فصل: باب وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاري **


*3*باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ارْكُضْ اضْرِبْ يَرْكُضُونَ يَعْدُونَ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب قول الله تعالى‏:‏ ‏(‏وأيوب إذ نادى ربه‏)‏ الآية‏)‏ يقال هو أيوب بن ساري بن رغوال بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم، وقيل‏:‏ اسم أبيه موص والباقي سواء، وقيل‏:‏ موص بن رزاح بن عيص، وقيل‏:‏ أيوب بن رزاح بن موص بن عيصو، ومنهم من زاد بين موص وعيص ليقرن، وزعم بعض المتأخرين أنه من ذرية روم بن عيص ولا يثبت ذلك، وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط عليه السلام وأن أباه كان ممن آمن بإبراهيم وعلى هذا فكان قبل موسى‏.‏

وقال ابن إسحاق‏:‏ الصحيح أنه كان من بني إسرائيل ولم يصح في نسبة شيء إلا أن اسم أبيه امص والله أعلم‏.‏

وقال الطبري‏:‏ كان بعد شعيب‏.‏

وقال ابن أبي خيثمة‏:‏ كان بعد سليمان، وكان عيصو تزوج بشمت بنت عمه إسماعيل فرزق منها رغوال وهو بغين معجمة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏اركض اصرب، يركضون يعدون‏)‏ روى ابن جرير من طريق شعبة عن قتادة في قوله‏:‏ ‏(‏اركض برجلك‏)‏ قال‏:‏ ضرب برجله الأرض فإذا عينان تنبعان فشرب من إحداهما واغتسل من الأخرى‏.‏

وقال الفراء في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏إذا هم منها يركضون‏)‏ أي يهربون‏.‏

وأخرج الطبري من طريق مجاهد في قوله‏:‏ ‏(‏لا تركضوا‏)‏ أي لا تفروا‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلَ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ فَنَادَاهُ رَبُّهُ يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى قَالَ بَلَى يَا رَبِّ وَلَكِنْ لَا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏بينا أيوب‏)‏ أصل ‏"‏ بينا ‏"‏ بين أشبعت الفتحة، ويغتسل خبر المبتدأ والجملة في محل الجر بإضافة بين إليه والعامل ‏"‏ خر عليه ‏"‏ أو هو مقدر وخر مفسر له، ووقع عند أحمد وابن حبان من طريق بشير بن نهيك عن أبي هريرة ‏"‏ لما عافى الله أيوب أمطر عليه جرادا من ذهب‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عريانا‏)‏ تقدم القول فيه في كتاب الغسل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏خر عليه‏)‏ أي سقط عليه، وقوله‏:‏ ‏(‏رجل جراد‏)‏ أي جماعة جراد، والجراد اسم جمع واحده جرادة كتمر وتمرة، وحكى ابن سيده أنه يقال للذكر جراد وللأنثى جرادة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يحثي‏)‏ بالمثلثة أي يأخذ بيديه جميعا‏.‏

وفي رواية بشير بن نهيك ‏"‏ يلتقط‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في ثوبه‏)‏ في حديث ابن عباس عند ابن أبي حاتم ‏"‏ فجعل أيوب ينشر طرف ثوبه فيأخذ الجراد فيجعله فيه فكلما امتلأت ناحية نشر ناحية‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فناداه ربه‏)‏ يحتمل أن يكون بواسطة أو بإلهام، ويحتمل أن يكون بغير واسطة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال بلى‏)‏ أي أغنيتني‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولكن لا غنى لي‏)‏ بالقصر بغير تنوين وخبر لا قوله لي أو قوله عن بركتك‏.‏

وفي رواية بشير بن نهيك ‏"‏ فقال ومن يشبع من رحمتك ‏"‏ أو قال‏:‏ ‏"‏ من فضلك‏"‏‏.‏

وفي الحديث جواز الحرص على الاستكثار من الحلال في حق من وثق من نفسه بالشكر عليه، وفيه تسمية المال الذي يكون من هذه الجهة بركة، وفيه فضل الغني الشاكر، وسيأتي بقية مباحث هذه الخصلة الأخيرة في الرقاق إن شاء الله تعالى‏.‏

واستنبط منه الخطابي جواز أخذ النثار في الأملاك، وتعقبه ابن التين فقال‏:‏ هو شيء خص الله به نبيه أيوب، وهو بخلاف النثار فإنه من فعل الآدمي فيكره لما فيه من السرف، ورد عليه بأنه أذن فيه من قبل الشارع إن ثبت الخبر، ويستأنس فيه بهذه القصة والله أعلم‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ لم يثبت عند البخاري في قصة أيوب شيء، فاكتفى بهذا الحديث الذي على شرطه‏.‏

وأصح ما ورد في قصته ما أخرجه ابن أبي حاتم وابن جريج وصححه ابن حبان والحاكم من طريق نافع بن يزيد عن عقيل عن الزهري عن أنس ‏"‏ أن أيوب عليه السلام ابتلي فلبث في بلائه ثلاث عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه فكانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما للآخر‏:‏ لقد أذنب أيوب ذنبا عظيما وإلا لكشف عنه هذا البلاء، فذكره الآخر لأيوب، يعني فحزن ودعا الله حينئذ فخرج لحاجته وأمسكت امرأته بيده فلما فرغ أبطأت عليه، فأوحي الله إليه أن اركض برجلك، فضرب برجله الأرض فنبعت عين فاغتسل منها فرجع صحيحا، فجاءت امرأته فلم تعرفه، فسألته عن أيوب فقال‏:‏ إني أنا هو، وكان له أندران‏:‏ أحدهما‏:‏ للقمح والآخر‏:‏ للشعير، فبعث الله له سحابة فأفرغت في أندر القمح الذهب حتى فاض، وفي أندر الشعير الفضة حتى فاض‏"‏‏.‏

وروى ابن أبي حاتم نحوه من حديث ابن عباس وفيه ‏"‏ فكساه الله حلة من حلل الجنة، فجاءت امرأته فلم تعرفه فقالت‏:‏ يا عبد الله هل أبصرت المبتلى الذي كان هنا، فلعل الذئاب ذهبت به‏؟‏ فقال‏:‏ ويحك أنا هو ‏"‏ وروى ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عبيد بن عمير نحو حديث أنس، وفي أخره ‏"‏ قال فسجد وقال‏:‏ وعزتك لا أرفع رأسي حتى تكشف عني فكشف عنه ‏"‏ وعن الضحاك عن ابن عباس ‏"‏ رد الله على امرأته شبابها حتى ولدت له ستة وعشرين ولدا ذكرا ‏"‏ وذكر وهب بن منبه ومحمد بن إسحاق في ‏"‏ المبتدأ ‏"‏ قصة مطولة جدا وحاصلها أنه كان بحوران، وكان له البثنية سهلها وجبلها، وله أهل ومال كثير وولد، فسلب ذلك كله شيئا فشيئا وهو يصبر ويحتسب، ثم ابتلي في جسده بأنواع من البلاء حتى ألقي خارجا من البلد، فرفضه الناس إلا امرأته، فبلغ من أمرها أنها كانت تخدم بالأجرة وتطعمه إلى أن تجنبها الناس خشية العدوى فباعت إحدى ضفيرتها من بعض بنات الأشراف وكانت طويلة حسنة فاشترت له به طعاما طيبا، فلما أحضرته له حلف أن لا يأكله حتى تخبره من أين لها ذلك، فكشفت عن رأسها، فاشتد حزنه وقال حينئذ‏:‏ ‏(‏رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين‏)‏ فعافاه الله تعالى، وروى ابن أبي حاتم عن مجاهد أن أيوب أول من أصابه الجدري‏.‏

ومن طريق الحسن أن إبليس أتى امرأته فقال لها‏:‏ إن أكل أيوب ولم يسم عوفي فعرضت ذلك على أيوب فحلف ليضربنها مائة، فلما‏)‏ عوفي أمره الله أن يأخذ عرجونا فيه مائة شمراخ فضربها ضربة واحدة، وقيل‏:‏ بل قعد إبليس على الطريق في صورة طبيب فقال لها‏:‏ إذا داويته فقال أنت شفيتني قنعت بذلك، فعرضت ذلك عليه فغضب وكان ما كان‏.‏

وذكر الطبري أن اسمها ليا بنت يعقوب، وقيل‏:‏ رحمة بنت يوسف بن يعقوب، وقيل‏:‏ بنت إفرائيم أو ميشا بن بوسف، وأفاد ابن خالويه أنه يقال لها أم زيد واختلف في مدة بلائه فقيل ثلاث عشرة سنة كما تقدم، وقيل ثلاث سنين وهذا قول وهب، وقيل‏:‏ سبع سنين وهو عن الحسن وقتادة، وقيل‏:‏ إن امرأته قالت له‏:‏ ألا تدعو الله ليعافيك فقال‏:‏ قد عشت صحيحا سبعين سنة أفلا أصبر سبع سنين‏؟‏ والصحيح ما تقدم أنه لبث في بلائه ثلاث عشرة سنة‏.‏

وروى الطبري أن مدة عمره كانت ثلاثا وتسعين سنة فعلى هذا فيكون عاش بعد أن عوفي عشر سنين، والله أعلم‏.‏

*3*باب وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا

وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا كَلَّمَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا يُقَالُ لِلْوَاحِدِ وَللْاثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ نَجِيٌّ وَيُقَالُ خَلَصُوا نَجِيًّا اعْتَزَلُوا نَجِيًّا وَالْجَمِيعُ أَنْجِيَةٌ يَتَنَاجَوْنَ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا - إلى قوله - نجيا‏)‏ في رواية أبي ذر ‏"‏ قول الله واذكر إلخ ‏"‏ وليس فيه ‏"‏ باب ‏"‏ وساق في رواية كريمة إلى قوله‏:‏ ‏(‏أخاه هارون نبيا‏)‏ ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يقال للواحد والاثنين‏)‏ زاد الكشميهني‏:‏ والجمع نجي ‏(‏ويقال خلصوا اعتزلوا نجيا والجمع أنجية، يتناجون‏)‏ قال أبو عبيدة في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏خلصوا نجيا‏)‏ ‏:‏ أي اعتزلوا نجيا يتناجون، والنجي يقع لفظه على الواحد والجمع أيضا‏.‏

وقد يجمع فيقال نجي وأنجية، قال لبيد‏:‏ وشهدت أنجية الإفاقة عاليا كعبي، وأرداف الملوك شهود وموسى هو ابن عمران بن لاهب بن عازر بن لاوي بن يعقوب عليه السلام لا اختلاف في نسبه، ذكر السدي في تفسيره بأسانيده أن بدء أمر موسى أن فرعون رأى كأن نارا أقبلت من بيت المقدس فأحرقت دور مصر وجميع القبط إلا دور بني إسرائيل، فلما استيقظ جمع الكهنة والسحرة فقالوا‏:‏ هذا غلام يولد من هؤلاء يكون خراب مصر على يده، فأمر بقتل الغلمان، فلما ولد موسى أوحي الله إلى أمه أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم، قالوا فكانت ترضعه، فإذا خافت عليه جعلته في تابوت وألقته في البحر وجعلت الحبل عندها، فنسيت الحبل يوما فجرى به النيل حتى وقف على باب فرعون فالتقطه الجواري فأحضروه عند امرأته، ففتحت التابوت فرأته فأعجبها، فاستوهبته من فرعون فوهبه لها، فربته حتى كان من أمره ما كان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏تلقف تلقم‏)‏ هو تفسير أبي عبيدة قاله في سورة الأعراف‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ سَمِعْتُ عُرْوَةَ قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَرَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَدِيجَةَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ فَانْطَلَقَتْ بِهِ إِلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وَكَانَ رَجُلًا تَنَصَّرَ يَقْرَأُ الْإِنْجِيلَ بِالْعَرَبِيَّةِ فَقَالَ وَرَقَةُ مَاذَا تَرَى فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى وَإِنْ أَدْرَكَنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا النَّامُوسُ صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي يُطْلِعُهُ بِمَا يَسْتُرُهُ عَنْ غَيْرِهِ

الشرح‏:‏

أورد المصنف طرفا من حديث بدء الوحي، وقد تقدم شرحه بتمامه في أول الكتاب، والغرض منه قوله‏:‏ ‏"‏ الناموس الذي أنزل على موسى‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الناموس صاحب السر الذي يطلعه بما يستره عن غيره‏)‏ هو قول المصنف، وقد تقدم قول من خصه بسر الخير‏.‏

*3*باب قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأَى نَاراً

إِلَى قَوْلِهِ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى آنَسْتُ أَبْصَرْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ الْآيَةَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْمُقَدَّسُ الْمُبَارَكُ طُوًى اسْمُ الْوَادِي سِيرَتَهَا حَالَتَهَا وَ النُّهَى التُّقَى بِمَلْكِنَا بِأَمْرِنَا هَوَى شَقِيَ فَارِغًا إِلَّا مِنْ ذِكْرِ مُوسَى رِدْءاً كَيْ يُصَدِّقَنِي وَيُقَالُ مُغِيثًا أَوْ مُعِينًا يَبْطُشُ وَ يَبْطِشُ يَأْتَمِرُونَ يَتَشَاوَرُونَ وَالْجِذْوَةُ قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ مِنْ الْخَشَبِ لَيْسَ فِيهَا لَهَبٌ سَنَشُدُّ سَنُعِينُكَ كُلَّمَا عَزَّزْتَ شَيْئًا فَقَدْ جَعَلْتَ لَهُ عَضُدًا وَقَالَ غَيْرُهُ كُلَّمَا لَمْ يَنْطِقْ بِحَرْفٍ أَوْ فِيهِ تَمْتَمَةٌ أَوْ فَأْفَأَةٌ فَهِيَ عُقْدَةٌ أَزْرِي ظَهْرِي فَيُسْحِتَكُمْ فَيُهْلِكَكُمْ الْمُثْلَى تَأْنِيثُ الْأَمْثَلِ يَقُولُ بِدِينِكُمْ يُقَالُ خُذْ الْمُثْلَى خُذْ الْأَمْثَلَ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا يُقَالُ هَلْ أَتَيْتَ الصَّفَّ الْيَوْمَ يَعْنِي الْمُصَلَّى الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ فَأَوْجَسَ أَضْمَرَ خَوْفًا فَذَهَبَتْ الْوَاوُ مِنْ خِيفَةً لِكَسْرَةِ الْخَاءِ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ عَلَى جُذُوعِ خَطْبُكَ بَالُكَ مِسَاسَ مَصْدَرُ مَاسَّهُ مِسَاسًا لَنَنْسِفَنَّهُ لَنُذْرِيَنَّهُ الضَّحَاءُ الْحَرُّ قُصِّيهِ اتَّبِعِي أَثَرَهُ وَقَدْ يَكُونُ أَنْ تَقُصَّ الْكَلَامَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ عَنْ جُنُبٍ عَنْ بُعْدٍ وَعَنْ جَنَابَةٍ وَعَنْ اجْتِنَابٍ وَاحِدٌ قَالَ مُجَاهِدٌ عَلَى قَدَرٍ مَوْعِدٌ لَا تَنِيَا لَا تَضْعُفَا يَبَسًا يَابِسَا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ الْحُلِيِّ الَّذِي اسْتَعَارُوا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ فَقَذَفْتُهَا أَلْقَيْتَهَا أَلْقَى صَنَعَ فَنَسِيَ مُوسَى هُمْ يَقُولُونَهُ أَخْطَأَ الرَّبَّ أَنْ لَا يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ قَوْلًا فِي الْعِجْلِ

الشرح‏:‏

‏(‏باب قول الله عز وجل‏:‏ وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نارا - إلى قوله - بالوادي المقدس طوى‏)‏ سقط لفظ ‏"‏ باب ‏"‏ عند أبي ذر وكريمة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏آنست أبصرت‏)‏ قال أبو عبيدة في قوله‏:‏ ‏(‏آنس من جانب الطور نارا‏)‏ أي أبصر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال ابن عباس‏:‏ المقدس المبارك، طوى اسم الوادي‏)‏ هكذا وقع هذا التفسير وما بعده في رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني خاصة ولم يذكره جميع رواة البخاري هنا، وإنما ذكروا بعضه في تفسير سورة طه، وها أنا أشرحه هنا وأبين إذا أعيد في تفسير طه إن شاء الله تعالى ما سبق منه هنا‏.‏

وقول ابن عباس هذا وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس به، وروى هو والطبري من وجه آخر عن ابن عباس أنه سمي ‏"‏ طوى ‏"‏ لأن موسى طواه ليلا قال الطبري‏:‏ فعلى هذا فالمعنى إنك بالوادي المقدم طويته وهو مصدر أخرج من غير لفظه كأنه قال‏:‏ طويت الوادي المقدس طوى‏.‏

وعن سعيد بن جبير قال‏:‏ قيل له طوى أي طأ الأرض حافيا، وروى الطبري عن مجاهد مثله، وعن عكرمة أي طأ الوادي، ومن وجه آخر عن ابن عباس كذلك، وروى ابن أبي حاتم من طريق مبشر بن عبيد والطبري من طريق الحسن قال‏:‏ قيل له طوى لأنه قدس مرتين‏.‏

وقال الطبري‏:‏ قال آخرون معنى قوله طوى أي ثنى، أي ناداه ربه مرتين إنك بالوادي المقدس، وأنشد لذلك شاهدا قول عدي بن زيد‏:‏ أعاذل أن اللوم في غير حينه علي طوى من غيك المتردد وقال أبو عبيدة‏:‏ طوى يكسر أوله قوم، كقول الشاعر‏:‏ وإن كان حيانا عدي آخر الدهر قال‏:‏ ومن جعل طوى اسم أرض لم ينونه، ومن جعله اسم الوادي صرفه، ومن جعله بمعنى نودي مرتين صرفه تقول‏:‏ ناديته ثنى وطوى أي مرة بعد مرة، وأنشد البيت المذكور‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏سيرتها حالتها‏)‏ وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏سنعيدها سيرتها الأولى‏)‏ يقول حالتها الأولى، ورواه ابن جرير كذلك‏.‏

ومن طريق مجاهد وقتادة سيرتها هيئتها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والنهى التقى‏)‏ وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهي‏)‏ قال‏:‏ لأولي التقى‏.‏

ومن طريق سعيد عن قتادة ‏"‏ لأولي النهي‏:‏ لأولي الورع ‏"‏ قال الطبري خص أولي النهي لأنهم أهل التفكر والاعتبار‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بملكنا بأمرنا‏)‏ وصله ابن أبي حاتم والطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏(‏ما أخلفنا موعدك بملكنا‏)‏ يقوله‏:‏ بأمرنا، ومن طريق سعيد عن قتادة ‏"‏ بملكنا أي بطاقتنا ‏"‏ وكذا قال السدي؛ ومن طريق ابن زيد بهوانا‏.‏

واختلف أهل القراءة في ميم ملكنا فقرءوا بالضم وبالفتح وبالكسر، ويمكن تخريج هذه التأويلات على هذه القراءات‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هوى شقي‏)‏ وصله ابن أبي حاتم من الطريق المذكورة في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى‏)‏ قال‏:‏ يعني شقي‏.‏

وكذا أخرجه الطبري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فارغا إلا من ذكر موسى‏)‏ وصله سعيد بن عبد الرحمن المخزومي في تفسير ابن عيينة من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وأصبح فؤاد أم موسى فارغا‏)‏ قال‏:‏ من كل إلا من ذكر موسى‏.‏

وأخرج الطبري من طريق سعيد بن حبير عن ابن عباس نحوه، ومن طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ‏"‏ فارغا لا تذكر إلا موسى ‏"‏ ومن طريق مجاهد وقتادة نحوه ومن طريق الحسن البصري ‏"‏ أصبح فارغا من العهد الذي عهد إليها أنه سيرد عليها ‏"‏ وقال أبو عبيدة في قوله فارغا‏:‏ أي من الحزن لعلمها أنه لم يغرق‏.‏

ورد ذلك الطبري وقال‏:‏ إنه مخالف لجميع أقوال أهل التأويل‏.‏

وأم موسى اسمها بادونا وقيل‏:‏ أباذخت ويقال يوحاند‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ردءا كي يصدقني‏)‏ وصله ابن أبي حاتم من الطريق المذكورة قبل، وروى الطبري من طريق السدي قال‏:‏ كيما يصدقني، ومن طريق مجاهد وقتادة ردءا أي عونا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ويقال مغيثا أو معينا‏)‏ يعني بالمعجمة والمثلثة وبالمهملة والنون؛ قال أبو عبيدة في قوله ردءا يصدقني‏:‏ أي معينا، يقال فيه أردأت فلانا على عدوه أي أكنفته وأعنته، أي صرت له كنفا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يبطش ويبطش‏)‏ يعني بكسر الطاء وبضمها، قال أبو عبيدة في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏(‏فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدولهما‏)‏ بالطاء مكسورة ومضمومة لغتان‏.‏

قلت‏:‏ الكسر القراءة المشهورة هنا‏.‏

وفي قوله تعالى‏:‏ ‏(‏يوم يبطش البطشة الكبرى‏)‏ والضم قراءة ابن جعفر، ورويت عن الحسن أيضا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يأتمرون يتشاورون‏)‏ قال أبو عبيدة في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك‏)‏ ‏:‏ أي يهمون بك ويتآمرون ويتشاورون انتهى‏.‏

وهي بمعنى يتآمرون، ومنه قول الشاعر‏:‏ أرى الناس قد أحدثوا شيمة وفي كل حادثة يؤتمر وقال ابن قتيبة‏:‏ معناه يأمر بعضهم بعضا كقوله‏:‏ ‏(‏وائتمروا بينكم بمعروف‏)‏ ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والجذوة قطعة غليظة من الخشب ليس لها لهب‏)‏ قال أبو عبيدة في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏أو جذوة من النار‏)‏ ‏:‏ أي قطعة غليظة من الحطب ليس فيها لهب، قال الشاعر‏:‏ باتت حواطب ليلى يلتمسن لها جزل الجذا غير خوار ولا دعر والجذوة مثلثة الجيم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏سنشد سنعينك، كلما عززت شيئا فقد جعلت له عضدا‏)‏ وقال أبو عبيدة في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏سنشد عضدك بأخيك‏)‏ ‏:‏ أي سنقويك به ونعينك، تقول شد فلان عضد فلان إذا أعانه، وهو من عاضدته على أمره أي عاونته‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال غيره كلما لم ينطق بحرف أو فيه تمتمة أو فأفأة فهي عقدة‏)‏ هو قول أبي عبيدة، قال في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏واحلل عقدة من لساني‏)‏ ‏:‏ العقدة في اللسان ما لم ينطق بحرف أو كانت فيه مسكة من تمتمة أو فأفأة‏.‏

وروى الطبري من طريق السدي قال‏:‏ لما تحرك موسى أخذته آسية امرأة فرعون ترقصه ثم ناولته لفرعون، فأخذ موسى بلحيته فنتفها، فاستدعى فرعون الذباحين، فقالت آسية إنه صبي لا يعقل، فوضعت له جمرا وياقوتا وقالت إن أخذ الياقوت فاذبحه وإن أخذ الجمرة فاعرف أنه لا يعقل، فجاء جبريل فطرح في يده جمرة فطرحها في فيه فاحترق لسانه فصارت في لسانه عقدة من يومئذ‏.‏

ومن طريق مجاهد وسعيد بن جبير نحو ذلك، التمتمة هي التردد في النطق بالمثناة الفوقانية، والفأفأة بالهمزة التردد في النطق بالفاء‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أزري ظهري‏)‏ قال أبو عبيدة في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏اشدد به أزري‏)‏ ‏:‏ أي ظهري، ويقال‏:‏ قد أزرني أي كان لي ظهرا ومعينا‏.‏

وأورد بإسناد لين عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏(‏اشدد به أزري‏)‏ قال‏:‏ ظهري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فيسحتكم‏:‏ فيهلككم‏)‏ وصله الطبري عن طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وهو قول أبي عبيدة قال‏:‏ وتقول سحته وأسحته بمعنى، قال الطبري سحت أكثر من أسحت‏.‏

وروى من طريق قتادة في قوله‏:‏ ‏(‏فيسحتكم‏)‏ أي يستأصلكم، والخطاب للسحرة، ويقال إن اسم رؤسائهم غادون وسانور وخطخط والمصفا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏المثلى تأنيث الأمثل يقول بدينكم‏.‏

يقال خذ المثلى خذ الأمثل‏)‏ قال أبو عبيدة في قوله‏:‏ ‏(‏بطريقتكم‏)‏ أي بسنتكم ودينكم وما أنتم عليه، والمثلى تأنيث الأمثل يقال خذ المثلى منهما للأنثيين، وخذ الأمثل منهما إذا كان ذكرا، والمراد بالمثلي الفضلى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ثم ائتوا صفا، يقال هل أتيت الصف اليوم يعني المصلى الذي يصلي فيه‏)‏ قال أبو عبيدة في قوله‏:‏ ‏(‏ثم ائتوا صفا‏)‏ أي صفوفا، وله معنى آخر من قولهم‏:‏ هل أتيت الصف اليوم‏؟‏ أي المصلى الذي يصلي فيه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فأوجس‏:‏ أضمر خوفا فذهبت الواو من خيفة لكسرة الخاء‏)‏ قال أبو عبيدة في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏فأوجس منهم خيفة‏)‏ أي فأضمر منهم خيفة أي خوفا، فذهبت الواو فصارت ياء من أجل كسرة الخاء‏.‏

قال الكرماني‏:‏ مثل هذا الكلام لا يليق بجلالة هذا الكتاب أن يذكر فيه انتهى‏.‏

وكأنه رأى فيه ما يخالف اصطلاح المتأخرين من أهل علم التصريف فقال ذلك حيث قالوا في مثل هذا أصل خيفة خوفة فقلبت الواو ياء لكونها بعد كسرة، وما عرف أنه كلام أحد الرءوس العلماء باللسان العربي وهو أبو عبيدة معمر بن المثنى البصري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في جذوع النخل‏:‏ على جذوع‏)‏ هو قول أبي عبيدة، واستشهد بقول الشاعر هم صلبوا العبدي في جذع نخلة وقال‏:‏ إنما جاء على موضع في إشارة لبيان شدة التمكن في الظرفية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏خطبك بالك‏)‏ قال أبو عبيدة في قوله‏:‏ ‏(‏قال فما خطبك‏)‏ أي ما بالك وشأنك‏؟‏ قال‏:‏ الشاعر يا عجبا ما خطبه وخطبي وروى الطبري من طريق السدي في قول الله‏:‏ ‏(‏قال فما خطبك‏)‏ قال‏:‏ مالك يا سامري واسم السامري المذكور يأتي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏مساس مصدر ماسه مساسا‏)‏ قال الفراء‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا مساس‏)‏ أي لا أمس ولا أمس، والمراد أن موسى أمرهم أن لا يؤاكلوه ولا يخالطوه، وقرئ لا مساس بفتح الميم وهي لغة فاشية، واسم السامري موسى بن طفر وكان من قوم يعبدون البقر‏.‏

وقال أبو عبيدة في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏لا مساس‏)‏ ‏:‏ إذا كسرت الميم جاز النصب والرفع والجر بالتنوين، وجاءت هنا منفية ففتحت بغير تنوين، قال النابغة‏:‏ فأصبح من ذاك كالسامري إذ قال موسى له لا مساسا قال‏:‏ والمماسة والمخالطة واحد، قال‏:‏ ومنهم من جعلها اسما فكسر أخرها بغير تنوين، قال الشاعر‏:‏ تميم كرهط السامري وقوله ألا لا مريد السامري مساس أجراها مجرى قطام وحزام‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لننسفنه‏:‏ لنذرينه‏)‏ وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏(‏لننسفنه في اليم نسفا‏)‏ يقول لنذرينه في البحر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الضحاء الحر‏)‏ قال أبو عبيدة في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحي‏)‏ أي لا تعطش ولا تضحى للشمس فتجد الحر، وروى الطبري من طريق علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس‏:‏ لا يصبك فيها عطش ولا حر‏.‏

قلت‏:‏ وهذا الموضع وقع استطرادا، وإلا فلا تعلق له بقصة موسى عليه السلام‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قصيه‏:‏ اتبعي أثره، وقد يكون أن يقص الكلام‏:‏ نحن نقص عليك‏)‏ أما الأول فهو قول مجاهد والسدي وغيرهما أخرجه ابن جرير‏.‏

وقال أبو عبيدة في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وقالت لأخته قصيه‏)‏ أي اتبعي أثره تقول‏:‏ قصصت آثار القوم، وأما الثاني هو من قبل المصنف‏.‏

وأخت موسى اسمها مريم وافقتها في ذلك مريم بنت عمران والدة عيسى عليه السلام‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن جنب‏:‏ عن بعد، وعن جنابة وعن اجتناب واحد‏)‏ روى الطبري من طريق مجاهد في قوله‏:‏ ‏(‏عن جنب‏)‏ قال‏:‏ عن بعد‏.‏

وقال أبو عبيدة في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏فبصرت به عن جنب‏)‏ أي عن بعد وتجنب، ويقال ما تأتينا إلا عن جنابة وعن جنب، قال الشاعر‏:‏ فلا تحرمني نائلا عن جنابة فإني امرؤ وسط القباب غريب وفي حديث القنوت الطويل عن ابن عباس‏:‏ الجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى الشيء البعيد وهو إلى جنبه لم يشعر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال مجاهد‏:‏ على قدر موعد‏)‏ وصله الفرياني من طريق ابن أبي نجيح عنه، روى الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏(‏على قدر يا موسى‏)‏ أي على ميقات‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا تنيا‏:‏ لا تضعفا‏)‏ وصله الفريابي أيضا عن مجاهد، وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏(‏لا تنيا في ذكري‏)‏ قال‏:‏ لا تبطئا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏مكانا سوي‏:‏ منصف بينهم‏)‏ وصله الفريابي أيضا عن مجاهد‏.‏

وقال أبو عبيدة بضم أوله وبكسره كعدي وعدي، والمعنى النصف والوسط‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يبسا يابسا‏)‏ وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏(‏فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا‏)‏ أي يابسا‏.‏

وقال أبو عبيدة في قوله‏:‏ ‏(‏طريقا في البحر يبسا‏)‏ متحرك الحروف وبعضهم يسكن الباء، وتقول شاة يبس بالتحريك أي يابسة ليس لها لبن‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من زينة القوم‏:‏ الحلي الذي استعاروا من آل فرعون‏)‏ وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏(‏ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم‏)‏ أي الحلي الذي استعاروا من آل فرعون، وهي الأثقال أي الأوزار، وروى الطبري من طريق ابن زيد قال‏:‏ الأوزار الأثقال وهي الحلي الذي استعاروه من آل فرعون، وليس المراد بها الذنوب، ومن طريق قتادة قال كان الله وقت لموسى ثلاثين ليلة ثم أتمها بعشر، فلما مضت الثلاثون قال السامري لبني إسرائيل‏:‏ إنما أصابكم الذي أصابكم عقوبة بالحلي الذي كان معكم، وكانوا قد استعاروا ذلك من آل فرعون فساروا وهي معهم فقذفوها إلى السامري فصورها صورة بقرة، وكان قد صر في ثوبه قبضة من أثر فرس جبريل فقذفها مع الحلي في النار فأخرج عجلا يخور‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فقذفتها ألقيتها، ألقى صنع‏)‏ وقع في رواية الكشميهني ‏"‏ فقذفناها ‏"‏ وصله الفرياني من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏فقبضت قبضة من أثر الرسول، فقذفناها‏)‏ قال‏:‏ ألقيناها‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏(‏ألقي السامري‏)‏ أي صنع‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏(‏فنبذتها‏)‏ أي ألقيتها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فنسي موسى، هم يقولونه أخطأ الرب‏)‏ وصله الفريابي عن مجاهد كذلك، وروى الطبري من طريق السدي قال‏:‏ لما خرج العجل فخار قال لهم السامري‏:‏ هذا إلهكم وإله موسى، فنسي أي فنسي موسى وضل، ومن طريق قتادة نحوه قال‏:‏ نسي موسى ربه‏.‏

ومن طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ‏"‏ فنسي ‏"‏ أي السامري نسي ما كان عليه من الإسلام‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إن لا يرجع إليهم قولا في العجل‏)‏ وصله الفريابي عن مجاهد كذلك‏.‏

وقال أبو عبيدة‏:‏ تقدير القراءة بالضم أنه لا يرجع، ومن لم يضم العين نصب بأن‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ لمح المصنف بهذه التفاسير لما جرى لموسى في خروجه إلى مدين، ثم في رجوعه إلى مصر، ثم في أخباره مع فرعون، ثم في غرق فرعون، ثم في ذهابه إلى الطور، ثم في عبادة بني إسرائيل العجل وكأنه لم يثبت عنده في ذلك من المرفوعات ما هو على شرطه، وأصح ما ورد في جميع ذلك ما أخرجه النسائي وأبو يعلى بإسناد حسن عن ابن عباس في حديث القنوت الطويل في قدر ثلاث ورقات، وهو في تفسير طه عنده وعند ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه وغيرهم ممن خرج التفسير المسند‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ فَإِذَا هَارُونُ قَالَ هَذَا هَارُونُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ تَابَعَهُ ثَابِتٌ وَعَبَّادُ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

الشرح‏:‏

ذكر المصنف طرفا من حديث الإسراء من رواية قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة، وسيأتي بتمامه في السيرة النبوية، واقتصر منه هنا على قوله‏:‏ ‏"‏ حتى أتى السماء الخامسة فإذا هارون ‏"‏ الحديث بهذه القصة خاصة، ثم قال‏:‏ تابعه ثابت وعباد بن أبي علي عن أنس، وأراد بذلك أن هذين تابعا قتادة عن أنس في ذكر هارون في السماء الخامسة لا في جميع الحديث، بل ولا في الإسناد، فإن راوية ثابت موصولة في صحيح مسلم من طريق حماد بن سلمة عنه ليس فيها ذكر مالك بن صعصعة، نعم فيها ذكر هارون في السماء الخامسة، وكذلك في رواية عباد بن أبي علي وهو بصري ليس له في البخاري ذكر إلا في هذا الموضع ووافق ثابتا في أنه لم يذكر لأنس فيه شيخا، وقد وافقهما شريك عن أنس في ذلك وفي كون هارون في الخامسة، وسيأتي حديثه في أثناء السيرة النبوية‏.‏

وأما قتادة فقال‏:‏ عن أنس عن مالك بن صعصعة، وأما الزهري فقال‏:‏ عن أنس عن أبي ذر كما مضى في أول الصلاة، ولم يذكر في حديثه هارون أصلا، وإلى هذا أشار المصنف بالمتابعة‏.‏

والله أعلم‏.‏

*3*باب وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ إِلَى قَوْلِهِ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه إلى قوله هو مسرف كذاب‏)‏ كذا وقعت هذه الترجمة بغير حديث، ولعله أخلى بياضا في الأصل فوصل كنظائره، ووقع هذا في رواية النسفي مضموما إلى ما في الباب الذي بعده وهو متجه‏.‏

واختلف في اسم هذا الرجل فقيل هو يوشع بن نون وبه جزم ابن التين وهو بعيد لأن يوشع كان من ذرية يوسف عليه السلام ولم يكن من آل فرعون، وقد قيل إن قوله‏:‏ ‏(‏من آل فرعون‏)‏ متعلق بيكتم إيمانه، والصحيح أن المؤمن المذكور كان من آل فرعون، واستدل لذلك الطبري بأنه لو كان من بني إسرائيل لم يصغ فرعون إلى كلامه ولم يستمع منه‏.‏

وذكر الثعلبي عن السدي ومقاتل أنه ابن عم فرعون، وقيل‏:‏ اسمه شمعان بالشين المعجمة، قال الدار قطني في ‏"‏ المؤتلف ‏"‏‏:‏ لا يعرف شمعان بالشين المعجمة إلا هذا وصححه السهيلي، وعن الطبراني اسمه حيزور وقيل حزقيل برحايا وقيل‏:‏ حربيال قاله وهب بن منبه وقيل‏:‏ حابوت، وعن ابن عباس اسمه حبيب وهو ابن عم فرعون وأخرجه عبد بن حميد، وقيل‏:‏ هو حبيب النجار وهو غلط، وذكر الوزير أبو القاسم المغربي في ‏"‏ أدب الخواص ‏"‏‏:‏ إن اسم صاحب فرعون حوتكة بن سود بن أسلم من قضاعة، وعزاه لرواية أبي هريرة‏.‏

*3*باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب قول الله تعالى‏:‏ وهل أتاك حديث موسى، وكلم الله موسى تكليما‏)‏ ذكر في الباب ثلاثة أحاديث‏:‏ أحدها‏:‏ حديث أبي هريرة في صفة موسى وعيسى وغير ذلك‏.‏

ثانيها‏:‏ حديث ابن عباس في ذلك وفيه ذكر يونس‏.‏

ثالثها‏:‏ حديثه في صوم عاشوراء‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رَأَيْتُ مُوسَى وَإِذَا هُوَ رَجُلٌ ضَرْبٌ رَجِلٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ وَرَأَيْتُ عِيسَى فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا لَبَنٌ وَفِي الْآخَرِ خَمْرٌ فَقَالَ اشْرَبْ أَيَّهُمَا شِئْتَ فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ فَقِيلَ أَخَذْتَ الْفِطْرَةَ أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ

الشرح‏:‏

قوله في حديث أبي هريرة ‏"‏ رأيت موسى إذا هو رجل ضرب ‏"‏ بفتح المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة أي نحيف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏رجل‏)‏ بفتح الراء وكسر الجيم أي دهين الشعر مسترسلة؛ وقال ابن السكن‏:‏ شعر رجل أي غير جعد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كأنه من رجال شنوءة‏)‏ بفتح المعجمة وضم النون وسكون الواو بعدها همزة ثم هاء تأنيث‏:‏ حي من اليمن ينسبون إلى شنوءة وهو عبد الله بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، ولقب شنوءة لشنان كان بينه وبين أهله، والنسبة إليه شنوئي بالهمز بعد الواو وبالهمز بغير واو، قال ابن قتيبة‏:‏ سمي بذلك من قولك رجل فيه شنوءة أي تقزز، والتقزز بقاف وزايين التباعد من الأدناس، قال الداودي رجال الأزد معروفون بالطول انتهى‏.‏

ووقع في حديث ابن عمر عند المصنف بعد ‏"‏ كأنه من رجال الزط ‏"‏ وهم معروفون بالطول والأدمة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ورأيت عيسى‏)‏ سيأتي الكلام على ذلك في ترجمة عيسى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وأنا أشبه ولد إبراهيم به‏)‏ أي الخليل عليه السلام، وزاد مسلم من رواية أبي الزبير عن جابر ‏"‏ ورأيت جبريل فإذا أقرب الناس به شبها دحية‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ثم أتيت بإناءين‏)‏ سيأتي الكلام عليه في حديث الإسراء في السيرة النبوية إن شاء الله تعالى‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ حَدَّثَنَا ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ وَذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ فَقَالَ مُوسَى آدَمُ طُوَالٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ وَقَالَ عِيسَى جَعْدٌ مَرْبُوعٌ وَذَكَرَ مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ وَذَكَرَ الدَّجَّالَ

الشرح‏:‏

قوله في حديث ابن عباس ‏"‏ سمعت أبا العالية ‏"‏ هو الرياحي بكسر الراء وتخفيف التحتانية ثم مهملة واسمه رفيع بالفاء مصغر، وروى عن ابن عباس آخر يقال له أبو العالية وهو البراء بالتشديد نسبة إلى بري السهام، واسمه زياد بن فيروز وقيل غير ذلك، وحديثه عن ابن عباس سبق في تقصير الصلاة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا ينبغي لعبد‏)‏ يأتي الكلام عليه في ترجمة يونس عليه السلام‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وذكر النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ ليلة أسري بي ‏"‏ على الحكاية‏.‏

وهذا الحديث الواحد أفرده أكثر الرواة فجعلوه حديثين‏:‏ أحدهما‏:‏ يتعلق بيونس عليه السلام، والثاني حديث آخر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏"‏ فقال‏:‏ موسى آدم طوال ‏"‏ زعم ابن التين أنه وقع هنا ‏"‏ آدم جسيم طوال ‏"‏ ولم أر لفظ ‏"‏ جسيم ‏"‏ في هذه الرواية‏.‏

وقوله آدم بالمد أي أسمر، وطوال بضم المهملة وتخفيف الواو‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ عَنْ ابْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَهُمْ يَصُومُونَ يَوْمًا يَعْنِي عَاشُورَاءَ فَقَالُوا هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ وَهُوَ يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَأَغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ فَصَامَ مُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ فَقَالَ أَنَا أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ

الشرح‏:‏

حديث ابن عباس في صوم عاشوراء سبق شرحه في كتاب الصيام‏.‏