم ميم مكان على مرحلتين من مكة بينهما ثلاثون ميلا ويقال لها ألملم بالهمزة وهو الأصل والياء تسهيل لها، وحكى ابن السيد فيه يرمرم براءين بدل اللامين‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ أبعد المواقيت من مكة ذو الحليفة ميقات أهل المدينة، فقيل الحكمة في ذلك أن تعظم أجور أهل المدينة، وقيل رفقا بأهل الآفاق لأن أهل المدينة أقرب الآفاق إلى مكة أي ممن له ميقات معين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من لهم‏)‏ أي المواقيت المذكورة لأهل البلاد المذكورة‏.‏

ووقع في رواية أخرى كما يأتي في ‏"‏ باب دخول مكة بغير إحرام ‏"‏ بلفظ ‏"‏ هن لهن ‏"‏ أي المواقيت للجماعات المذكورة أو لأهلهن على حذف المضاف والأول هو الأصل، ووقع في ‏"‏ باب مهل أهل اليمن ‏"‏ بلفظ ‏"‏ هن لأهلهن ‏"‏ كما شرحته‏.‏

وقوله هن ضمير جماعة المؤنث وأصله لمن يعقل، وقد استعمل فيما لا يعقل لكن فيما دون العشرة، وقوله ‏"‏ولمن أتى عليهن ‏"‏ أي على المواقيت من غير أهل البلاد المذكورة، ويدخل في ذلك من دخل بلدا ذات ميقات ومن لم يدخل، فالذي لا يدخل لا إشكال فيه إذا لم يكن له ميقات معين، والذي يدخل فيه خلاف كالشامي إذا أراد الحج فدخل المدينة فميقاته ذو الحليفة لاجتيازه عليها ولا يؤخر حتى يأتي الجحفة التي هي ميقاته الأصلي، فإن أخر أساء ولزمه دم عند الجمهور، وأطلق النووي الاتفاق ونفي الخلاف في شرحيه لمسلم والمهذب في هذه المسألة فلعله أراد في مذهب الشافعي وإلا فالمعروف عند المالكية أن للشامي مثلا إذا جاوز ذا الحليفة بغير إحرام إلى ميقاته الأصلي وهو الجحفة جاز له ذلك وإن كان الأفضل خلافه وبه قال الحنفية وأبو ثور وابن المنذر من الشافعية، قال ابن دقيق العيد‏:‏ قوله ‏"‏ ولأهل الشام الجحفة ‏"‏ يشمل من مر من أهل الشام بذي الحليفة ومن لم يمر، وقوله ‏"‏ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ‏"‏ يشمل الشامي إذا مر بذي الحليفة وغيره، فهنا عمومان قد تعارضا انتهى ملخصا‏.‏

ويحصل الانفكاك عنه بأن قوله ‏"‏ هن لهن ‏"‏ مفسر لقوله مثلا وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، وأن المراد بأهل المدينة ساكنوها ومن سلك طريق سفرهم فمر على ميقاتهم، ويؤيده عراقي خرج من المدينة فليس له مجاوزة ميقات المدينة غير محرم، ويترجح بهذا قول الجمهور وينتفي التعارض‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ممن أراد الحج والعمرة‏)‏ فيه دلالة على جواز دخول مكة بغير إحرام، وسيأتي في ترجمة مفردة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ومن كان دون ذلك‏)‏ أي بين الميقات ومكة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فمن حيث أنشأ‏)‏ أي فميقاته من حيث أنشأ الإحرام إذ السفر من مكانه إلى مكة وهذا متفق عليه إلا ما روي عن مجاهد أنه قال‏:‏ ميقات هؤلاء نفس مكة، واستدل به ابن حزم على أن من ليس له ميقات فميقاته من حيث شاء ولا دلالة فيه لأنه يختص بمن كان دون الميقات أي إلى جهة مكة كما تقدم، ويؤخذ منه أن من سافر غير قاصد للنسك فجاوز الميقات ثم بدا له بعد ذلك النسك أنه محرم من حيث تجدد له القصد ولا يجب عليه الرجوع إلى الميقات لقوله ‏"‏ فمن حيث أنشأ‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حتى أهل مكة‏)‏ يجوز فيه الرفع والكسر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من مكة‏)‏ أي لا يحتاجون إلى الخروج إلى الميقات للإحرام منه بل يحرمون من مكة كالآفاقي الذي بين الميقات ومكة فإنه يحرم من مكانه ولا يحتاج إلى الرجوع إلى الميقات ليحرم منه، وهذا خاص بالحاج، واختلف في أفضل الأماكن التي يحرم منها كما سيأتي في ترجمة مفردة‏.‏

وأما المعتمر فيجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحل كما سيأتي بيانه في أبواب العمرة‏.‏

قال المحب الطبري‏:‏ لا أعلم أحدا جعل مكة ميقاتا للعمرة، فتعين حمله على القارن، واختلف في القارن فذهب الجمهور إلى أن حكمه حكم الحاج في الإهلال من مكة‏.‏

وقال ابن الماجشون‏:‏ يجب عليه الخروج إلى أدنى الحل، ووجهه أن العمرة إنما تندرج في الحج فيما محله واحد كالطواف والسعي عند من يقول بذلك، وأما الإحرام فمحله فيهما مختلف، وجواب هذا الإشكال أن المقصود من الخروج إلى الحل في حق المعتمر أن يرد على البيت الحرام من الحل فيصح كونه وافدا عليه، وهذا يحصل للقارن لخروجه إلى عرفة وهي من الحل ورجوعه إلى البيت لطواف الإفاضة فحصل المقصود بذلك أيضا‏.‏

واختلف فيمن جاوز الميقات مريدا للنسك فلم يحرم، فقال الجمهور‏:‏ يأثم ويلزمه دم، فأما لزوم الدم فبدليل غير هذا، وأما الإثم فلترك الواجب‏.‏

وقد تقدم الحديث من طريق ابن عمر بلفظ ‏"‏ فرضها ‏"‏ وسيأتي بلفظ ‏"‏ يهل ‏"‏ وهو خبر بمعنى الأمر والأمر لا يرد بلفظ الخبر إلا إذا أريد تأكيده، وتأكيد الأمر للوجوب، وسبق في العلم بلفظ ‏"‏ من أين تأمرنا أن نهل ‏"‏ ولمسلم من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر ‏"‏ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل المدينة‏"‏‏.‏

وذهب عطاء والنخعي إلى عدم الوجوب، ومقابله قول سعيد بن جبير لا يصح حجه وبه قال ابن حزم‏.‏

وقال الجمهور‏:‏ لو رجع إلى الميقات قبل التلبس بالنسك سقط عنه الدم، قال أبو حنيفة بشرط أن يعود ملبيا، ومالك بشرط أن لا يبعد، وأحمد لا يسقط بشيء‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ الأفضل في كل ميقات أن يحرم من طرفه الأبعد من مكة، فلو أحرم من طرفه الأقرب جاز‏.‏

*3*باب مِيقَاتِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَا يُهِلُّوا قَبْلَ ذِي الْحُلَيْفَةِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب ميقات أهل المدينة، ولا يهلون قبل ذي الحليفة‏)‏ قد تقدمت الإشارة إلى هذا في ‏"‏ باب فرض المواقيت ‏"‏ واستنبط المصنف من إيراد الخبر بصيغة الخبر مع إرادة الأمر تعين ذلك، وأيضا فلم ينقل عن أحد ممن حج مع النبي صلى الله عليه وسلم أنه أحرم قبل ذي الحليفة، ولولا تعين الميقات لبادروا إليه لأنه يكون أشق فيكون أكثر أجرا، وقد تقدم شرح المتن في الذي قبله‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأْمِ مِنْ الْجُحْفَةِ وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال عبد الله‏)‏ هو ابن عمر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وبلغني إلخ‏)‏ سيأتي من رواية ابنه سالم عنه بعد باب بلفظ ‏"‏ زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ولم أسمعه ‏"‏ وتقدم في العلم من وجه آخر بلفظ ‏"‏ لم أفقه هذه من النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ وهو يشعر بأن الذي بلغ ابن عمر ذلك جماعة، وقد ثبت ذلك من حديث ابن عباس كما في الباب قبله، ومن حديث جابر عند مسلم، ومن حديث عائشة عند النسائي، ومن حديث الحارث بن عمرو السهمي عند أحمد وأبي داود والنسائي‏.‏

*3*باب مُهَلِّ أَهْلِ الشَّأْمِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب مهل أهل الشام‏)‏ أورد فيه حديث ابن عباس وقد تقدم قبل باب، وحماد المذكور في الإسناد هو ابن زيد‏.‏

*3*باب مُهَلِّ أَهْلِ نَجْدٍ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب مهل أهل نجد‏)‏ أورد فيه حديث ابن عمر من طريقين إلى الزهري، فعلي شيخه في الإسناد الأول هو ابن المديني، وأحمد في الثاني هو ابن عيسى كما ثبت في رواية أبي ذر، وقد تقدم الكلام عليه قريبا‏.‏

*3*باب مُهَلِّ مَنْ كَانَ دُونَ الْمَوَاقِيتِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب مهل من كان دون المواقيت‏)‏ أي دونها إلى مكة أورد فيه حديث ابن عباس من وجه آخر، وحماد هو ابن زيد، وعمرو هو ابن دينار‏.‏

*3*باب مُهَلِّ أَهْلِ الْيَمَنِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب مهل أهل اليمن‏)‏ أورد فيه حديث ابن عباس وقد سبق ما فيه‏.‏

‏(‏تكميل‏)‏ ‏:‏ حكى الأثرم عن أحمد أنه سئل في أي سنة وقت النبي صلى الله عليه وسلم المواقيت‏؟‏ فقال‏:‏ عام حج انتهى‏.‏

وقد سبق حديث ابن عمر في العلم بلفظ ‏"‏ أن رجلا قام في المسجد فقال‏:‏ يا رسول الله من أين تأمرنا أن نهل ‏"‏‏؟‏

*3*باب ذَاتُ عِرْقٍ لِأهْلِ الْعِرَاقِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب ذات عرق لأهل العراق‏)‏ هي بكسر العين وسكون الراء بعدها قاف، سمي بذلك لأن فيه عرقا وهو الجبل الصغير، وهي أرض سبخة تنبت الطرفاء، بينها وبين مكة مرحلتان، والمسافة اثنان وأربعون ميلا وهو الحد الفاصل بين نجد وتهامة‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا قَالَ فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏لما فتح هذان المصران‏)‏ كذا للأكثر بضم ‏"‏ فتح ‏"‏ على البناء لما لم يسم فاعله‏.‏

وفي رواية الكشميهني ‏"‏ لما فتح هذين المصرين ‏"‏ بفتح الفاء والتاء على حذف الفاعل والتقدير لما فتح الله، وكذا ثبت في رواية أبي نعيم في ‏"‏ المستخرج ‏"‏ وبه جزم عياض، وأما ابن مالك فقال‏:‏ تنازع ‏"‏ فتح ‏"‏ و ‏"‏ أتوا ‏"‏ وهو على إعمال الثاني وإسناد الأول إلى ضمير عمر، ووقع عند الإسماعيلي من طريق يحيى بن سعيد عن عبيد الله مختصرا، وزاد في الإسناد عن عمر أنه حد لأهل العراق ذات عرق، والمصران تثنية مصر والمراد بهما الكوفة والبصرة وهما سرتا العراق، والمراد بفتحهما غلبة المسلمين على مكان أرضهما، وإلا فهما من تمصير المسلمين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو جور‏)‏ بفتح الجيم وسكون الواو بعدها راء أي ميل، والجور الميل عن القصد ومنه قوله تعالى ومنها جائر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فانظروا حذوها‏)‏ أي اعتبروا ما يقابل الميقات من الأرض التي تسلكونها من غير ميل فاجعلوه ميقاتا، وظاهره أن عمر حد لهم ذات عرق باجتهاد منه، وقد روى الشافعي من طريق أبي الشعثاء قال ‏"‏ لم يوقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المشرق شيئا فاتخذ الناس بحيال قرن ذات عرق ‏"‏ وروى أحمد عن هشيم عن يحيى بن سعيد وغيره عن نافع عن ابن عمر فذكر حديث المواقيت وزاد فيه ‏"‏ قال ابن عمر فآثر الناس ذات عرق على قرن ‏"‏ وله عن سفيان عن صدقة عن ابن عمر فذكر حديث المواقيت ‏"‏ قال فقال له قائل‏:‏ فأين العراق‏؟‏ فقال ابن عمر‏:‏ لم يكن يومئذ عراق ‏"‏ وسيأتي في الاعتصام من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال ‏"‏ لم يكن عراق يومئذ ‏"‏ ووقع في ‏"‏ غرائب مالك ‏"‏ للدارقطني من طريق عبد الرزاق عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال ‏"‏ وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل العراق قرنا ‏"‏ قال عبد الرزاق قال لي بعضهم إن مالكا محاه من كتابه‏.‏

قال الدارقطني‏:‏ تفرد به عبد الرزاق‏.‏

قلت‏:‏ والإسناد إليه ثقات أثبات، وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده عنه وهو غريب جدا، وحديث الباب يرده‏.‏

وروى الشافعي من طريق طاوس قال ‏"‏ لم يوقت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات عرق، ولم يكن حينئذ أهل المشرق ‏"‏ وقال في ‏"‏ الأم ‏"‏‏:‏ لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حد ذات عرق، وإنما أجمع عليه الناس‏.‏

وهذا كله يدل على أن ميقات ذات عرق ليس منصوصا، وبه قطع الغزالي والرافعي في ‏"‏ شرح المسند ‏"‏ والنووي في ‏"‏ شرح مسلم ‏"‏ وكذا وقع في ‏"‏ المدونة ‏"‏ لمالك، وصحح الحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية والرافعي في ‏"‏ الشرح الصغير ‏"‏ والنووي في ‏"‏ شرح المهذب ‏"‏ أنه منصوص، وقد وقع ذلك في حديث جابر عند مسلم إلا أنه مشكوك في رفعه أخرجه من طريق ابن جريج ‏"‏ أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يسأل عن المهل فقال‏:‏ سمعت أحسبه رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ فذكره، وأخرجه أبو عوانة في مستخرجه بلفظ ‏"‏ فقال سمعت أحسبه يريد النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ وقد أخرجه أحمد من رواية ابن لهيعة وابن ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد كلاهما عن أبي الزبير فلم يشكا في رفعه‏.‏

ووقع في حديث عائشة وفي حديث الحارث بن عمرو السهمي كلاهما عند أحمد وأبي داود والنسائي، وهذا يدل على أن للحديث أصلا، فلعل من قال إنه غير منصوص لم يبلغه أو رأى ضعف الحديث باعتبار أن كل طريق لا يخلو عن مقال، ولهذا قال ابن خزيمة‏:‏ رويت في ذات عرق أخبار لا يثبت شيء منها عند أهل الحديث‏.‏

وقال ابن المنذر‏:‏ لم نجد في ذات عرق حديثا ثابتا انتهى‏.‏

لكن الحديث بمجموع الطرق يقوى كما ذكرنا‏.‏

وأما إعلال من أعله بأن العراق لم تكن فتحت يومئذ فقال ابن عبد البر‏:‏ هي غفلة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقت المواقيت لأهل النواحي قبل الفتوح، لكنه علم أنها ستفتح، فلا فرق في ذلك بين الشام والعراق انتهى‏.‏

وبهذا أجاب الماوردي وآخرون، لكن يظهر لي أن مراد من قال لم يكن العراق يومئذ أي لم يكن في تلك الجهة ناس مسلمون، والسبب في قول ابن عمر ذلك أنه روى الحديث بلفظ ‏"‏ أن رجلا قال‏:‏ يا رسول الله من أين تأمرنا أن نهل ‏"‏‏؟‏ فأجابه‏.‏

وكل جهة عينها في حديث ابن عمر كان من قبلها ناس مسلمون بخلاف المشرق والله أعلم‏.‏

وأما ما أخرجه أبو داود والترمذي من وجه آخر عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المشرق العقيق فقد تفرد به يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف، وإن كان حفظه فقد جمع بينه وبين حديث جابر وغيره بأجوبة منها أن ذات عرق ميقات الوجوب، والعقيق ميقات الاستحباب لأنه أبعد من ذات عرق‏.‏

ومنها أن العقيق ميقات لبعض العراقيين وهم أهل المدائن، والآخر ميقات لأهل البصرة، وقع ذلك في حديث لأنس عند الطبراني وإسناده ضعيف‏.‏

ومنها أن ذات عرق كانت أولا في موضع العقيق الآن ثم حولت وقربت إلى مكة فعلى هذا فذات عرق والعقيق شيء واحد، ويتعين الإحرام من العقيق ولم يقل به أحد، وإنما قالوا يستحب احتياطا، وحكى ابن المنذر عن الحسن بن صالح أنه كان يحرم من الربذة وهو قول القاسم بن عبد الرحمن وخصيف الجزري، قال ابن المنذر‏:‏ وهو أشبه في النظر إن كانت ذات عرق غير منصوصة، وذلك أنها تحاذي ذا الحليفة، وذات عرق بعدها، والحكم فيمن ليس له ميقات أن يحرم من أول ميقات يحاذيه، لكن لما سن عمر ذات عرق وتبعه عليه الصحابة واستمر عليه العمل كان أولى بالاتباع‏.‏

واستدل به على أن من ليس له ميقات أن عليه أن يحرم إذا حاذى ميقاتا من هذه المواقيت الخمسة، ولا شك أنها محيطة بالحرم، فذو الحليفة شامية ويلملم يمانية فهي مقابلها وإن كانت إحداهما أقرب إلى مكة من الأخرى، وقرن شرقية والجحفة غربية فهي مقابلها وإن كانت إحداهما كذلك، وذات عرق تحاذي قرنا، فعلى هذا فلا تخلو بقعة من بقاع الأرض من أن تحاذي ميقاتا من هذه المواقيت، فبطل قول من قال من ليس له ميقات ولا يحاذي ميقاتا هل يحرم من مقدار أبعد من المواقيت أو أقربها‏؟‏ ثم حكى فيه خلافا، والفرض أن هذه الصورة لا تتحقق لما قلته إلا أن يكون قائله فرضه فيمن لم يطلع على المحاذاة كمن يجهلها، وقد نقل النووي في ‏"‏ شرح المهذب ‏"‏ أنه يلزمه أن يحرم على مرحلتين اعتبارا بقول عمر هذا في توقيته ذات عرق، وتعقب بأن عمر إنما حدها لأنها تحاذي قرنا، وهذه الصورة إنما هي حيث يجهل المحاذاة، فلعل القائل بالمرحلتين أخذ بالأقل لأن ما زاد عليه مشكوك فيه، لكن مقتضى الأخذ بالاحتياط أن يعتبر الأكثر الأبعد، ويحتمل أن يفرق بين من عن يمين الكعبة وبين من عن شمالها لأن المواقيت التي عن يمينها أقرب من التي عن شمالها فيقدر لليمين الأقرب وللشمال الأبعد والله أعلم‏.‏

ثم إن مشروعية المحاذاة مختصة بمن ليس له أمامه ميقات معين، فأما من له ميقات معين كالمصري مثلا يمر ببدر وهي تحاذي ذا الحليفة فليس عليه أن يحرم منها بل له التأخير حتى يأتي الجحفة والله أعلم‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ العقيق المذكور هنا واد يتدفق ماؤه في غوري تهامة، وهو غير العقيق المذكور بعد بابين كما سيأتي بيانه‏.‏

*3*باب

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَصَلَّى بِهَا وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب‏)‏ كذا في الأصول بغير ترجمة، وهو بمنزلة الفصل من الأبواب التي قبله، ومناسبته لها من جهة دلالة حديثه على استحباب صلاة ركعتين عند إرادة الإحرام من الميقات، وقد ترجم عليه بعض الشارحين ‏"‏ نزول البطحاء والصلاة بذي الحليفة ‏"‏ وحكى القطب أنه في بعض النسخ قال‏:‏ وسقط في نسخة سماعنا لفظ ‏"‏ باب ‏"‏ وفي شرح ابن بطال ‏"‏ الصلاة بذي الحليفة‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أناخ‏)‏ بالنون والخاء المعجمة أي أبرك بعيره، والمراد أنه نزل بها‏.‏

والبطحاء قد بين أنها التي بذي الحليفة‏.‏

وقوله ‏"‏فصلى بها ‏"‏ يحتمل أن يكون للإحرام ويحتمل أن يكون للفريضة، وسيأتي من حديث أنس ‏"‏ أنه صلى الله عليه وسلم صلى العصر بذي الحليفة ركعتين ‏"‏ ثم أن هذا النزول يحتمل أن يكون في الذهاب وهو الظاهر من تصرف المصنف، ويحتمل أن يكون في الرجوع ويؤيده حديث ابن عمر الذي بعده بلفظ ‏"‏ وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي وبات حتى أصبح ‏"‏ ويمكن الجمع بأنه كان يفعل الأمرين ذهابا وإيابا والله أعلم‏.‏

*3*باب خُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى طَرِيقِ الشَّجَرَةِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب خروج النبي صلى الله عليه وسلم على طريق الشجرة‏)‏ قال عياض‏:‏ هو موضع معروف على طريق من أراد الذهاب إلى مكة من المدينة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج منه إلى ذي الحليفة فيبيت بها، وإذا رجع بات بها أيضا ودخل على طريق المعرس بفتح الراء المثقلة وبالمهملتين وهو مكان معروف أيضا، وكل من الشجرة والمعرس على ستة أميال من المدينة لكن المعرس أقرب، وسيأتي في الباب الذي بعده مزيد بيان في ذلك‏.‏

قال ابن بطال‏:‏ كان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك كما يفعل في العيد يذهب من طريق ويرجع من أخرى، وقد تقدم القول في حكمة ذلك مبسوطا، وقد قال بعضهم‏:‏ أن نزوله هناك لم يكن قصدا وإنما كان اتفاقا حكاه إسماعيل القاضي في أحكامه عن محمد بن الحسن وتعقبه، والصحيح أنه كان قصدا لئلا يدخل المدينة ليلا، ويدل عليه قوله ‏"‏ وبات حتى يصبح ‏"‏ ولمعنى فيه وهو التبرك به كما سيأتي في الباب الذي بعده‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرَةِ وَيَدْخُلُ مِنْ طَرِيقِ الْمُعَرَّسِ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ يُصَلِّي فِي مسْجِدِ الشَّجَرَةِ وَإِذَا رَجَعَ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الْوَادِي وَبَاتَ حَتَّى يُصْبِحَ

الشرح‏:‏

تقدمت الإشارة إلى شيء من الحديث في أواخر أبواب المساجد، وسياقه هناك أبسط من هذا‏.‏

*3*باب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَقِيقُ وَادٍ مُبَارَكٌ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب قول النبي صلى الله عليه وسلم العقيق واد مبارك‏)‏ أورد فيه حديث عمر في ذلك، وليس هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم وإنما حكاه عن الآتي الذي أتاه‏.‏

لكن روى أبو أحمد بن عدي من طريق يعقوب بن إبراهيم الزهري عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا ‏"‏ تخيموا بالعقيق فإنه مبارك ‏"‏ فكأنه أشار إلى هذا‏.‏

وقوله ‏"‏تخيموا بالخاء المعجمة والتحتانية أمر بالتخيم والمراد به النزول هناك‏.‏

وذكر ابن الجوزي في ‏"‏ الموضوعات ‏"‏ عن حمزة الأصبهاني أنه ذكر في ‏"‏ كتاب التصحيف ‏"‏ أن الرواية بالتحتانية تصحيف وأن الصواب بالمثناة الفوقانية، ولما قاله اتجاه لأنه وقع في معظم الطرق ما يدل على أنه من الخاتم، وهو من طريق يعقوب بن الوليد عن هشام بلفظه، ووقع في حديث عمر تختموا بالعقيق فإن جبريل أتاني به من الجنة الحديث وأسانيده ضعيفة‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ وَبِشْرُ بْنُ بَكْرٍ التِّنِّيسِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ إِنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَادِي الْعَقِيقِ يَقُولُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏آت من ربي‏)‏ هو جبريل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فقال صل في هذا الوادي المبارك‏)‏ يعني وادي العقيق، وهو بقرب البقيع بينه وبين المدينة أربعة أميال‏.‏

روى الزبير بن بكار في ‏"‏ أخبار المدينة ‏"‏ أن تبعا لما رجع من المدينة انحدر في مكان فقال‏:‏ هذا عقيق الأرض، فسمي العقيق‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقل عمرة في حجة‏)‏ برفع عمرة للأكثر وبنصبها لأبي ذر على حكاية اللفظ أي قل جعلتها عمرة، وهذا دال على أنه صلى الله عليه وسلم كان قارنا، وسيأتي بيان ذلك بعد أبواب‏.‏

وأبعد من قال معناه عمرة مدرجة في حجة أي أن عمل العمرة يدخل في عمل الحج فيجزي لها طواف واحد‏.‏

وقال من معناه أنه يعتمر في تلك السنة بعد فراغ حجه‏.‏

وهذا أبعد من الذي قبله، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك‏.‏

نعم يحتمل أن يكون أمر أن يقول ذلك لأصحابه ليعلمهم مشروعية القران، وهو كقوله ‏"‏ دخلت العمرة في الحج ‏"‏ قاله الطبري‏.‏

واعترضه ابن المنير في الحاشية فقال‏:‏ ليس نظيره، لأن قوله ‏"‏ دخلت إلخ ‏"‏ تأسيس قاعدة، وقوله ‏"‏عمرة في حجة ‏"‏ بالتنكير يستدعي الوحدة وهو إشارة إلى الفعل الواقع من القران إذ ذاك‏.‏

قلت‏:‏ ويؤيده ما يأتي في كتاب الاعتصام بلفظ ‏"‏ عمرة وحجة ‏"‏ بواو العطف وسيأتي بيان ذلك بعد أبواب‏.‏

وفي الحديث فضل العقيق كفضل المدينة وفضل الصلاة فيه، وفيه استحباب نزول الحاج في منزلة قريبة من البلد ومبيتهم بها ليجتمع إليهم من تأخر عنهم ممن أراد مرافقتهم، وليستدرك حاجته من نسيها مثلا فيرجع إليها من قريب‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رُئِيَ وَهُوَ فِي مُعَرَّسٍ بِذِي الْحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الْوَادِي قِيلَ لَهُ إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ يَتَوَخَّى بِالْمُنَاخِ الَّذِي كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُنِيخُ يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَسْفَلُ مِنْ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِبَطْنِ الْوَادِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ وَسَطٌ مِنْ ذَلِكَ

الشرح‏:‏

قوله في حديث ابن عمر ‏(‏أنه أري‏)‏ بضم الهمزة أي في المنام‏.‏

وفي رواية كريمة ‏"‏ رئي ‏"‏ بتقديم الراء أي رآه غيره‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو معرس‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ في معرس ‏"‏ بالتنوين، وقوله ‏"‏ببطن الوادي ‏"‏ تبين من حديث ابن عمر الذي قبله أنه وادي العقيق‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد أناخ بنا سالم‏)‏ هو مقول موسى بن عقبة الراوي عنه، وقوله ‏"‏يتوخى ‏"‏ بالخاء المعجمة أي يقصد، و ‏"‏ المناخ ‏"‏ بضم الميم المبرك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو أسفل‏)‏ بالنصب ويجوز الرفع، والمراد بالمسجد الذي كان هنا في ذلك الزمان‏.‏

وقوله ‏"‏بينه ‏"‏ أي بين المعرس‏.‏

وفي رواية الحموي ‏"‏ بينهم ‏"‏ أي بين النازلين وبين الطريق، وقوله ‏"‏وسط من ذلك ‏"‏ بفتح المهملة أي متوسط بين بطن الوادي وبين الطريق، وعند أبي ذر ‏"‏ وسطا من ذلك ‏"‏ بالنصب‏.‏

*3*باب غَسْلِ الْخَلُوقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ الثِّيَابِ

قَالَ أَبُو عَاصِمٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى أَخْبَرَهُ أَنَّ يَعْلَى قَالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرِنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يُوحَى إِلَيْهِ قَالَ فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجِعْرَانَةِ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ فَسَكَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاعَةً فَجَاءَهُ الْوَحْيُ فَأَشَارَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى يَعْلَى فَجَاءَ يَعْلَى وَعَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ وَهُوَ يَغِطُّ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ أَيْنَ الَّذِي سَأَلَ عَنْ الْعُمْرَةِ فَأُتِيَ بِرَجُلٍ فَقَالَ اغْسِلْ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَانْزِعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ قُلْتُ لِعَطَاءٍ أَرَادَ الْإِنْقَاءَ حِينَ أَمَرَهُ أَنْ يَغْسِلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَ نَعَمْ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب‏)‏ الخلوق بفتح الخاء المعجمة نوع من الطيب مركب فيه زعفران‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال أبو عاصم‏)‏ هو من شيوخ البخاري ولم أره عنه إلا بصيغة التعليق، وبذلك جزم الإسماعيلي فقال‏:‏ ذكره عن أبي عاصم بلا خبر، وأبو نعيم فقال‏:‏ ذكر بلا رواية، وحكى الكرماني أنه وقع في بعض النسخ ‏"‏ حدثنا محمد حدثنا أبو عاصم ‏"‏ ومحمد هو ابن معمر أو ابن بشار ويحتمل أن يكون البخاري، ولم يقع في المتن ذكر الخلوق وإنما أشار به إلى ما ورد في بعض طرقه وهو في أبواب العمرة بلفظ ‏"‏ وعليه أثر الخلوق‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أن يعلى‏)‏ هو ابن أمية التميمي وهو المعروف بابن منية بضم الميم وسكون النون وفتح التحتانية وهي أمه وقيل جدته، وهو والد صفوان الذي روى عنه، وليست رواية صفوان عنه لهذا الحديث بواضحة لأنه قال فيها ‏"‏ إن يعلى قال لعمر ‏"‏ ولم يقل أن يعلى أخبره أنه قال لعمر، فإن يكن صفوان حضر مراجعتهما وإلا فهو منقطع، لكن سيأتي في أبواب العمرة من وجه آخر ‏"‏ عن صفوان بن يعلى عن أبيه ‏"‏ فذكر الحديث‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏جاء رجل‏)‏ سيأتي بعد أبواب بلفظ ‏"‏ جاء أعرابي ‏"‏ ولم أقف على اسمه لكن ذكر ابن فتحون في ‏"‏ الذيل ‏"‏ عن ‏"‏ تفسير الطرطوشي ‏"‏ أن اسمه عطاء ابن منية، قال ابن فتحون‏:‏ إن ثبت ذلك فهو أخو يعلى ابن منية راوي الخبر، ويجوز أن يكون خطأ اسم الراوي فإنه من رواية عطاء عن صفوان بن يعلى ابن منية عن أبيه، ومنهم من لم يذكر بين عطاء ويعلى أحدا، ووقع في شرح شيخنا سراج الدين بن الملقن ما نصه‏:‏ هذا الرجل يجوز أن يكون عمرو بن سواد إذ في كتاب ‏"‏ الشفاء ‏"‏ للقاضي عياض عنه قال ‏"‏ أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا متخلق فقال ورس ورس حط حط وغشيني بقضيب بيده في بطني فأوجعني ‏"‏ الحديث، فقال شيخنا‏:‏ لكن عمرو هذا لا يدرك ذا فإنه صاحب ابن وهب انتهى كلامه‏.‏

وهو معترض من وجهين‏:‏ أما أولا فليست هذه القصة شبيهة بهذه القصة حتى يفسر صاحبها بها، وأما ثانيا ففي الاستدراك غفلة عظيمة لأن من يقول ‏"‏ أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ لا يتخيل فيه أنه صاحب ابن وهب صاحب مالك، بل إن ثبت فهو آخر وافق اسمه اسمه واسم أبيه اسم أبيه، والفرض أنه لم يثبت لأنه انقلب على شيخنا إنما الذي في ‏"‏ الشفاء ‏"‏ سواد بن عمرو وقيل سوادة بن عمرو، أخرج حديثه المذكور عبد الرزاق في مصنفه والبغوي في ‏"‏ معجم الصحابة‏"‏، وروى الطحاوي من طريق أبي حفص بن عمرو عن يعلى أنه مر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو متخلق فقال ألك امرأة‏؟‏ قال لا، قال اذهب فاغسله‏.‏

فقد يتوهم من لا خبرة له أن يعلى بن أمية هو صاحب القصة، وليس كذلك فإن راوي هذا الحديث يعلى بن مرة الثقفي، وهي قصة أخرى غير قصة صاحب الإحرام‏.‏

نعم روى الطحاوي في موضع آخر أن يعلى بن أمية صاحب القصة قال ‏"‏ حدثنا سليمان بن شعيب حدثنا عبد الرحمن هو ابن زياد الوضاحي حدثنا شعبة عن قتادة عن عطاء بن أبي رباح أن رجلا يقال له يعلى بن أمية أحرم وعليه جبة فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزعها ‏"‏ قال قتادة قلت لعطاء إنما كنا نرى أن نشقها، فقال عطاء‏:‏ إن الله لا يحب الفساد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قد أظل به‏)‏ بضم أوله وكسر الظاء المعجمة أي جعل عليه كالظلة‏.‏

ووقع عند الطبراني في الأوسط وابن أبي حاتم أن الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وأتموا الحج والعمرة لله‏)‏ ويستفاد منه أن المأمور به وهو الإتمام يستدعي وجوب اجتناب ما يقع في العمرة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يغط‏)‏ بفتح أوله وكسر المعجمة وتشديد الطاء المهملة أي ينفخ، والغطيط صوت النفس المتردد من النائم أو المغمى، وسبب ذلك شدة ثقل الوحي، وكان سبب إدخال يعلى رأسه عليه في تلك الحال أنه كان يحب لو رآه في حالة نزول الوحي كما سيأتي في أبواب العمرة من وجه آخر عنه، وكان يقول ذلك لعمر فقال له عمر حينئذ‏:‏ تعال فانظر، وكأنه علم أن ذلك لا يشق على النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏سري‏)‏ بضم المهملة وتشديد الراء المكسورة أي كشف عنه شيئا بعد شيء قوله‏:‏ ‏(‏اغسل الطيب الذي بك‏)‏ هو أعم من أن يكون بثوبه أو ببدنه، وسيأتي البحث فيه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ كما تصنع ‏"‏ وسيأتي في أبواب العمرة بلفظ ‏"‏ كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي ‏"‏ ولمسلم من طريق قيس بن سعد عن عطاء ‏"‏ وما كنت صانعا في حجك فاصنع في عمرتك ‏"‏ وهو دال على أنه كان يعرف أعمال الحج قبل ذلك، قال ابن العربي‏:‏ كأنهم كانوا في الجاهلية يخلعون الثياب ويجتنبون الطيب في الإحرام إذا حجوا، وكانوا يتساهلون في ذلك في العمرة فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن مجراهما واحد‏.‏

وقال ابن المنير في الحاشية قوله ‏"‏ اصنع ‏"‏ معناه اترك لأن المراد بيان ما يجتنبه المحرم، فيؤخذ منه فائدة حسنة وهي أن الترك فعل‏.‏

قال وأما قول ابن بطال أراد الأدعية وغيرها مما يشترك فيه الحج والعمرة ففيه نظر لأن التروك مشتركة بخلاف الأعمال فإن في الحج أشياء زائلة على العمرة كالوقوف وما بعده‏.‏

وقال النووي كما قال ابن بطال وزاد‏:‏ ويستثنى من الأعمال ما يختص به الحج‏.‏

وقال الباجي‏:‏ المأمور به غير نزع الثوب وغسل الخلوق، لأنه صرح له بهما فلم يبق إلا الفدية‏.‏

كذا قال ولا وجه لهذا الحصر، بل الذي تبين من طريق أخرى أن المأمور به الغسل والنزع، وذلك أن عند مسلم والنسائي من طريق سفيان عن عمرو بن دينار وعن عطاء في هذا الحديث فقال ‏"‏ ما كنت صانعا في حجك‏؟‏ قال أنزع عني هذه الثياب وأغسل عني هذا الخلوق‏.‏

فقال ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فقلت لعطاء‏)‏ القائل هو ابن جريج، وهو دال على أنه فهم من السياق أن قوله ‏"‏ ثلاث مرات ‏"‏ من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، لكن يحتمل أن يكون من كلام الصحابي وأنه صلى الله عليه وسلم أعاد لفظة ‏"‏ اغسله ‏"‏ مرة ثم مرة على عادته أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثة لتفهم عنه نبه عليه عياض، قال الإسماعيلي‏:‏ ليس في حديث الباب أن الخلوق كان على الثوب كما في الترجمة، وإنما فيه أن الرجل كان متضمخا‏.‏

وقوله له ‏"‏ اغسل الطيب الذي بك ‏"‏ يوضح أن الطيب لم يكن في ثوبه وإنما كان على بدنه ولو كان على الجبة لكان في نزعها كفاية من جهة الإحرام ا هـ‏.‏

والجواب أن البخاري على عادته يشير إلى ما وقع في بعض طرق الحديث الذي يورده، وسيأتي في حرمات الإحرام من وجه آخر بلفظ ‏"‏ عليه قميص فيه أثر صفرة ‏"‏ والخلوق في العادة إنما يكون في الثوب‏.‏

ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة عن قتادة عن عطاء بلفظ ‏"‏ رأى رجلا عليه حبة عليها أثر خلوق ‏"‏ ولمسلم من طريق رباح بن أبي معروف عن عطاء مثله‏.‏

وقال سعيد بن منصور ‏"‏ حدثنا هشيم أخبرنا عبد الملك ومنصور وغيرهما عن عطاء عن يعلى بن أمية، أن رجلا قال‏:‏ يا رسول الله إني أحرمت وعلي جبتي هذه وعلى جبته ردغ من خلوق ‏"‏ الحديث وفيه ‏"‏ فقال اخلع هذه الجبة واغسل هذا الزعفران ‏"‏ واستدل بحديث يعلى على منع استدامة الطيب بعد الإحرام للأمر بغسل أثره من الثوب والبدن، وهو قول مالك ومحمد بن الحسن‏.‏

وأجاب الجمهور بأن قصة يعلى كانت بالجعرانة كما ثبت في هذا الحديث، وهي في سنة ثمان بلا خلاف‏.‏

وقد ثبت عن عائشة أنها طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديها عند إحرامها كما سيأتي في الذي بعده وكان ذلك في حجة الوداع سنة عشر بلا خلاف، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من الأمر، وبأن المأمور بغسله في قصة يعلى إنما هو الخلوق لا مطلق الطيب، فلعل علة الأمر فيه ما خالطه من الزعفران‏.‏

وقد ثبت النهي عن تزعفر الرجل مطلقا محرما وغير محرم، وفي حديث ابن عمر الآتي قريبا ‏"‏ ولا يلبس - أي المحرم - من الثياب شيئا مسه زعفران ‏"‏ وفي حديث ابن عباس الآتي أيضا ‏"‏ ولم ينه إلا عن الثياب المزعفرة ‏"‏ وسيأتي مزيد في ذلك الباب الذي بعده، واستدل به على أن من أصابه طيب في إحرامه ناسيا أو جاهلا ثم علم فبادر إلى إزالته فلا كفارة عليه‏.‏

وقال مالك إن طال ذلك عليه لزمه، وعن أبي حنيفة وأحمد في رواية ‏"‏ يجب مطلقا ‏"‏ وعلى أن المحرم إذا صار عليه المخيط نزعه ولا يلزمه تمزيقه ولا شقه خلافا للنخعي والشعبي حيث قالا‏:‏ لا ينزعه من قبل رأسه لئلا يصير مغطيا لرأسه أخرجه ابن أبي شيبة عنهما، وعن علي نحوه، وكذا عن الحسن وأبي قلابة، وقد وقع عند أبي داود بلفظ ‏"‏ اخلع عنك الجبة فخلعها من قبل رأسه ‏"‏ وعلى أن المفتي والحاكم إذا لم يعرف الحكم يمسك حتى يتبين له، وعلى أن بعض الأحكام ثبت بالوحي وإن لم يكن مما يتلى، لكن وقع عند الطبراني في ‏"‏ الأوسط ‏"‏ أن الذي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى ‏(‏وأتموا الحج والعمرة لله‏)‏ وعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يحكم بالاجتهاد إلا إذا لم يحضره الوحي‏.‏

*3*باب الطِّيبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَمَا يَلْبَسُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ وَيَتَرَجَّلَ وَيَدَّهِنَ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَشَمُّ الْمُحْرِمُ الرَّيْحَانَ وَيَنْظُرُ فِي الْمِرْآةِ وَيَتَدَاوَى بِمَا يَأْكُلُ الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَقَالَ عَطَاءٌ يَتَخَتَّمُ وَيَلْبَسُ الْهِمْيَانَ وَطَافَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَهُوَ مُحْرِمٌ وَقَدْ حَزَمَ عَلَى بَطْنِهِ بِثَوْبٍ وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِالتُّبَّانِ بَأْسًا لِلَّذِينَ يَرْحَلُونَ هَوْدَجَهَا

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب الطيب عند الإحرام، وما يلبس إذا أراد أن يحرم ويترجل ويدهن‏)‏ أراد بهذه الترجمة أن يبين أن الأمر بغسل الخلوق الذي في الحديث قبله إنما هو بالنسبة إلى الثياب، لأن المحرم لا يلبس شيئا مسه الزعفران كما سيأتي في الباب الذي بعده، وأما الطيب فلا يمنع استدامته على البدن، وأضاف إلى التطيب المقتصر عليه في حديث الباب الرجل والأدهان لجامع ما بينهما من الترفه فكأنه يقول يلحق بالتطيب سائر الترفهات فلا يحرم على المحرم، كذا قال ابن المنير، والذي يظهر أن البخاري أشار إلى ما سيأتي بعد أربعة أبواب من طريق كريب عن ابن عباس قال ‏"‏ انطلق النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة بعدما ترجل وادهن ‏"‏ الحديث، وقوله ‏"‏ترجل ‏"‏ أي سرح شعره، وكأنه يؤخذ من قوله في حديث عائشة ‏"‏ طيبته في مفرقه ‏"‏ لأن فيه نوع ترجيل، وسيأتي من وجه آخر بزيادة ‏"‏ وفي أصول شعره‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال ابن عباس إلخ‏)‏ أما شم الريحان فقال سعيد بن منصور ‏"‏ حدثنا ابن عيينة عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسا للمحرم بشم الريحان ‏"‏ وروينا في ‏"‏ المعجم الأوسط ‏"‏ مثله عن عثمان‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر خلافه، واختلف في الريحان فقال إسحاق‏:‏ يباح، وتوقف أحمد‏.‏

وقال الشافعي يحرم، وكرهه مالك والحنفية‏.‏

ومنشأ الخلاف أن كل ما يتخذ منه الطيب يحرم بلا خلاف، وأما غيره فلا‏.‏

وأما النظر في المرآة فقال الثوري في جامعه رواية عبد الله بن الوليد العدني عنه ‏"‏ عن هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس قال‏:‏ لا بأس أن ينظر في المرآة وهو محرم ‏"‏ وأخرجه ابن أبي شيبة عن ابن إدريس عن هشام به، ونقل كراهته عن القاسم بن محمد‏.‏

وأما التداوي فقال أبو بكر بن أبي شيبة ‏"‏ حدثنا أبو خالد الأحمر وعباد بن العوام عن أشعث عن عطاء عن ابن عباس أنه كان يقول‏:‏ يتداوى المحرم بما يأكل ‏"‏ وقال أيضا ‏"‏ حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن الضحاك عن ابن عباس إذا شققت يد المحرم أو رجلاه فليدهنهما بالزيت أو بالسمن ‏"‏ ووقع في الأصل ‏"‏ يتداوى بما يأكل الزيت والسمن ‏"‏ وهما بالجر في روايتنا وصحح عليه ابن مالك عطفا على ما الموصولة فإنها مجرورة بالباء ووقع في غيرها بالنصب، وليس المعنى عليه لأن الذي يأكل هو الآكل لا المأكول، لكن يجوز على الاتساع‏.‏

وفي هذا الأثر رد على مجاهد في قوله إن تداوى بالسمن أو الزيت فعليه دم أخرجه ابن أبي شيبة‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ قوله ‏"‏ يشم ‏"‏ بفتح الشين المعجمة على الأشهر وحكي ضمها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال عطاء يتختم ويلبس الهميان‏)‏ هو بكسر الهاء معرب، يشبه تكة السراويل يجعل فيها النفقة ويشد في الوسط‏.‏

وقد روى الدارقطني من طريق الثوري عن ابن إسحاق عن عطاء قال‏:‏ لا بأس بالخاتم للمحرم‏.‏

وأخرج أيضا من طريق شريك عن أبي إسحاق عن عطاء - وربما ذكره عن سعيد بن جبير - عن ابن عباس قال‏:‏ لا بأس بالهميان والخاتم للمحرم والأول أصح‏.‏

وأخرجه الطبراني وابن عدي في الكامل من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعا وإسناده ضعيف‏.‏

قال ابن عبد البر‏:‏ أجاز ذلك فقهاء الأمصار، وأجازوا عقده إذا لم يمكن إدخال بعضه في بعض، ولم ينقل عن أحد كراهته إلا عن ابن عمر، وعنه جوازه‏.‏

ومنع إسحاق عقده وقيل إنه تفرد بذلك، وليس كذلك فقد أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ لا بأس بالهميان للمحرم، ولكن لا يعقد عليه السير ولكن يلفه لفا‏.‏

قال ابن أبي شيبة حدثنا الفضل بن دكين عن إسماعيل بن عبد الملك قال رأيت على سعيد بن جبير خاتما وهو محرم وعلى عطاء‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وطاف ابن عمر وهو محرم وقد حزم على بطنه بثوب‏)‏ وصله الشافعي من طريق طاوس قال‏.‏

رأيت ابن عمر يسعى وقد حزم على بطنه بثوب‏.‏

وروي من وجه آخر عن نافع أن ابن عمر لم يكن عقد الثوب عليه وإنما غرز طرفه على إزاره‏.‏

وروى ابن أبي شيبة من طريق مسلم بن جندب سمعت ابن عمر يقول لا تعقد علي شيئا وأنت محرم‏.‏

قال ابن التين‏:‏ هو محمول على أنه شده على بطنه فيكون كالهميان ولم يشده فوق المئزر وإلا فمالك يرى على من فعل ذلك الفدية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولم تر عائشة بالتبان بأسا للذين يرحلون هودجها‏)‏ وقع في نسخة الصغاني بعد قوله بأسا‏:‏ قال أبو عبد الله يعني الذين إلخ‏.‏

التبان بضم المثناة وتشديد الموحدة سراويل قصير بغير أكمام، والهودج بفتح الهاء وبالجيم معروف، ويرحلون بفتح أوله وسكون الراء وفتح الحاء المهملة قال الجوهري‏:‏ رحلت البعير أرحله بفتح أوله رحلا إذا شددت على ظهره الرحل، قال الأعشى‏:‏ ‏"‏ رحلت أميمة غدوة أجمالها‏"‏، وسيأتي في التفسير استشهاد البخاري بقول الشاعر‏:‏ ‏"‏ إذا ما قمت أرحلها بليل‏"‏، وعلى هذا فوهم من ضبطه هنا بتشديد الحاء المهملة وكسرها‏.‏

وقد وصل أثر عائشة سعيد بن منصور من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها حجت ومعها غلمان لها وكانوا إذا شدوا رحلها يبدو منهم الشيء فأمرتهم أن يتخذوا التبابين فيلبسونها وهم محرمون‏.‏

وأخرجه من وجه آخر مختصرا بلفظ ‏"‏ يشدون هودجها ‏"‏ وفي هذا رد على ابن التين في قوله‏:‏ أرادت النساء لأنهن يلبسن المخيط بخلاف الرجال، وكأن هذا رأي رأته عائشة وإلا فالأكثر على أنه لا فرق بين التبان والسراويل في منعه للمحرم‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَدَّهِنُ بِالزَّيْتِ فَذَكَرْتُهُ لِإِبْرَاهِيمَ قَالَ مَا تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ حَدَّثَنِي الْأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏سفيان‏)‏ هو الثوري ومنصور هو ابن المعتمر، والإسناد إلى ابن عمر كوفيون وكذا إلى عائشة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يدهن بالزيت‏)‏ أي عند الإحرام بشرط أن لا يكون مطيبا، كمأ أخرجه الترمذي من وجه آخر عنه مرفوعا، والموقوف عنه أخرجه ابن أبي شيبة وهو أصح، ويؤيده ما تقدم في كتاب الغسل من طريق محمد بن المنتشر أن ابن عمر قال ‏"‏ لأن أطلي بقطران أحب إلي من أن أتطيب ثم أصبح محرما ‏"‏ وفيه إنكار عائشة عليه، وكان ابن عمر يتبع في ذلك أباه فإنه كان يكره استدامة الطيب بعد الإحرام كما سيأتي، وكانت عائشة تنكر عليه ذلك‏.‏

وقد روى سعيد بن منصور من طريق عبد الله بن عبد الله بن عمر أن عائشة كانت تقول ‏"‏ لا بأس بأن يمس الطيب عند الإحرام ‏"‏ قال فدعوت رجلا وأنا جالس بجنب ابن عمر فأرسلته إليها وقد علمت قولها ولكن أحببت أن يسمعه أبي، فجاءني رسولي فقال إن عائشة تقول لا بأس بالطيب عند الإحرام فأصب ما بدا لك‏.‏

قال فسكت ابن عمر‏.‏

وكذا كان سالم بن عبد الله بن عمر يخالف أباه وجده في ذلك لحديث عائشة، قال ابن عيينة ‏"‏ أخبرنا عمرو بن دينار عن سالم أنه ذكر قول عمر في الطيب ثم قال‏:‏ قالت عائشة ‏"‏ فذكر الحديث، قال سالم‏:‏ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فذكرته لإبراهيم‏)‏ هو مقول منصور، وإبراهيم هو النخعي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فقال ما تصنع بقوله‏)‏ يشير إلى ما بينته وإن كان لم يتقدم إلا ذكر الفعل، ويؤخذ منه أن المفزع في النوازل إلى السنن وأنه مستغنى بها عن آراء الرجال وفيها المقنع‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كأني أنظر‏)‏ أرادت بذلك قوة تحققها لذلك بحيث أنها لشدة استحضارها له كأنها ناظرة إليه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وبيص‏)‏ بالموحدة المكسورة وآخره صاد مهملة هو البريق، وقد تقدم في الغسل قول الإسماعيلي‏:‏ إن الوبيص زيادة على البريق، وأن المراد به التلألؤ، وأنه يدل على وجود عين قائمة لا الريح فقط‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في مفارق‏)‏ جمع مفرق وهو المكان الذي يفترق فيه الشعر في وسط الرأس، قيل ذكرته بصيغة الجمع تعميما لجوانب الرأس التي يفرق فيها الشعر‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏لإحرامه‏)‏ أي لأجل إحرامه، وللنسائي ‏"‏ حين أراد أن يحرم ‏"‏ ولمسلم نحوه كما سيأتي قريبا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولحله‏)‏ أي بعد أن يرمي ويحلق‏.‏

واستدل بقولها ‏"‏ كنت أطيب ‏"‏ على أن كان لا تقتضي التكرار لأنها لم يقع منها ذلك إلا مرة واحدة، وقد صرحت في رواية عروة عنها بأن ذلك كان في حجة الوداع كما سيأتي في كتاب اللباس، كذا استدل به النووي في ‏"‏ شرح مسلم ‏"‏ وتعقب بأن المدعي تكراره إنما هو التطيب لا الإحرام، ولا مانع من أن يتكرر التطيب لأجل الإحرام مع كون الإحرام مرة واحدة ولا يخفى ما فيه‏.‏

وقال النووي في موضع آخر‏:‏ المختار أنها لا تقتضي تكرارا ولا استمرارا، وكذا قال الفخر في ‏"‏ المحصول‏"‏، وجزم ابن الحاجب بأنها تقتضيه قال ولهذا استفدنا من قولهم ‏"‏ كان حاتم يقري الضيف ‏"‏ أن ذلك كان يتكرر منه‏.‏

وقال جماعة من المحققين إنها تقتضي التكرار ظهورا، وقد تقع قرينة تدل على عدمه، لكن يستفاد من سياقه لذلك المبالغة في إثبات ذلك، والمعني أنها كانت تكرر فعل التطيب لو تكرر منه فعل الإحرام لما اطلعت عليه من استحبابه لذلك، على أن هذه اللفظة لم تتفق الرواة عنها عليها، فسيأتي للبخاري من طريق سفيان ابن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم شيخ مالك فيه هنا بلفظ ‏"‏ طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ وسائر الطرق ليس فيها صيغة ‏"‏ كان ‏"‏ والله أعلم‏.‏

واستدل به على استحباب التطيب عند إرادة الإحرام، وجواز استدامته بعد الإحرام، وأنه لا يضر بقاء لونه ورائحته، وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام وهو قول الجمهور، وعن مالك يحرم ولكن لا فدية‏.‏

وفي رواية عنه تجب‏.‏

وقال محمد بن الحسن‏:‏ يكره أن يتطيب قبل الإحرام بما يبقى عينه بعده‏.‏

وتجب المالكية بأمور‏:‏ منها أنه صلى الله عليه وسلم اغتسل بعد أن تطيب لقوله في رواية ابن المنتشر المتقدمة في الغسل ‏"‏ ثم طاف بنسائه ثم أصبح محرما ‏"‏ فإن المراد بالطواف الجماع، وكان من عادته أن يغتسل عند كل واحدة، ومن ضرورة ذلك أن لا يبقى للطيب أثر، ويرده قوله في الرواية الماضية أيضا ‏"‏ ثم أصبح محرما ينضح طيبا ‏"‏ فهو ظاهر في أن نضح الطيب - وهو ظهور رائحته - كان في حال إحرامه، ودعوى بعضهم أن فيه تقديما وتأخيرا والتقدير طاف على نسائه ينضح طيبا ثم أصبح محرما خلاف الظاهر، ويرده قوله في رواية الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم عند مسلم ‏"‏ كان إذا أراد أن يحرم يتطيب بأطيب ما يجد، ثم أراه في رأسه ولحيته بعد ذلك ‏"‏ وللنسائي وابن حبان ‏"‏ رأيت الطيب في مفرقه بعد ثلاث وهو محرم ‏"‏ وقال بعضهم‏:‏ إن الوبيص كان بقايا الدهن المطيب الذي تطيب به فزال وبقي أثره من غير رائحة، ويرده قول عائشة ينضح طيبا‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ بقي أثره لا عينه، قال ابن العربي ليس في شيء من طرق حديث عائشة أن عينه بقيت انتهى‏.‏

وقد روى أبو داود وابن أبي شيبة من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة قالت ‏"‏ كنا نضمخ وجوهنا بالمسك المطيب قبل أن نحرم ثم نحرم فنعرق فيسيل على وجوهنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينهانا‏"‏‏.‏

فهذا صريح في بقاء عين الطيب، ولا يقال إن ذلك خاص بالنساء لأنهم أجمعوا على أن الرجال والنساء سواء في تحريم استعمال الطيب إذا كانوا محرمين‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ كان ذلك طيبا لا رائحة له تمسكا برواية الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة ‏"‏ بطيب لا يشبه طيبكم ‏"‏ قال بعض رواته‏:‏ يعني لا بقاء له أخرجه النسائي‏.‏

ويرد هذا التأويل ما في الذي قبله‏.‏

ولمسلم من رواية منصور بن زاذان عن عبد الرحمن بن القاسم ‏"‏ بطيب فيه مسك ‏"‏ وله من طريق الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم ‏"‏ كأني أنظر إلى وبيص المسك ‏"‏ وللشيخين من طريق عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه ‏"‏ بأطيب ما أجد‏"‏‏.‏

وللطحاوي والدارقطني من طريق نافع عن ابن عمر عن عائشة ‏"‏ بالغالية الجيدة ‏"‏ هذا يدل على أن قولها بطيب لا يشبه طيبكم أي أطيب منه، لا كما فهمه القائل يعني ليس له بقاء‏.‏

وادعى بعضهم أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم قال المهلب وأبو الحسن القصار وأبو الفرج من المالكية، قال بعضهم‏:‏ لأن الطيب من دواعي النكاح فنهى الناس عنه وكان هو أملك الناس لإربه ففعله، ورجحه ابن العربي بكثرة ما ثبت له من الخصائص في النكاح، وقد ثبت عنه أنه قال ‏"‏ حبب إلي النساء والطيب ‏"‏ أخرجه النسائي من حديث أنس، وتعقب بأن الخصائص لا تثبت بالقياس‏.‏

وقال المهلب‏:‏ إنما خص بذلك لمباشرته الملائكة لأجل الوحي، وتعقب بأنه فرع ثبوت الخصوصية وكيف بها، ويردها حديث عائشة بنت طلحة المتقدم‏.‏

وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن عائشة قالت ‏"‏ طيبت أبي بالمسك لإحرامه حين أحرم ‏"‏ وبقولها ‏"‏ طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين ‏"‏ أخرجه الشيخان من طريق عمر بن عبد الله بن عروة عن جده عنها، وسيأتي من طريق سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم بلفظ ‏"‏ وأشارت بيديها ‏"‏ واعتذر بعض المالكية بأن عمل أهل المدينة على خلافه، وتعقب بما رواه النسائي من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن سليمان بن عبد الملك لما حج جمع ناسا من أهل العلم - منهم القاسم بن محمد وخارجة بن زيد وسالم وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر وعمر بن عبد العزيز وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث - فسألهم عن التطيب قبل الإفاضة، فكلهم أمر به‏.‏

فهؤلاء فقهاء أهل المدينة من التابعين قد اتفقوا على ذلك، فكيف يدعى مع ذلك العمل على خلافه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولحله قبل أن يطوف بالبيت‏)‏ أي لأجل إحلاله من إحرامه قبل أن يطوف طواف الإفاضة، وسيأتي في اللباس من طريق يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم بلفظ ‏"‏ قبل أن يفيض ‏"‏ وللنسائي من هذا الوجه ‏"‏ وحين يريد أن يزور البيت ‏"‏ ولمسلم نحوه من طريق عمرة عن عائشة، وللنسائي من طريق ابن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة ‏"‏ ولحله بعدما يرمي جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت ‏"‏ واستدل به على حل الطيب وغيره من محرمات الإحرام بعد رمي جمرة العقبة، ويستمر امتناع الجماع ومتعلقاته على الطواف بالبيت، وهو دال على أن للحج تحللين فمن قال أن الحلق نسك كما هو قول الجمهور وهو الصحيح عند الشافعية يوقف استعمال الطيب وغيره من المحرمات المذكورة عليه، ويؤخذ ذلك من كونه صلى الله عليه وسلم في حجته رمى ثم حلق ثم طاف، فلولا أن الطيب بعد الرمي والحلق لما اقتصرت على الطواف في قولها ‏"‏ قبل أن يطوف بالبيت ‏"‏ قال النووي في ‏"‏ شرح المهذب ‏"‏ ظاهر كلام ابن المنذر وغيره أنه لم يقل بأن الحلق ليس بنسك إلا الشافعي، وهو في رواية عن أحمد، وحكي عن أبي يوسف، واستدل به على جواز استدامة الطيب بعد الإحرام، وخالف الحنفية فأوجبوا فيه الفدية قياسا على اللبس، وتعقب بأن استدامة اللبس لبس واستدامة الطيب ليس بطيب، ويظهر ذلك بما لو حلف‏.‏

وقد تقدم التعقب على من زعم أن المراد بريق الدهن أو أثر الطيب الذي لا رائحة له بما فيه كفاية‏.‏

*3*باب مَنْ أَهَلَّ مُلَبِّدًا

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب من أهل ملبدا‏)‏ أي أحرم وقد لبد شعر رأسه، أي جعل فيه شيئا نحو الصمغ ليجتمع شعره لئلا يتشعث في الإحرام أو يقع فيه القمل‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَصْبَغُ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهِلُّ مُلَبِّدًا

الشرح‏:‏

حديث سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه في ذلك وهو مطابق للترجمة، وقوله ‏"‏سمعته يهل ملبدا ‏"‏ أي سمعته يهل في حال كونه ملبدا، ولأبي داود والحاكم من طريق نافع عن ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام لبد رأسه بالعسل، قال ابن عبد السلام يحتمل أنه بفتح المهملتين، ويحتمل أنه بكسر المعجمة وسكون المهملة، وهو ما يغسل به الرأس من خطمي أو غيره‏.‏

قلت ضبطناه في روايتنا في سنن أبي داود بالمهملتين‏.‏

*3*باب الْإِهْلَالِ عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب الإهلال عند مسجد ذي الحليفة‏)‏ أي لمن حج من المدينة‏.‏

أورد فيه حديث سالم أيضا عن أبيه في ذلك من وجهين، وساقه بلفظ مالك‏.‏

وأما لفظ سفيان فأخرجه الحميدي في مسنده بلفظ ‏"‏ هذه البيداء التي تكذبون فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند المسجد مسجد ذي الحليفة ‏"‏ وأخرجه مسلم من طريق حاتم بن إسماعيل عن موسى بن عقبة بلفظ ‏"‏ كان ابن عمر إذا قيل له الإحرام من البيداء قال‏:‏ البيداء التي تكذبون فيها إلخ، إلا أنه قال‏:‏ من عند الشجرة حين قام به بعيره ‏"‏ وسيأتي للمصنف بعد أبواب ترجمة ‏"‏ من أهل حين استوت به راحلته ‏"‏ وأخرج فيه من طريق صالح بن كيسان عن نافع عن ابن عمر قال ‏"‏ أهل النبي صلى الله عليه وسلم حين استوت به راحلته قائمة ‏"‏ وكان ابن عمر ينكر على رواية ابن عباس الآتية بعد بابين بلفظ ‏"‏ ركب راحلته حتى استوى على البيداء أهل ‏"‏ وقد أزال الإشكال ما رواه أبو داود والحاكم من طريق سعيد بن جبير ‏"‏ قلت لابن عباس عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إهلاله - فذكر الحديث وفيه - فلما صلى في مسجد ذي الحليفة ركعتين أوجب من مجلسه فأهل بالحج حين فرغ منها فسمع منه قوم فحفظوه، ثم ركب فلما استقلت به راحلته أهل، وأدرك ذلك منه قوم لم يشهدوه في المرة الأولى فسمعوه حين ذاك فقالوا إنما أهل حين استقلت به راحلته، ثم مضى فلما علا شرف البيداء أهل، وأدرك ذلك قوم لم يشهدوه فنقل كل أحد ما سمع، وإنما كان إهلاله في مصلاه وايم الله، ثم أهل ثانيا وثالثا ‏"‏ وأخرجه الحاكم من وجه آخر من طريق عطاء عن ابن عباس نحوه دون القصة، فعلى هذا فكان إنكار ابن عمر على من يخص الإهلال بالقيام على شرف البيداء، وقد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك وإنما الخلاف في الأفضل‏.‏

‏(‏فائدة‏)‏ ‏:‏ البيداء هذه فوق علمي ذي الحليفة لمن صعد من الوادي، قاله أبو عبيد البكري وغيره‏.‏

*3*باب مَا لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب ما لا يلبس المحرم من الثياب‏)‏ المراد بالمحرم من أحرم بحج أو عمرة أو قرن، وحكى ابن دقيق العيد أن ابن عبد السلام كان يستشكل معرفة حقيقة الإحرام يعني على مذهب الشافعي ويرد على من يقول إنه النية، لأن النية شرط في الحج الذي الإحرام ركنه، وشرط الشيء غيره، ويعترض على من يقول إنه التلبية بأنها ليست ركنا وكأنه يحوم على تعيين فعل تتعلق به النية في الابتداء انتهى‏.‏

والذي يظهر أنه مجموع الصفة الحاصلة من تجرد وتلبية ونحو ذلك، وسيأتي في آخر ‏"‏ باب التلبية ‏"‏ ما يتعلق بشيء من هذا الغرض‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَلْبَسُ الْقُمُصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبَرَانِسَ وَلَا الْخِفَافَ إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ وَلَا تَلْبَسُوا مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏أن رجلا قال يا رسول الله‏)‏ لم أقف على اسمه في شيء من الطرق، وسيأتي في ‏"‏ باب ما ينهى من الطيب للمحرم ‏"‏ ومن طريق الليث عن نافع بلفظ ‏"‏ ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام ‏"‏ وعند النسائي من طريق عمر بن نافع عن أبيه ‏"‏ ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا ‏"‏ وهو مشعر بأن السؤال عن ذلك كان قبل الإحرام‏.‏

وقد حكى الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري أن في رواية ابن جريج والليث عن نافع أن ذلك كان في المسجد، ولم أر ذلك في شيء من الطرق عنهما‏.‏

نعم أخرج البيهقي من طريق حماد بن زيد عن أيوب، ومن طريق عبد الوهاب بن عطاء عن عبد الله بن عون، كلاهما عن نافع عن ابن عمر ‏"‏ نادى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب بذلك المكان ‏"‏ وأشار نافع إلى مقدم المسجد فذكر الحديث، وظهر أن ذلك كان بالمدينة، ووقع في حديث ابن عباس الآتي في أواخر الحج أنه صلى الله عليه وسلم خطب بذلك في عرفات فيحمل على التعدد، ويؤيده أن حديث ابن عمر أجاب به السائل‏.‏

وحديث ابن عباس ابتدأ به في الخطبة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما يلبس المحرم من الثياب‏؟‏ قال‏:‏ لا يلبس القمص إلخ‏)‏ قال النووي قال العلماء هذا الجواب من بديع الكلام وجزله لأن ما لا يلبس منحصر فحصل التصريح به، وأما الملبوس الجائز فغير منحصر فقال‏:‏ لا يلبس كذا أي ويلبس ما سواه انتهى‏.‏

وقال البيضاوي‏:‏ سئل عما يلبس فأجاب بما لا يلبس ليدل بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز، وإنما عدل عن الجواب لأنه أخصر وأحصر، وفيه إشارة إلى أن حق السؤال أن يكون عما لا يلبس لأنه الحكم العارض في الإحرام المحتاج لبيانه، إذ الجواز ثابت بالأصل معلوم بالاستصحاب فكان الأليق السؤال عما لا يلبس‏.‏

وقال غيره‏:‏ هذا يشبه أسلوب الحكيم، ويقرب منه قوله تعالى ‏(‏يسألونك ماذا ينفقون، قل ما أنفقتم من خير فللوالدين‏)‏ الآية، فعدل عن جنس المنفق وهو المسئول عنه إلى ذكر المنفق عليه لأنه أهم‏.‏

وقال ابن دقيق العيد‏:‏ يستفاد منه أن المعتبر في الجواب ما يحصل منه المقصود كيف كان ولو بتغيير أو زيادة ولا تشترط المطابقة انتهى‏.‏

وهذا كله بناء على سياق هذه الرواية وهي المشهورة عن نافع، وقد رواه أبو عوانة من طريق ابن جريج عن نافع بلفظ ‏"‏ ما يترك المحرم ‏"‏ وهي شاذة والاختلاف فيها على ابن جريج لا على نافع، ورواه سالم عن ابن عمر بلفظ ‏"‏ أن رجلا قال‏:‏ ما يجتنب المحرم من الثياب ‏"‏ أخرجه أحمد وابن خزيمة وأبو عوانة في صحيحيهما من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عنه، وأخرجه أحمد عن ابن عيينة عن الزهري فقال مرة ‏"‏ ما يترك ‏"‏ ومرة ‏"‏ ما يلبس‏"‏، وأخرجه المصنف في أواخر الحج من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري بلفظ نافع، فالاختلاف فيه على الزهري يشعر بأن بعضهم رواه بالمعنى فاستقامت رواية نافع لعدم الاختلاف فيها، واتجه البحث المتقدم‏.‏

وطعن بعضهم في قول من قال من الشراح أن هذا من أسلوب الحكيم بأنه كان يمكن الجواب بما يحصر أنواع ما لا يلبس كأن يقال ما ليس بمخيط ولا على قدر البدن كالقميص أو بعضه كالسراويل أو الخف ولا يستر الرأس أصلا ولا يلبس ما مسه طيب كالورس والزعفران، ولعل المراد من الجواب المذكور ذكر المهم وهو ما يحرم لبسه ويوجب الفدية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏المحرم‏)‏ أجمعوا على أن المراد به هنا الرجل، ولا يلتحق به المرأة في ذلك قال ابن المنذر‏:‏ أجمعوا على أن للمرأة لبس جميع ما ذكر، وإنما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسه الزعفران أو الورس، ويؤيده قوله في آخر حديث الليث الآتي في آخر الحج ‏"‏ لا تنتقب المرأة ‏"‏ كما سيأتي البحث فيه، وقوله ‏"‏لا تلبس ‏"‏ بالرفع على الخبر وهو في معنى النهي، وروي بالجزم على أنه نهي، قال عياض‏:‏ أجمع المسلمون على أن ما ذكر في هذا الحديث لا يلبسه المحرم، وأنه نبه بالقميص والسراويل على كل مخيط، وبالعمائم والبرانس على كل ما يغطى الرأس به مخيطا أو غيره، وبالخفاف على كل ما يستر الرجل انتهى‏.‏

وخص ابن دقيق العيد الإجماع الثاني بأهل القياس وهو واضح، والمراد بتحريم المخيط ما يلبس على الموضع الذي جعل له ولو في بعض البدن فأما لو ارتدى بالقميص مثلا فلا بأس‏.‏

وقال الخطابي‏:‏ ذكر العمامة والبرنس معا ليدل على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بالمعتاد ولا بالنادر، قال‏:‏ ومن النادر المكتل يحمله على رأسه‏.‏

قلت‏:‏ إن أراد أنه يجعله على رأسه كلابس القبع صح ما قال، وإلا فمجرد وضعه على رأسه على هيئة الحامل لحاجته لا يضر على مذهبه‏.‏

ومما لا يضر أيضا الانغماس في الماء فإنه لا يسمى لابسا، وكذا ستر الرأس باليد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إلا أحد‏)‏ قال ابن المنير في الحاشية‏:‏ يستفاد منه جواز استعمال أحد في الإثبات خلافا لمن خصه بضرورة الشعر، قال‏:‏ والذي يظهر لي بالاستقراء أنه لا يستعمل في الإثبات إلا إن كان يعقبه نفي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا يجد نعلين‏)‏ زاد معمر في روايته عن الزهري عن سالم في هذا الموضع زيادة حسنة تفيد ارتباط ذكر النعلين بما سبق وهي قوله ‏"‏ وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين، فإن لم يجد نعلين فليلبس الخفين ‏"‏ واستدل بقوله ‏"‏ فإن لم يجد ‏"‏ على أن واجد النعلين لا يلبس الخفين المقطوعين وهو قول الجمهور، وعن بعض الشافعية جوازه وكذا عند الحنفية‏.‏

وقال ابن العربي‏:‏ إن صارا كالنعلين جاز وإلا متى سترا من ظاهر الرجل شيئا لم يجز إلا للفاقد، والمراد بعدم الوجدان أن لا يقدر على تحصيله إما لفقده أو ترك بذل المالك له وعجزه عن الثمن إن وجد من يبيعه أو الأجرة، ولو بيع بغبن لم يلزمه شراؤه أو وهب له لم يجب قبوله إلا إن أعير له‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فليلبس‏)‏ ظاهر الأمر للوجوب، لكنه لما شرع للتسهيل لم يناسب التثقيل وإنما هو للرخصة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وليقطعهما أسفل من الكعبين‏)‏ في رواية ابن أبي ذئب الماضية في آخر كتاب العلم ‏"‏ حتى يكونا تحت الكعبين ‏"‏ والمراد كشف الكعبين في الإحرام وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم، ومؤيده ما روى ابن أبي شيبة عن جرير عن هشام بن عروة عن أبيه قال إذا اضطر المحرم إلى الخفين خرق ظهورهما وترك فيهما قدر ما يستمسك رجلاه‏.‏

وقال محمد بن الحسن ومن تبعه من الحنفية‏:‏ الكعب هنا هو العظم الذي في وسط القدم عند معقد الشراك، وقيل إن ذلك لا يعرف عند أهل اللغة، وقيل إنه لا يثبت عن محمد إن السبب في نقله عنه أن هشام بن عبيد الله الرازي سمعه يقول في مسألة المحرم إذا لم يجد النعلين حيث يقطع خفيه فأشار محمد بيده إلى موضع القطع، ونقله هشام إلى غسل الرجلين في الطهارة، وبهذا يتعقب على من نقل عن أبي حنيفة كابن بطال أنه قال‏:‏ إن الكعب هو الشاخص في ظهر القدم، فإنه لا يلزم من نقل ذلك عن محمد بن الحسن - على تقدير صحته عنه - أن يكون قول أبي حنيفة‏.‏

ونقل عن الأصمعي وهو قول الإمامية أن الكعب عظم مستدير تحت عظم الساق حيث مفصل الساق والقدم، وجمهور أهل اللغة على أن في كل قدم كعبين، وظاهر الحديث أنه لا فدية على من لبسهما إذا لم يجد النعلين، وعن الحنفية تجب، وتعقب بأنها لو وجبت لبينها النبي صلى الله عليه وسلم لأنه وقت الحاجة‏.‏

واستدل به على اشتراط القطع، خلافا للمشهور عن أحمد فإنه أجاز لبس الخفين من غير قطع لإطلاق حديث ابن عباس الآتي في أواخر الحج بلفظ ‏"‏ ومن لم يحد نعلين فليلبس خفين ‏"‏ وتعقب بأنه موافق على قاعدة حمل المطلق على المقيد فينبغي أن يقول بها هنا، وأجاب الحنابلة بأشياء‏:‏ منها دعوى النسخ في حديث ابن عمر، فقد روى الدارقطني من طريق عمرو بن دينار أنه روى عن ابن عمر حديثه وعن جابر بن زيد عن ابن عباس حديثه وقال‏:‏ انظروا أي الحديثين قبل، ثم حكى الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري أنه قال‏:‏ حديث ابن عمر قبل لأنه كان بالمدينة قبل الإحرام، وحديث ابن عباس بعرفات‏.‏

وأجاب الشافعي عن هذا في ‏"‏ الأم ‏"‏ فقال‏:‏ كلاهما صادق حافظ، وزيادة ابن عمر لا تخالف ابن عباس لاحتمال أن تكون عزبت عنه أو شك أو قالها فلم يقلها عنه بعض رواته انتهى‏.‏

وسلك بعضهم الترجيح بين الحديثين، قال ابن الجوزي‏:‏ حديث ابن عمر اختلف في وقفه ورفعه، وحديث ابن عباس لم يختلف في رفعه انتهى‏.‏

وهو تعليل مردود بل لم يختلف على ابن عمر في رفع الأمر بالقطع إلا في رواية شاذة، على أنه اختلف في حديث ابن عباس أيضا فرواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفا، وهو يرتاب أحد من المحدثين أن حديث ابن عمر أصح من حديث ابن عباس لأن حديث ابن عمر جاء بإسناد وصف بكونه أصح الأسانيد، واتفق عليه عن ابن عمر غير واحد من الحفاظ منهم نافع وسالم، بخلاف حديث ابن عباس فلم يأت مرفوعا إلا من رواية جابر بن زيد عنه حتى قال الأصيلي‏:‏ إنه شيخ بصري لا يعرف كذا قال، وهو معروف موصوف بالفقه عند الأئمة‏.‏

واستدل بعضهم بالقياس على السراويل كما سيأتي البحث فيه في حديث ابن عباس إن شاء الله تعالى، وأجيب بأن القياس مع وجود النص فاسد الاعتبار‏.‏

واحتج بعضهم بقول عطاء‏:‏ إن القطع فساد والله لا يحب الفساد، وأجيب بأن الفساد إنما يكون فيما نهى الشرع عنه لا فيما أذن فيه‏.‏

وقال ابن الجوزي‏:‏ يحمل الأمر بالقطع على الإباحة لا على الاشتراط عملا بالحديثين، ولا يخفى تكلفه‏.‏

قال العلماء‏:‏ والحكمة في منع المحرم من اللباس والطيب البعد عن الترفه، والاتصاف بصفة الخاشع، وليتذكر بالتجرد القدوم على ربه فيكون أقرب إلى مراقبته وامتناعه من ارتكاب المحظورات‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه زعفران أو ورس‏)‏ قيل عدل عن طريقة ما تقدم ذكره إشارة إلى اشتراك الرجال والنساء في ذلك وفيه نظر، بل الظاهر أن نكتة العدول أن الذي يخالطه الزعفران والورس لا يجوز لبسه سواء كان مما يلبسه المحرم أو لا يلبسه‏.‏

والورس بفتح الواو وسكون الراء بعدها مهملة نبت أصفر طيب الريح يصبغ به، قال ابن العربي‏:‏ ليس الورس بطيب، ولكنه نبه به على اجتناب الطيب وما يشبهه في ملاءمة الشم، فيؤخذ منه تحريم أنواع الطيب على المحرم وهو مجمع عليه فيما يقصد به التطيب‏.‏

واستدل بقوله ‏"‏ مسه ‏"‏ على تحريم ما صبغ كله أو بعضه ولو خفيت رائحته‏.‏

قال مالك في الموطأ‏:‏ إنما يكره لبس المصبغات لأنها تنفض‏.‏

وقال الشافعية‏:‏ إذا صار الثوب بحيث لو أصابه الماء لم تفح له رائحة لم يمنع‏.‏

والحجة فيه حديث ابن عباس الآتي في الباب الذي تقدم بلفظ ‏"‏ ولم ينه عن شيء من الثياب إلا المزعفرة التي تردع الجلد ‏"‏ وأما المغسول فقال الجمهور‏:‏ إذا ذهبت الرائحة جاز خلافا لمالك، واستدل لهم بما روى أبو معاوية عن عبيد الله بن عمر عن نافع في هذا الحديث ‏"‏ إلا أن يكون غسيلا ‏"‏ أخرجه يحيي بن عبد الحميد الحماني في مسنده عنه، وروى الطحاوي عن أحمد بن أبي عمران أن يحيي بن معين أنكره على الحماني، فقال له عبد الرحمن بن صالح الأزدي‏:‏ قد كتبته عن أبي معاوية‏.‏

وقام في الحال فأخرج له أصله فكتبه عنه يحيي بن معين انتهى‏.‏

وهي زيادة شاذة لأن أبا معاوية وإن كان متقنا لكن في حديثه عن غير الأعمش مقال، قال أحمد‏:‏ أبو معاوية مضطرب الحديث في عبيد الله ولم يجيء بهذه الزيادة غيره‏.‏

قلت‏:‏ والحماني ضعيف وعبد الرحمن الذي تابعه فيه مقال، واستدل به المهلب على منع استدامة الطيب وفيه نظر، واستنبط من منع لبس الثوب المزعفر منع أكل الطعام الذي فيه الزعفران وهذا قول الشافعية، وعن المالكية خلاف‏.‏

وقال الحنفية لا يحرم لأن المراد اللبس والتطيب والآكل لا يعد متطيبا‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ زاد الثوري في روايته عن أيوب عن نافع في هذا الحديث ‏"‏ ولا القباء ‏"‏ أخرجه عبد الرزاق عنه، ورواه الطبراني من وجه آخر عن الثوري، وأخرجه الدارقطني والبيهقي من طريق حفص بن غياث عن عبيد الله بن عمر عن نافع أيضا‏.‏

والقباء بالقاف والموحدة معروف، ويطلق على كل ثوب مفرج، ومنع لبسه على المحرم متفق عليه، إلا أن أبا حنيفة قال‏:‏ يشترط أن يدخل يديه في كميه لا إذا ألقاه على كتفيه، ووافقه أبو ثور والخرقي من الحنابلة‏.‏

وحكى الماوردي نظيره إن كان كمه ضيقا، فإن كان واسعا فلا‏.‏

*3*باب الرُّكُوبِ وَالِارْتِدَافِ فِي الْحَجِّ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب الركوب والارتداف في الحج‏)‏ أورد فيه حديث ابن عباس في إردافه صلى الله عليه وسلم أسامة ثم الفضل، وسيأتي الكلام عليه في ‏"‏ باب التلبية والتكبير غداة النحر ‏"‏ والقصة وإن كانت وردت في حالة الدفع من عرفات إلى منى لكن يلحق بها ما تضمنته الترجمة في جميع حالات الحج، قال ابن المنير‏:‏ والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم قصد بإردافه من ذكر ليحدث عنه بما يتفق له في تلك الحال من التشريع‏.‏