فصل: باب مَنْ قَادَ دَابَّةَ غَيْرِهِ فِي الْحَرْبِ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاري **


*3*باب مَا يُذْكَرُ مِنْ شُؤْمِ الْفَرَسِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب ما يذكر من شؤم الفرس‏)‏ أي هل هو على عمومه، أو مخصوص ببعض الخيل‏؟‏ وهل هو على ظاهره، أو مؤول‏؟‏ وسيأتي تفصيل ذلك‏.‏

وقد أشار بإيراد حديث سهل بعد حديث ابن عمر إلى أن الحصر الذي في حديث ابن عمر ليس على ظاهره، وبترجمة الباب الذي بعده وهي ‏"‏ الخيل لثلاثة ‏"‏ إلى أن الشؤم مخصوص ببعض الخيل دون بعض وكل ذلك من لطيف نظره ودقيق فكره‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ فِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏أخبرني سالم‏)‏ كذا صرح شعيب عن الزهري بإخبار سالم له، وشذ ابن أبي ذئب فأدخل بين الزهري وسالم محمد بن زبيد بن قنفذ، واقتصر شعيب على سالم وتابعه ابن جريج عن ابن شهاب عند أبي عوانة وكذا عثمان بن عمر عن يونس عن الزهري كما سيأتي في الطب، وكذا قال أكثر أصحاب سفيان عنه عن الزهري، ونقل الترمذي عن ابن المديني والحميدي أن سفيان كان يقول‏:‏ لم يرو الزهري هذا الحديث إلا عن سالم انتهى‏.‏

وكذا قال أحمد عن سفيان‏:‏ إنما نحفظه عن سالم‏.‏

لكن هذا الحصر مردود فقد حدث به مالك عن الزهري عن سالم وحمزة ابني عبد الله بن عمر عن أبيهما، ومالك من كبار الحفاظ ولا سيما في حديث الزهري، وكذا رواه ابن أبي عمر عن سفيان نفسه أخرجه مسلم والترمذي عنه، وهو يقتضي رجوع سفيان عما سبق من الحضر‏.‏

وأما الترمذي فجعل رواية ابن أبي عمر هذه مرجوحة، وقد تابع مالكا أيضا يونس من رواية ابن وهب عنه كما سيأتي في الطب، وصالح بن كيسان عند مسلم وأبو أويس عند أحمد ويحيى بن سعيد وابن أبي عتيق وموسى بن عقبة ثلاثتهم عند النسائي كلهم عن الزهري عنهما، ورواه إسحاق ابن راشد عن الزهري فاقتصر على حمزة أخرجه النسائي، وكذا أخرجه ابن خزيمة وأبو عوانة من طريق عقيل وأبو عوانة من طريق شبيب بن سعيد كلاهما عن الزهري، ورواه القاسم بن مبرور عن يونس فاقتصر على حمزة أخرجه النسائي أيضا‏.‏

وكذا أخرجه أحمد من طريق رباح بن زيد عن معمر مقتصرا على حمزة، وأخرجه النسائي من طريق عبد الواحد عن معمر فاقتصر على سالم، فالظاهر أن الزهري يجمعهما تارة ويفرد أحدهما أخرى، وقد رواه إسحاق في مسنده عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري فقال‏:‏ عن سالم أو حمزة أو كلاهما، وله أصل عن حمزة من غير رواية الزهري أخرجه مسلم من طريق عتبة بن مسلم عنه والله أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إنما الشؤم‏)‏ بضم المعجمة وسكون الهمزة وقد تسهل فتصير واوا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في ثلاث‏)‏ يتعلق بمحذوف تقديره كائن قاله ابن العربي، قال‏:‏ والحصر فيها بالنسبة إلى العادة لا بالنسبة إلى الخلقة انتهى‏.‏

وقال غيره‏:‏ إنما خصت بالذكر لطول ملازمتها، وقد رواه مالك وسفيان وسائر الرواة بحذف ‏"‏ إنما ‏"‏ لكن في رواية عثمان بن عمر ‏"‏ لا عدوى ولا طيرة، وإنما الشؤم في الثلاثة ‏"‏ قال مسلم لم يذكر أحد في حديث ابن عمر ‏"‏ لا عدوى ‏"‏ إلا عثمان بن عمر‏.‏

قلت‏:‏ ومثله في حديث سعد بن أبي وقاص الذي أخرجه أبو داود، لكن قال فيه، ‏"‏ إن تكن الطيرة في شيء ‏"‏ الحديث، والطيرة والشؤم بمعنى واحد كما سأبينه في أواخر شرح الطب إن شاء الله تعالى، وظاهر الحديث أن الشؤم والطيرة في هذه الثلاثة، قال ابن قتيبة‏:‏ ووجهه أن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وأعلمهم أن لا طيرة، فلما أبوا أن ينتهوا بقيت الطيرة في هذه الأشياء الثلاثة‏.‏

قلت‏:‏ فمشى ابن قتيبة على ظاهره، ويلزم على قوله أن من تشاءم بشيء منها نزل به ما يكره، قال القرطبي‏:‏ ولا يظن به أنه يحمله على ما كانت الجاهلية تعتقده بناء على أن ذلك يضر وينفع بذاته فإن ذلك خطأ وإنما عني أن هذه الأشياء هي أكثر ما يتطير به الناس، فمن وقع في نفسه شيء أبيح له أن يتركه ويستبدل به غيره، قلت‏:‏ وقد وقع في رواية عمر العسقلاني - وهو ابن محمد ابن زيد بن عبد الله بن عمر - عن أبيه عن ابن عمر كما سيأتي في النكاح بلفظ ‏"‏ ذكروا الشؤم فقال‏:‏ إن كان في شيء ففي ‏"‏ ولمسلم ‏"‏ إن يك من الشؤم شيء حق ‏"‏ وفي رواية عتبة بن مسلم ‏"‏ إن كان الشؤم في شيء ‏"‏ وكذا في حديث جابر عند مسلم وهو موافق لحديث سهل بن سعد ثاني حديثي الباب، وهو يقتضي عدم الجزم بذلك بخلاف رواية الزهري، قال ابن العربي‏:‏ معناه إن كان خلق الله الشؤم في شيء مما جرى من بعض العادة فإنما يخلقه في هذه الأشياء، قال المازري‏:‏ بحمل هذه الرواية إن يكن الشؤم حقا فهذه الثلاث أحق به، بمعنى أن النفوس يقع فيها التشاؤم بهذه أكثر مما يقع بغيرها‏.‏

وجاء عن عائشة أنها أنكرت هذا الحديث، فروى أبو داود الطيالسي في مسنده عن محمد بن راشد عن مكحول قال‏:‏ قيل لعائشة إن أبا هريرة قال ‏"‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشؤم في ثلاثة ‏"‏ فقالت‏:‏ لم يحفظ، إنه دخل وهو يقول ‏"‏ قاتل الله اليهود، يقولون الشؤم في ثلاثة ‏"‏ فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله‏.‏

قلت‏:‏ ومكحول لم يسمع من عائشة فهو منقطع، لكن روى أحمد وابن خزيمة والحاكم من طريق قتادة عن أبي حسان ‏"‏ أن رجلين من بني عامر دخلا على عائشة فقالا‏:‏ إن أبا هريرة قال ‏"‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ الطيرة في الفرس والمرأة والدار ‏"‏ فغضبت غضبا شديدا وقالت‏:‏ ما قاله، وإنما قال ‏"‏ إن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك ‏"‏ انتهى ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة مع موافقة من ذكرنا من الصحابة له في ذلك، وقد تأوله غيرها على أن ذلك سيق لبيان اعتقاد الناس في ذلك، لا أنه إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم بثبوت ذلك، وسياق الأحاديث الصحيحة المتقدم ذكرها يبعد هذا التأويل‏.‏

قال ابن العربي‏:‏ هذا جواب ساقط لأنه صلى الله عليه وسلم لم يبعث ليخبر الناس عن معتقداتهم الماضية والحاصلة، وإنما بعث ليعلمهم ما يلزمهم أن يعتقدوه انتهى‏:‏ وأما ما أخرجه الترمذي من حديث حكيم بن معاوية قال ‏"‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ لا شؤم، وقد يكون اليمن في المرأة والدار والفرس ‏"‏ ففي إسناده ضعف ثم مخالفته للأحاديث الصحيحة‏.‏

وقال عبد الرزاق في مصنفه عن معمر سمعت من يفسر هذا الحديث يقول‏:‏ شؤم المرأة إذا كانت غير ولود وشؤم الفرس إذا لم يغز عليه، وشؤم الدار جار السوء‏.‏

وروى أبو داود في الطب عن ابن القاسم عن مالك أنه سئل عنه فقال‏:‏ كم من دار سكنها ناس فهلكوا‏.‏

قال المازري‏:‏ فيحمله مالك على ظاهره، والمعنى أن قدر الله ربما اتفق ما يكره عند سكنى الدار فتصير في ذلك كالسبب فتسامح في إضافة الشيء إليه اتساعا‏.‏

وقال ابن العربي‏:‏ لم يرد مالك إضافة الشؤم إلى الدار، وإنما هو عبارة عن جري العادة فيها فأشار إلى أنه ينبغي للمرء الخروج عنها صيانة لاعتقاده عن التعلق بالباطل‏.‏

وقيل‏:‏ معنى الحديث أن هذه الأشياء يطول تعذيب القلب بها مع كراهة أمرها لملازمتها بالسكنى والصحبية ولو لم يعتقد الإنسان الشؤم فيها، فأشار الحديث إلى الأمر بفراقها ليزول التعذيب‏.‏

قلت‏:‏ وما أشار إليه ابن العربي في تأويل كلام مالك أولى، وهو نظير الأمر بالفرار من المجذوم مع صحة نفي العدوى، والمراد بذلك حسم المادة وسد الذريعة لئلا يوافق شيء من ذلك القدر فيعتقد من وقع له أن ذلك من العدوى أو من الطيرة فيقع في اعتقاد ما نهى عن اعتقاده، فأشير إلى اجتناب مثل ذلك‏.‏

والطريق فيمن وقع له ذلك في الدار مثلا أن يبادر إلى التحول منها، لأنه متى استمر فيها ربما حمله ذلك على اعتقاد صحة الطيرة والتشاؤم‏.‏

وأما ما رواه أبو داود وصححه الحاكم من طريق إسحاق بن طلحة عن أنس ‏"‏ قال رجل‏:‏ يا رسول الله إنا كنا في دار كثير فيها عددنا وأموالنا، فتحولنا إلى أخرى فقل فيها ذلك، فقال‏:‏ ذروها ذميمة‏"‏‏.‏

وأخرج من حديث فروة بن مسيك بالمهلة مصغرا ما يدل على أنه هو السائل، وله شاهد من حديث عبد الله بن شداد بن الهاد أحد كبار التابعين، وله رواية بإسناد صحيح إليه عند عبد الرزاق، قال ابن الحربي ورواه مالك عن يحيى بن سعيد منقطعا قال‏:‏ والدار المذكورة في حديثه كانت دار مكمل بضم الميم وسكون الكاف وكسر الميم بعدها للام - وهو ابن عوف أخو عبد الرحمن ابن عوف - قال‏:‏ وإنما أمرهم بالخروج منها لاعتقادهم أن ذلك منها، وليس كما ظنوا، لكن الخالق جل وعلا جعل ذلك وفقا لظهور قضائه، وأمرهم بالخروج منها لئلا يقع لهم بعد ذلك شيء فيستمر اعتقادهم‏.‏

قال ابن العربي‏:‏ وأفاد وصفها بكونها ذميمة جواز ذلك، وأن ذكرها بقبيح ما وقع فيها سائغ من غير أن يعتقد أن ذلك كان منها، ولا يمتنع ذم محل المكروه وإن كان ليس منه شرعا كما يذم العاصي على معصيته وإن كان ذلك بقضاء الله تعالى‏.‏

وقال الخطابي‏:‏ هو استثناء من غير الجنس، ومعناه إبطال مذهب الجاهلية في التطير، فكأنه قال‏:‏ إن كانت لأحدكم دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس يكره سيره فليفارقه‏.‏

قال وقيل إن شؤم الدار ضيقها وسوء جوارها، وشؤم المرأة أن لا تلد، وشؤم الفرس أن لا يغزى عليه‏.‏

وقيل المعنى ما جاء بإسناد ضعيف رواه الدمياطي في الخيل ‏"‏ إذا كان الفرس ضروبا فهو مشئوم، وإذا حنت المرأة إلى بعلها الأول فهي مشئومة، وإذا كانت الدار بعيدة من المسجد لا يسمع منها الأذان فهي مشئومة‏.‏

وقيل‏:‏ كان قوله ذلك في أول الأمر، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى ‏"‏ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب ‏"‏ الآية، حكاه ابن عبد البر، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، لا سيما مع إمكان الجمع ولا سيما وقد ورد في نفس هذا الخبر نفي التطير ثم إثباته في الأشياء المذكورة‏.‏

وقيل يحمل الشؤم على قلة الموافقة وسوء الطباع، وهو كحديث سعد بن أبي وقاص رفعه ‏(‏من سعادة المرء المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الهنيء‏.‏

ومن شقاوة المرء المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء‏)‏ أخرجه أحمد‏.‏

وهذا يختص ببعض أنواع الأجناس المذكورة دون بعض، وبه صرح ابن عبد البر فقال‏:‏ يكون لقوم دون قوم، وذلك كله بقدر الله‏.‏

وقال المهلب ما حاصله‏:‏ أن المخاطب بقوله ‏"‏ الشؤم في ثلاثة ‏"‏ من التزم التطير ولم يستطع صرفه عن نفسه، فقال لهم‏:‏ إنما يقع ذلك في هذه الأشياء التي تلازم في غالب الأحوال، فإذا كان كذلك فاتركوها عنكم ولا تعذبوا أنفسكم بها، ويدل على ذلك تصديره الحديث بنفي الطيرة‏.‏

واستدل لذلك بما أخرجه ابن حبان عن أنس رفعه ‏"‏ لا طيرة، والطيرة على من تطير، وإن تكن في شيء ففي المرأة ‏"‏ الحديث، وفي‏.‏

صحته نظر لأنه من رواية عتبة بن حميد عن عبيد الله بن أبي بكر عن أنس، وعتبة مختلف فيه، وسيكون لنا عودة إلى بقية ما يتعلق بالتطير والفأل في آخر كتاب الطب حيث ذكره المصنف إن شاء الله تعالى‏.‏

‏(‏تكميل‏)‏ ‏:‏ اتفقت الطرق كلها على الاقتصار على الثلاثة المذكورة، ووقع عند ابن إسحاق في رواية عبد الرزاق المذكورة‏:‏ قال معمر قالت أم سلمة ‏"‏ والسيف ‏"‏ قال أبو عمر‏:‏ رواه جويرية عن مالك عن الزهري عن بعض أهل أم سلمة عن أم سلمة، قلت‏:‏ أخرجه الدار قطني في ‏"‏ غرائب مالك ‏"‏ وإسناده صحيح إلى الزهري، ولم ينفرد به جويرية بل تابعه سعيد بن داود عن مالك أخرجه الدار قطني أيضا قال‏:‏ والمبهم المذكور هو أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة، سماه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري في روايته‏.‏

قلت‏:‏ أخرجه ابن ماجه من هذا الوجه موصولا فقال ‏"‏ عن الزهري عن أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة أنها حدثت بهذه الثلاثة وزادت فيهن والسيف ‏"‏ وأبو عبيدة المذكور هو ابن بنت أم سلمة أمه زينب بنت أم سلمة، وقد روى النسائي حديث الباب من طريق ابن أبي ذئب عن الزهري فأدرج فيه السيف وخالف فيه في الإسناد أيضا‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ فَفِي الْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالْمَسْكَنِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي حازم‏)‏ هو سلمة بن دينار‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إن كان في شيء ففي المرأة والفرس والمسكن‏)‏ كذا في جميع النسخ، وكذا هو في الموطأ، لكن زاد في آخره ‏"‏ يعني الشؤم ‏"‏ وكذا رواه مسلم، ورواه إسماعيل بن عمر عن مالك ومحمد بن سليمان الحراني عن مالك بلفظ ‏"‏ إن كان الشؤم في شيء ففي المرأة إلخ ‏"‏ أخرجهما الدار قطني، لكن لم يقل إسماعيل في شيء، وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة والطبراني من رواية هشام بن سعد عن أبي حازم قال ‏"‏ ذكروا الشؤم عند سهل بن سعد فقال ‏"‏ فذكره، وقد أخرجه مسلم عن أبي بكر لكن لم يسق لفظه‏.‏

*3*باب الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ

وَقَوْلُهُ تَعَالَى وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب الخيل لثلاثة‏)‏ هكذا اقتصر على صدر الحديث، وأحال بتفسيره على ما ورد فيه، وقد فهم بعض الشراح منه الحصر فقال‏:‏ اتخاذ الخيل لا يخرج عن أن يكون مطلوبا أو مباحا أو ممنوعا، فيدخل في المطلوب الواجب والمندوب، ويدخل في الممنوع المكروه والحرام بحسب اختلاف المقاصد‏.‏

واعترض بعضهم بأن المباح لم يذكر في الحديث لأن القسم الثاني الذي يتخيل فيه ذلك جاء مقيدا بقوله ‏"‏ ولم ينس حق الله فيها ‏"‏ فيلتحق بالمندوب قال‏:‏ والسر فيه أنه صلى الله عليه وسلم غالبا إنما يعتني بذكر ما فيه حض أو منع، وأما المباح الصرف فيسكت عنه لما عرف أن سكوته عنه عفو‏.‏

ويمكن أن يقال‏:‏ القسم الثاني هو في الأصل المباح إلا أنه ربما ارتقى إلى الندب بالقصد، بخلاف القسم الأول فإنه من ابتدائه مطلوب‏.‏

والله أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقول الله عز وجل‏)‏ والخيل والبغال والحمير ‏(‏الآية‏)‏ أي أن الله خلقها للركوب والزينة، فمن استعملها في ذلك فعل ما أبيح له، فإن اقترن بفعله قصد طاعة ارتقى إلى الندب، أو قصد معصية حصل له الإثم، وقد دل حديث الباب على هذا التقسيم‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ فَأَمَّا الَّذِي لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنْ الْمَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ أَرْوَاثُهَا وَآثَارُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَهَا كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِئَاءً وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ وِزْرٌ عَلَى ذَلِكَ وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْحُمُرِ فَقَالَ مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن زيد بن أسلم‏)‏ الإسناد كله مدنيون‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الخيل لثلاثة‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ الخيل ثلاثة ‏"‏ ووجه الحصر في الثلاثة أن الذي يقتنى الخيل إما أن يقتنيها للركوب أو للتجارة، وكل منهما إما أن يقترن به فعل طاعة الله وهو الأول، ومعصيته وهو الأخير، أو يتجرد عن ذلك وهو الثاني‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في مرج أو روضة‏)‏ شك من الراوي، والمرج موضع الكلأ، وأكثر ما يطلق على الموضع المطمئن، والروضة أكثر ما يطلق في الموضع المرتفع، وقد مضى الكلام على قوله ‏"‏ أرواثها وآثارها ‏"‏ قبل بابين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فما أصابت في طيلها‏)‏ بكسر الطاء المهملة وفتح التحتانية بعدها لام هو الحبل الذي تربط به ويطول لها لترعى، ويقاد له طول بالواو المفتوحة أيضا كما تقدم في أول الجهاد، وتقدم تفسير الاستنان هناك‏.‏

وقوله ‏"‏ولم يرد أن يسقيها ‏"‏ فيه أن الإنسان يؤجر على التفاصيل التي تقع في فعل الطاعة إذا قصد أصلها وإن لم يقصد تلك التفاصيل، وقد تأوله بعض الشراح فقال ابن المنير‏:‏ قيل إنما أجر لأن ذلك وقت لا ينتفع بشربها فيه فيغتم صاحبها بذلك فيؤجر، وقيل إن المراد حيث تشرب من ماء الغير بغير إذنه فيغتم صاحبها لذلك فيؤجر، وكل ذلك عدول عن القصد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏رجل ربطها فخرا‏)‏ هكذا وقع بحذف أحد الثلاثة وهو من ربطها تغنيا، وسيأتي بتمامه بهذا الإسناد بعينه في علامات النبوة، وتقدم تاما من وجه آخر عن ماك في أواخر كتاب الشرب، وقوله ‏"‏تغنيا ‏"‏ بفتح المثناة والمعجمة ثم نون ثقيلة مكسورة وتحتانية أي استغناء عن الناس تقول تغنيت بما رزقني الله تغنيا وتغانيت تغانيا واستغنيت استغناء كلها بمعنى، وسيأتي بسط ذلك في فضائل القرآن في الكلام على قوله ‏"‏ ليس منا من لم يتغن بالقرآن، وقوله ‏"‏تعففا ‏"‏ أي عن السؤال، والمعنى أنه يطلب بنتاجها أو بما يحصل من أجرتها ممن يركبها أو نحو ذلك الغني عن الناس والتعفف عن مسألتهم، ووقع في رواية سهيل عن أبيه عند مسلم ‏"‏ وأما الذي هي له ستر فالرجل يتخذها تعففا وتكرما وتجملا، وقوله ‏"‏ولم ينس حق الله في رقابها ‏"‏ قيل المراد حسن ملكها وتعهد شبعها وريها والشفقة عليها في الركوب، وإنما خص رقابها بالذكر لأنها تستعار كثيرا في الحقوق اللازمة ومنه قوله تعالى ‏(‏فتحرير رقبة‏)‏ وهذا جواب من لم يوجب الزكاة في الخيل وهو قول الجمهور، وقيل المراد بالحلق إطراق فحلها والحمل عليها في سبيل الله هو قول الحسن والشعبي ومجاهد، وقيل المراد بالحق الزكاة وهو قول حماد وأبي حنيفة، وخالفه صاحباه وفقهاء الأمصار، قال أبو عمر‏:‏ لا أعلم أحدا سبقه إلى ذلك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فخرا‏)‏ أي تعاظما، وقوله ‏"‏ورياء ‏"‏ أي إظهارا لطاعة والباطن بخلاف ذلك‏.‏

ووقع في رواية سهيل المذكورة ‏"‏ وأما الذي هي عليه وزر فالذي يتخذها أشرا وبطرا وبذخا ورياء للناس‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ونواء لأهل الإسلام‏)‏ بكسر النون والمد هو مصدر تقول ناوأت العدو مناوأة ونواء، وأصله من ناء إذا نهض ويستعمل في المعاداة، قال الخليل‏:‏ ناوأت الرجل ناهضته بالعداوة، وحكى عياض عن الداودي الشارح أنه وقع عنده ‏"‏ ونوى ‏"‏ بفتح النون والقصر قال‏:‏ ولا يصح ذلك، قلت حكاه الإسماعيلي عن رواية إسماعيل بن أبي أويس، فإن ثبت فمعناه‏:‏ وبعدا لأهل الإسلام، أي منهم‏.‏

والظاهر أن الواو في قوله ورياء ونواء بمعنى‏.‏

‏"‏ أو ‏"‏ لأن هذه الأشياء قد تفترق في الأشخاص وكل واحد منها مذموم على حدته، وفي هذا الحديث بيان أن الخيل إنما تكون في نواصيها الخير والبركة إذا كان اتخاذها في الطاعة أو في الأمور المباحة، وإلا فهي مذمومة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ لم أقف على تسمية السائل صريحا، وسيأتي ما قيل فيه في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن الحمر فقال‏:‏ ما أنزل على فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة‏)‏ بالفاء وتشديد المعجمة سماها جامعة لشمولها لجميع الأنواع من طاعة ومعصية، وسماها فاذة لانفرادها في معناها، قال ابن التين‏:‏ والمراد أن الآية دلت على أن من عمل في اقتناء الحمير طاعة رأى ثواب ذلك، وإن عمل معصية رأى عقاب ذلك، قال ابن بطال‏:‏ فيه تعليم الاستنباط والقياس، لأنه شبه ما لم يذكر الله حكمه في كتابه وهو الحمر بما ذكره من عمل مثقال ذرة من خير أو شر إذ كان معناهما واحدا، قال‏:‏ وهذا نفس القياس الذي ينكره من لا فهم عنده‏.‏

وتعقبه ابن المنير بأن هذا ليس من القياس في شيء، وإنما هو استدلال بالعموم وإثبات لصيغته، خلافا لمن أنكر أو وقف‏.‏

وفيه تحقيق لإثبات العمل بظواهر العموم وأنها ملزمة حتى يدل دليل التخصيص، وفيه إشارة إلى الفرق بين الحكم الخاص المنصوص والعام الظاهر، وأن الظاهر دون المنصوص في الدلالة‏.‏

*3*باب مَنْ ضَرَبَ دَابَّةَ غَيْرِهِ فِي الْغَزْوِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب من ضرب دابة غيره في الغزو‏)‏ أي إعانة له ورفقا به‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيُّ قَالَ أَتَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ فَقُلْتُ لَهُ حَدِّثْنِي بِمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ سَافَرْتُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ قَالَ أَبُو عَقِيلٍ لَا أَدْرِي غَزْوَةً أَوْ عُمْرَةً فَلَمَّا أَنْ أَقْبَلْنَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَعَجَّلَ إِلَى أَهْلِهِ فَلْيُعَجِّلْ قَالَ جَابِرٌ فَأَقْبَلْنَا وَأَنَا عَلَى جَمَلٍ لِي أَرْمَكَ لَيْسَ فِيهِ شِيَةٌ وَالنَّاسُ خَلْفِي فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذْ قَامَ عَلَيَّ فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا جَابِرُ اسْتَمْسِكْ فَضَرَبَهُ بِسَوْطِهِ ضَرْبَةً فَوَثَبَ الْبَعِيرُ مَكَانَهُ فَقَالَ أَتَبِيعُ الْجَمَلَ قُلْتُ نَعَمْ فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ فِي طَوَائِفِ أَصْحَابِهِ فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ وَعَقَلْتُ الْجَمَلَ فِي نَاحِيَةِ الْبَلَاطِ فَقُلْتُ لَهُ هَذَا جَمَلُكَ فَخَرَجَ فَجَعَلَ يُطِيفُ بِالْجَمَلِ وَيَقُولُ الْجَمَلُ جَمَلُنَا فَبَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَاقٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ أَعْطُوهَا جَابِرًا ثُمَّ قَالَ اسْتَوْفَيْتَ الثَّمَنَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ الثَّمَنُ وَالْجَمَلُ لَكَ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا مسلم‏)‏ هو ابن إبراهيم، وتقدم هذا الحديث بهذا الإسناد في المظالم مختصرا وساقه هنا تاما، وقد تقدمت مباحثه مستوفاة في الشروط‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أم عمرة‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ أو ‏"‏ بدل ‏"‏ أم‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فليعجل‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ فليتعجل‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أرمك‏)‏ براء وكاف وزن أحمر، والمراد به ما خالط حمرته سواد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ليس فيها شية‏)‏ بكسر المعجمة وفتح التحتانية الخفيفة أي علامة، والمراد أنه ليس فيه لمعة من غير لونه‏.‏

ويحتمل أن يريد ليس فيه عيب، ويؤيده قوله ‏"‏ والناس خلق، فبينا أنا كذلك إذ قام على ‏"‏ لأنه يشعر بأنه، أراد أنه كان قويا في سيره لا عيب فيه من جهة ذلك حتى كأنه صار قدام الناس‏.‏

فطرأ عليه حينئذ الوقوف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إذ قام علي‏)‏ أي وقف فلم يسر من التعب‏.‏

*3*باب الرُّكُوبِ عَلَى الدَّابَّةِ الصَّعْبَةِ وَالْفُحُولَةِ مِنْ الْخَيْلِ

وَقَالَ رَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ كَانَ السَّلَفُ يَسْتَحِبُّونَ الْفُحُولَةَ لِأَنَّهَا أَجْرَى وَأَجْسَرُ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب الركوب على الدابة الصعبة‏)‏ بسكون العين أي الشديدة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والفحولة‏)‏ بالفاء والمهملة جمع فحل والتاء فيه لتأكيد الجمع كما جوزه الكرماني، وأخذ المصنف ركوب الصعبة من ركوب الفحل لأنه في الغالب أصعب ممارسة من الأنثى، وأخذ كونه فحلا من ذكره بضمير المذكر‏.‏

وقال ابن المنير‏:‏ هو استدلال ضعيف، لأن العود يصح على اللفظ ولفظ الفرس مذكر وإن كان يقع على المؤنث وعكسه الجماعة، فيجوز إعادة الضمير على اللفظ وعلى المعنى، قال‏:‏ وليس في حديث الباب ما يدل على تفضيل الفحولة إلا أن نقول أثنى عليه الرسول وسكت عن الأنثى فثبت التفضيل بذلك‏.‏

وقال ابن بطال‏:‏ معلوم أن المدينة لم تخل عن إناث الخيل، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا جملة من أصحابه أنهم ركبوا غير الفحول، إلا ما ذكر عن سعد بن أبي وقاص، كذا قال وهو محل توقف وقد روى الدار قطني أن فرس المقداد كان أنثى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال راشد بن سعد‏)‏ هو المقرأ بفتح الميم وتضم وسكون القاف وفتح الراء بعدها همزة، تابعي وسط شامي، مات سنة ثلاث عشرة ومائة، وما له في البخاري سوى هذا الأثر الواحد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كان السلف‏)‏ أي من الصحابة فمن بعدهم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏أجرأ وأجسر‏)‏ بهمز ‏"‏ أجرأ ‏"‏ من الجراءة وبغير همز من الجري، و ‏"‏ أجسر ‏"‏ بالجيم والمهملة من الجسارة، وحذف المفضل عليه اكتفاء بالسياق أي من الإناث أو المخصية‏.‏

وروى أبو عبيدة في ‏"‏ كتاب الخيل ‏"‏ له عن عبد الله بن محيريز نحو هذا الأثر وزاد ‏"‏ وكانوا يستحبون إناث الخيل في الغارات والبيات ‏"‏ وروى الوليد بن مسلم في الجهاد له من طريق عبادة ابن نسى بنون ومهملة مصغرا وابن محيريز ‏"‏ أنهم كانوا يستحبون إناث الخيل في الغارات والبيات ولما خفي من أمور الحرب ويستحبون الفحول في الصفوف والحصون ولما ظهر من أمور الحرب‏"‏‏.‏

وروى عن خالد ابن الوليد أنه كان لا يقاتل إلا على أنثى لأنها تدفع البول وهي أقل صهلا، والفحل يحبسه في جريه حتى ينفتق ويؤذي بصهيله‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَزَعٌ فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَسًا لِأَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ مَنْدُوبٌ فَرَكِبَهُ وَقَالَ مَا رَأَيْنَا مِنْ فَزَعٍ وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا

الشرح‏:‏

حديث أنس في فرس أبي طلحة وقد تقدم قريبا وأن شرحه سبق في كتاب الهبة، وأحمد بن محمد شيخه فيه هو المروزي ولقبه مردويه واسم جده موسى‏.‏

وقال الدار قطني هو الذي لقبه شبويه واسم جده ثابت، والأول أكثر‏.‏

*3*باب سِهَامِ الْفَرَسِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب سهام الفرس‏)‏ أي ما يستحقه الفارس من الغنيمة بسبب فرسه‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا وَقَالَ مَالِكٌ يُسْهَمُ لِلْخَيْلِ وَالْبَرَاذِينِ مِنْهَا لِقَوْلِهِ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَلَا يُسْهَمُ لِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسٍ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال مالك‏:‏ يسهم للخيل والبراذين‏)‏ جمع برذون بكسر الموحدة وسكون الراء وفتح المعجمة والمراد الجفاة الخلقة من الخيل، وأكثر ما تجلب من بلاد الروم ولها جلد على السير في الشعاب والجبال والوعر بخلاف الخيل العربية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لقوله تعالى‏:‏ ‏(‏والخيل والبغال والحمير لتركبوها‏)‏‏)‏ قال ابن بطال‏.‏

وجه الاحتجاج بالآية أن الله تعالى امتن بركوب الخيل، وقد أسهم لها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

واسم الخيل يقع على البرذون والهجين بخلاف البغال والحمير، وكأن الآية استوعبت ما يركب من هذا الجنس لما يقتضيه الامتنان، فلما لم ينص على البرذون والهجين فيها دل على دخولها في الخيل‏.‏

قلت‏:‏ وإنما ذكر الهجين لأن مالكا ذكر هذا الكلام في الموطأ وفيه ‏"‏ والهجين‏"‏، والمراد بالهجين ما يكون أحد أبويه عربيا والآخر غير عربي، وقيل الهجين الذي أبوه فقط عربي، وأما الذي أمه فقط عربية فيسمى المقرف‏.‏

وعن أحمد‏:‏ الهجين البرذون‏.‏

ويحتمل أن يكون أراد في الحكم‏.‏

وقد وقع لسعيد بن منصور وفي المراسيل لأبي داود عن مكحول ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم هجن الهجين يوم خيبر وعرب العراب، فجعل للعربي سهمين وللهجين سهما، وهذا منقطع، ويؤيده ما روى الشافعي في ‏"‏ الأم ‏"‏ وسعيد بن منصور من طريق علي بن الأقمر قال ‏"‏ أغارت الخيل فأدركت العراب وتأخرت البراذن، فقام ابن المنذر الوادعي فقال‏:‏ لا أجعل ما أدرك كمن لم يدرك، فبلغ ذلك عمر فقال‏:‏ هبلت الوادعي أمه لقد أذكرت به، أمضوها على ما قال‏.‏

فكان أول من أسهم للبراذين دون سهام العراب ‏"‏ وفي ذلك يقول شاعرهم‏:‏ ومنا الذي قد سن في الخيل سنة وكانت سواء قبل ذاك سهامها وهذا منقطع أيضا، وقد أخذ أحمد بمقتضى حديث مكحول في المشهور عنه كالجماعة، وعنه إن بلغت البراذين مبالغ العربية سوى بينهما وإلا فضلت العربية، واختارها الجوزجاني وغيره‏.‏

وعن الليث‏:‏ يسهم للبرذون والهجين دون سهم الفرس‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولا يسهم لأكثر من فرس‏)‏ هو بقية كلام مالك وهو قول الجمهور‏.‏

وقال الليث وأبو يوسف وأحمد وإسحاق‏:‏ يسهم لفرسين لا لأكثر، وفي ذلك حديث أخرجه الدار قطني بإسناد ضعيف عن أبي عمرة قال ‏"‏ أسهم لي رسول الله صلى الله عليه وسلم لفرسي أربعة أسهم ولي سهما، فأخذت خمسة أسهم ‏"‏ قال القرطبي‏:‏ ولم يقل أحد إنه يسهم لأكثر من فرسين إلا ما روي عن سليمان بن موسى أنه يسهم لكل فرس سهمان بالغا ما بلغت، ولصاحبه سهما أي غير سهمي الفرس‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عبيد الله‏)‏ هو ابن عمر العمري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما‏)‏ أي غير سهمي الفرس فيصير للفارس ثلاثة أسهم، وسيأتي في غزوة خيبر أن نافعا فسره كذلك ولفظه ‏"‏ إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن معه فرس فله سهم ‏"‏ ولأبي داود عن أحمد عن أبي معاوية عن عبيد الله بن عمر بلفظ أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم سهما له وسهمين لفرسه ‏"‏ وبهذا التفسير يتبين أن لا وهم فيما رواه أحمد بن منصور الرمادي عن أبي بكر ابن أبي شيبة عن أبي أسامة وابن نمير كلاهما عن عبيد الله بن عمر فيما أخرجه الدار قطني بلفظ ‏"‏ أسهم للفارس سهمين ‏"‏ قال الدار قطني عن شيخه أبي بكر النيسابوري‏:‏ وهم فيه الرمادي وشيخه‏.‏

قلت‏:‏ لا، لأن المعنى أسهم للفارس بسبب فرسه سهمين غير سهمه المختص به، وقد رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ومسنده بهذا الإسناد فقال ‏"‏ للفرس ‏"‏ وكذلك أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب الجهاد له عن ابن أبي شيبة، وكأن الرمادي رواه بالمعنى‏.‏

وقد أخرجه أحمد عن أبي أسامة وابن نمير معا بلفظ ‏"‏ أسهم للفرس ‏"‏ وعلى هذا التأويل أيضا يحمل ما رواه نعيم بن حماد عن ابن المبارك عن عبيد الله مثل رواية الرمادي أخرجه الدار قطني وقد رواه علي ابن الحسن بن شقيق وهو أثبت من نعيم عن ابن المبارك بلفظ ‏"‏ أسهم للفرس ‏"‏ وتمسك بظاهر هذه الرواية بعض من احتج لأبي حنيفة في قوله‏:‏ إن للفرس سهما واحدا ولراكبه سهم آخر، فيكون للفارس سهمان فقط، ولا حجة فيه لما ذكرنا‏.‏

واحتج له أيضا بما أخرجه أبو داود من حديث مجمع بن جارية بالجيم والتحتانية في حديث طويل في قصة خيبر قال ‏"‏ فأعطى للفارس سهمين وللراجل سهما، وفي إسناده ضعف؛ ولو ثبت يحمل على ما تقدم لأنه يحتمل الأمرين، والجمع بين الروايتين أولى، ولا سيما والأسانيد الأولى أثبت ومع رواتها زيادة علم، وأصرح من ذلك ما أخرجه أبو داود من حديث أبي عمرة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى للفرس سهمين ولكل إنسان سهما فكان للفارس ثلاثة أسهم ‏"‏ وللنسائي من حديث الزبير ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب له أربعة أسهم سهمين لفرسه وسهما له وسهما لقرابته، قال محمد بن سحنون‏:‏ انفرد أبو حنيفة بذلك دون فقهاء الأمصار، ونقل عنه أنه قال‏:‏ أكره أن أفضل بهيمة على مسلم، وهي شبهة ضعيفة لأن السهام في الحقيقة كلها للرجل‏.‏

قلت‏:‏ لو لم يثبت الخبر لكانت الشبهة قوية لأن المراد المفاضلة بين الراجل والفارس فلولا الفرس ما ازداد الفارس سهمين عن الراجل، فمن جعل للفارس سهمين فقد سوى بين الفرس وبين الرجل، وقد تعقب هذا أيضا لأن الأصل عدم المساواة بين البهيمة والإنسان، فلما خرج هذا عن الأصل بالمساواة فلتكن المفاضلة كذلك، وقد فضل الحنفية الدابة على الإنسان في بعض الأحكام فقالوا‏:‏ لو قتل كلب صيد قيمته أكثر من عشرة آلاف أداها، فإن قتل عبدا مسلما لم يؤد فيه إلا دون عشرة آلاف درهم‏.‏

والحق أن الاعتماد في ذلك على الخبر، ولم ينفرد أبو حنيفة بما قال فقد جاء عن عمر وعلي وأبي موسى، لكن الثابت عن عمر وعلي كالجمهور من حيث المعنى بأن الفرس يحتاج إلى مؤنة لخدمتها وعلفها، وبأنه يحصل بها من الغني في الحرب مالا يخفى، واستدل به على أن المشرك إذا حضر الوقعة وقاتل مع المسلمين يسهم له، وبه قال بعض التابعين كالشعبي، ولا حجة فيه إذ لم يرد هنا صيغة عموم، واستدل للجمهور بحديث ‏"‏ لم تحل الغنائم لأحد قبلنا ‏"‏ وسيأتي في مكانه‏.‏

وفي الحديث حض على اكتساب الخيل واتخاذها للغزو لما فيها من البركة وإعلاء الكلمة وإعظام الشوكة كما قال تعالى ‏(‏ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم‏)‏ واختلف فيمن خرج إلى الغزو ومعه فرس فمات قبل حضور القتال، فقال مالك‏:‏ يستحق سهم الفرس‏.‏

وقال الشافعي والباقون‏:‏ لا يسهم له إلا إذا حضر القتال، فلو مات الفرس في الحرب استحق صاحبه وإن مات صاحبه استمر استحقاقه وهو للورثة‏.‏

وعن الأوزاعي فيمن وصل إلى موضع القتال فباع فرسه‏:‏ يسهم له، لكن يستحق البائع مما غنموا قبل العقد والمشترى مما بعده، وما اشتبه قسم‏.‏

وقال غيره‏:‏ يوقف حتى يصطلحا‏.‏

وعن أبي حنيفة‏:‏ من دخل أرض العدو راجلا لا يقسم له إلا سهم راجل ولو اشترى فرسا وقاتل عليه‏.‏

واختلف في غزاة البحر إذا كان معهم خيل، فقال الأوزاعي والشافعي‏:‏ يسهم له‏.‏

‏(‏تكميل‏)‏ ‏:‏ هذا الحديث يذكره الأصوليون في مسائل القياس في مسألة الإيماء، أي إذا اقترن الحكم بوصف لولا أن ذلك الوصف للتعليل لم يقع الاقتران، فلما جاء سياق واحد أنه صلى الله عليه وسلم أعطى للفرس سهمين وللراجل سهما دل على افتراق الحكم‏.‏

*3*باب مَنْ قَادَ دَابَّةَ غَيْرِهِ فِي الْحَرْبِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب من قاد دابة غيره في الحرب‏)‏ ذكر فيه حديث البراء بن عازب ‏"‏ أن هوازن كانوا قوما رماة ‏"‏ الحديث، والغرض منه قوله فيه ‏"‏ وأبو سفيان - وهو ابن الحارث بن عبد المطلب - أخذ بلجامها ‏"‏ وسيأتي شرحه مستوفى في غزوة حنين من كتاب المغازي إن شاء الله تعالى‏.‏

*3*باب الرِّكَابِ وَالْغَرْزِ للدَّابَّةِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب الركاب والغرز للدابة‏)‏ قيل الركاب يكون من الحديد والخشب، والغرز لا يكون إلا من الجلد، وقيل هما مترادفان، أو الغرز للجمل والركاب للفرس‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ وَاسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ قَائِمَةً أَهَلَّ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ

الشرح‏:‏

حديث ابن عمر ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أدخل رجله في الغرز أهل ‏"‏ الحديث، وهو ظاهر فيما ترجم له من الغرز، وأما الركاب فألحقه به لأنه في معناه‏.‏

وقال ابن بطال كأنه أشار إلى أن ما جاء عن عمر أنه قال ‏"‏ اقطعوا الركب وثبوا على الخيل وثبا ‏"‏ ليس على منع اتخاذ الركب أصلا، وإنما أراد تدريبهم على ركوب الخيل‏.‏

*3*باب رُكُوبِ الْفَرَسِ الْعُرْيِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب ركوب الفرس العري‏)‏ بضم المهملة وسكون الراء، أي ليس عليه سرج ولا أداة، ولا يقال في الآدميين إنما يقال عريان قاله ابن فارس، قال‏:‏ وهي من النوادر انتهى‏.‏

وحكى ابن التين أنه ضبط في الحديث بكسر الراء وتشديد التحتانية، وليس في كتب اللغة ما يساعده‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَقْبَلَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَرَسٍ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ

الشرح‏:‏

حديث أنس ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبلهم على فرس عري ما عليه سرج في عنقه سيف ‏"‏ وهو طرف من الحديث الذي تقدم في أنه استعار فرسا لأبي طلحة، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق أخرى عن حماد بن زيد وفي أوله ‏"‏ فزع أهل المدينة ليلة، فتلقاهم النبي صلى الله عليه وسلم قد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرس بغير سرج ‏"‏ وفي رواية له ‏"‏ وهو على فرس لأبي طلحة ‏"‏ وقد سبق في ‏"‏ باب الشجاعة في الحرب ‏"‏ في حديث أوله ‏"‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأشجع الناس ‏"‏ بعض هذا الحديث، وقد سبق شرحه في الهبة، وفيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من التواضع والفروسية البالغة فإن الركوب المذكور لا يفعله إلا من أحكم الركوب وأدمن على الفروسية، وفيه تعليق السيف في العنق إذا احتاج إلى ذلك حيث يكون أعون له، وفي الحديث ما يشير إلى أنه ينبغي للفارس أن يتعاهد الفروسية ويروض طباعه عليها لئلا يفجأه شدة فيكون قد استعد لها‏.‏

*3*باب الْفَرَسِ الْقَطُوفِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب الفرس القطوف‏)‏ أي البطيء المشي، قال أبو زيد وغيره‏:‏ قطفت الدابة تقطف قطافا وقطوفا، والقطوف من الدواب المقارب الخطو وقيل الضيق المشي‏.‏

وقال الثعالبي‏:‏ إن مشي وثبا فهو قطوف، وإن كان يرفع يديه ويقوم على رجليه فهو سبوت، وإن التوى براكبه فهو قموص، وإن منع ظهره فهو شموس‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَزِعُوا مَرَّةً فَرَكِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَسًا لِأَبِي طَلْحَةَ كَانَ يَقْطِفُ أَوْ كَانَ فِيهِ قِطَافٌ فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ وَجَدْنَا فَرَسَكُمْ هَذَا بَحْرًا فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُجَارَى

الشرح‏:‏

حديث أنس ‏"‏ أن أهل المدينة فزعوا مرة فركب النبي صلى الله عليه وسلم فرسا لأبي طلحة كان يقطف ‏"‏ الحديث، وقوله ‏"‏يقطف ‏"‏ بكسر الطاء وبضمها وقد سبق شرحه في الهبة، وقوله ‏"‏أو كان فيه قطاف ‏"‏ شك من الراوي، وسيأتي في ‏"‏ باب السرعة والركض ‏"‏ من طريق محمد بن سيرين عن أنس بلفظ ‏"‏ فركب فرسا لأبي طلحة بطيئا، وقوله ‏"‏لا يجارى ‏"‏ بضم أوله زاد في نسخة الصغاني ‏"‏ قال أبو عبد الله أي لا يسابق ‏"‏ لأنه لا يسبق في الجري، وفيه بركة النبي صلى الله عليه وسلم لكونه ركب ما كان بطيئا فصار سابقا، وسيأتي في رواية محمد بن سيرين المذكورة ‏"‏ فما سبق بعد ذلك اليوم‏"‏