فصل: باب وصايا الأمراء

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: شرح السير الكبير **


  باب وصايا الأمراء

روي حديث ابن بريدة عن أبيه برواية أبي حنيفة رحمه الله أن النبي عليه السلام كان إذا بعث جيشاً أو سرية قال لهم‏:‏ ‏"‏ اغزوا باسم الله ‏"‏ وقد بدأ محمد رحمه الله السير الصغير بهذا الحديث‏.‏

وقد بينا فوائد الحديث هناك ثم بين معنا قوله عليه السلام في آخر هذا الحديث‏:‏ ‏"‏ وإن أرادوكم ن تعطوهم ذمة الله فلا تعطوهم ‏"‏ أنه إنما كره ذلك لا على وجه التحريم بل للتحرز عن الإخفار عند الحاجة إلى ذلك فكان الأوزاعي يقول‏:‏ لا يجوز إعطاء ذمة الله للكفار ويتمسك بظاهر هذا الحديث فمقتضى مطلق النهي حرمة النهي عنه وذكر هذا اللفظ في حديث يرويه علي رضي الله عنه بطريق أهل البيت أنه قال‏:‏ لا تعطوهم ذمة الله ولا ذمتي فذمتي ذمة الله وإنما كره لهم عندنا لمعنى في غير المنهي عنه وهو أنهم قد يحتاجون إلى النقض لمصلحة يرونها في ذلك وأن ينقضوا عهودهم فهو أهون من أن ينقضوا عهد الله وعهد رسوله وقد أشار إلى ذلك في آخر الحديث فقال‏:‏ فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم آبائكم خير من أن تخفروا ذمة الله تعالى والذمة هي العهد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً‏}‏ التوبة‏:‏ 10 ومنه سميت الذمة للآدمي فإنه محل الالتزام بالعهد والمراد بذممهم وذمم آبائهم الحلف والمحالفة التي كانت بينهم في الجاهلية ومعنى الإخفاء رهو نقض العهد يقال‏:‏ خفروا إذا عاهدوا وأخفروا إذا نقضوا العهد وذلك لا بأس به عند الحاجة إليه قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن

قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء‏}‏ الأنفال‏:‏ 58 منكم ومنهم في العلم وذلك للتحرز عن الغدر وفي قوله‏:‏ ‏{‏بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ‏}‏ التوبة‏:‏ 1 ما يدل على ذلك وأيد ما قلنا قوله عليه السلام‏:‏ ثلاثة أنا خصمهم ومن كنت خصمه خصمته وقال في تلك الجملة‏:‏ رجل أعطى ذمتي ثم خفر ورجل باع حراً وأكل ثمنه ورجل استأجر أجيراً ولم يعطه أجره ففيه بيان أنه لا بأس بإعطاء ذمته ولكن يحرم الغدر وأمراء الجيوش كانوا يعطون الأمان بالله ورسوله ولم ينكر عليهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فدل أنه لا بأس به‏.‏

ثم ذكر حديث ابن عمر رضي الله عنه قال‏:‏ بعث أبو بكر الصديق رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان على جيش فخرج معه يمشي وهو يوصيه فقال‏:‏ يا خليفة رسول الله أنا الراكب وأنت الماشي فأما أن تركب وإما أن أنزل فقال أبو بكر رضي الله عنه‏:‏ ما أنا بالذي أركب ولا أنت بالذي تنزل إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله الحديث فيه دليل على أنه ينبغي للمرء أن يغتنم المشي في تشييع الغزاة على أي صفة كان كما فعله الصديق رضي الله عنه وروي أنه قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ من اغبرت قدماه في سبيل الله وجبت له الجنة وفي حديث أنس رضي الله عنه‏:‏ ما اجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف مسلم‏.‏

وذكر محمد بعد هذا حديث أبي بكر رضي الله عنه بطريق آخر أنه أتي براحلته ليركب فقال‏:‏ بل أمشي فقادوا راحلته وهو يمشي وخلع نعليه وأمسكهما بإصبعيه رغبة أن تغبر قدماه في سبيل الله وإنما فعل ذلك أبو بكر رضي الله عنه هذا اقتداء برسول الله عليه السلام فإنه حين بعث معاذاً إلى اليمن شيعه ومشى معه ميلاً أو ميلين أو ثلاثة أميال ونظير هذا ما روي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه كان يمشي في طريق الحج ونجائبه تقاد إلى جنبه فقيل له‏:‏ ألا تركب يا ابن رسول الله عليه السلام فقال‏:‏ لا إني سمعت رسول الله عليه السلام يقول‏:‏ ‏"‏ من اغبرت قدماه في سبيل الله لم تمسهما نار جهنم ‏"‏ فالمستحب لمن يشيع الحاج أو الغزاة أن يفعل كما فعله أبو بكر رضي الله عنه‏.‏

ثم قال‏:‏ إني موصيك بعشر فاحفظهن‏:‏ إنك ستلقى أقواماً زعموا أنهم قد فرغوا أنفسهم لله في الصوامع فذرهم وما فرغوا له أنفسهم وبه يستدل أبو يوسف ومحمد رضي الله عنهما في أن أصحاب الصوامع لا يقتلون وهو رواية عن أبي حنيفة أيضاً و عن أبي يوسف رحمه الله قال‏:‏ سألت أبا حنيفة عن قتل أصحاب الصوامع فرأى قتلهم حسناً والحاصل أن هذا إذا كانوا ينزلون إلى الناس ويصعد الناس إليهم فيصدرون عن رأيهم في القتال يقتلون فإما إذا أغلقوا أبواب الصوامع على أنفسهم فإنهم لا يقتلون وهو المراد في حديث أبي بكر رضي الله عنه لتركهم القتال أصلاً وهذا لأن المبيح للقتل شرهم من حيث المحاربة فإذا أغلقوا الباب على أنفسهم اندفع شرهم مباشرة وتسبيباً فإما إذا كان لهم رأي في الحرب وهم يصدرون عن رأيهم فهم محاربون تسبيباً فيقتلون‏.‏

قال‏:‏ وستلقى أقواماً قد حلقوا أوساط رءوسهم فافلقوها بالسيف والمراد‏:‏ الشمامسة وهم بمنزلة العلوية فينا وهم أولاد هارون عليه السلام فقد أشار في هذا الحديث بطريق آخر‏:‏ وتركوا شعوراً كالعصائب يصدر الناس عن رأيهم في القتال ويحثونهم على ذلك فهم أئمة الكفر قتلهم أولى من قتل غيرهم وإليه أشار في هذا الحديث بطريق آخر فقال‏:‏ فاضربوا مقاعد الشياطين منها بالسيوف أي في أوساط رءوسهم المحلوقة والله لأن أقتل رجلاً منهم أحب إلي من أن أقتل سبعين من غيرهم قال الله تعلى‏:‏ ‏{‏فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ‏}‏ التوبة‏:‏ 12 والمراد بمقاعد الشياطين شعر رءوسهم وذلك يكون في الرأس كما قال أبو بكر رضي الله عنه في إقامة الحد‏:‏ اضربوا الرأس فإن الشيطان في الرأس‏.‏

قال‏:‏ ولا تقتلن مولوداً وما من أحد إلا وهو مولود لكن المراد هو الصبي سماه مولوداً لقرب عهده بالولادة والمراد به إذا كان لا يقاتل فسره في الطريق الآخر فقال‏:‏ لا تقتلن صغيراً ضرعاً‏.‏

قال‏:‏ ولا امرأة والمراد به إذا كانت لا تقاتل على ما روي أن النبي عليه السلام مر بامرأة مقتولة فقال‏:‏ ‏"‏ هاه ما كانت هذه تقاتل أدرك خالداً فقل له‏:‏ لا تقتلن ذرية ولا عسيفاً ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ ولا شيخاً كبيراً وفي رواية‏:‏ فانياً يعني إذا كان لا يقاتل ولا رأي له في ذلك فأما إذا كان يقاتل أو يكون له رأي في ذلك فإنه يقتل على ما روي أن النبي عليه السلام أمر بقتل دريد بن الصمة وكان ذا رأي في الحرب فأشار عليهم أن يرفعوا الظعن إلى علياء بلادهم وأن يلقى الرجال العدو بسيوفهم على متون الخيل فلم يقبلوا رأيه وقاتلوا مع أهاليهم وكان ذلك سبب انهزامهم وفيه يقول دريد بن الصمة‏.‏

أمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا الرشد حتى ضحى الغد فلما كان ذا الرأي في الحرب قتله النبي عليه السلام‏.‏

قال‏:‏ ولا تعقرن شجراً بدا ثمره ولا تحرقن نخلاً ولا تقطعن كرماً وبظاهر الحديث استدل الأوزاعي فقال‏:‏ لا يحل للمسلمين أن يفعلوا شيئاً مما يرجع إلى التخريب في دار الحرب لأن ذلك فساد والله لا يحب الفساد واستدل بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ‏}‏ البقرة‏:‏ 205 ولما روي في حديث علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر هذا في وصاياه لأمراء السرايا ذكر أبو الحسن الكرخي الحديث بطوله وقال فيه‏:‏ إلا شجراً يضركم أي يحول بينكم وبين قتال العدو واستدل أيضاً بما روي في الحديث‏:‏ ‏"‏ أوحى الله تعالى إلى نبي من أنبيائه‏:‏ من أراد أن يعتبر بملكوت الأرض فلينظر إلي ملك آل داود وأهل فارس فقال ذلك النبي‏:‏ أما أهل داود فهم أهل لما أكرمتهم به فمن أهل فارس فقال‏:‏‏:‏ إنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي وإذا تبين أن السعي في العمارة محمود تبين أن السعي في التخريب مذموم ولكنا نقول‏:‏ لما جاز قتل النفوس وهو أعظم حرمة من هذه الأشياء لكسر شوكتهم فما دونه من تخريب البنيان وقطع الأشجار لأن يجوز أولى‏.‏

وبيان هذا في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ‏}‏ التوبة‏:‏ 120 وتأويل حديث أبي بكر ما أشار إليه محمد رحمه الله في الكتاب بعد هذا‏.‏

أنه علم بإخبار النبي عليه السلام أن الشام تفتح وتصير للمسلمين فنهاهم عن التخريب وقطع الأشجار على ما بينه بعد هذا وهو تأويل الحديث المروي عن النبي عليه السلام أيضاً ألا ترى أنه نصب المنجنيق على حصن ثقيف وفيه من التخريب ما لا يخفى‏.‏

قال‏:‏ ولا تذبحن بقرة ولا شاة ولا ما سوى ذلك من المواشي إلا لأكل لما روي أن النبي عليه السلام نهى عن ذبح الحيوان إلا لأكله وفي الحديث دليل على أنه يجوز للغانمين تناول الطعام والعلف في دار الحرب وأن ذبح المأكول للأكل من هذه الجملة‏.‏

ثم محمد رحمه الله أعاد هذا الحديث بطريق آخر وزاد في آخره‏:‏ ولا تغلن وفيه بيان حرمة الغلول وهو اسم لأخذ بعض الغانمين شيئاً من الغنيمة سراً لنفسه سوى الطعام والعلف وذلك حرام قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏}‏ آل عمران‏:‏ 168 وقال عليه السلام‏:‏ ‏"‏ الغلول من جمر جهنم ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ ولا تجبنن وهذا لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَهِنُوا‏}‏ آل عمران‏:‏ 139 أي‏:‏ ولا تضعفوا عن القتال وإظهار الغزاة الجبن لضعفهم عن القتال‏.‏

قال‏:‏ ولا تفسدن ولا تعصين قيل‏:‏ معناه‏:‏ ولا تعصيني فيما أمرتك به ففائدة الوصية إنما تظهر بالطاعة وقيل‏:‏ معناه‏:‏ إن كنت تطلب النصرة من الله تعالى فلا تعصه‏.‏

ثم أعاد محمد رحمه الله الحديث بطريق ثالث برواية عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي قال‏:‏ لما جهز أبو بكر رضي الله عنه الجيوش بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي جيوش على بعضها أمر شرحبيل بن حسنة وعلى بعضها يزيد بن أبي سفيان وعلي بعضها عمرو بن العاص رضوان الله عليهم وأمرهم بأن يخرجوا ويجتمعوا في بيار بني شرحبيل وهي على ستة أميال من المدينة وفيه دليل على أن الإمام إذا أراد أن يجهز جيشاً ينبغي له أن يأمرهم بأن يعسكروا خارجاً من البلدة في موضع معلوم ليجتمعوا فيه لأن ارتحالهم من ذلك الموضع بعدما اجتمعوا فيه أيسر من ارتحالهم من بيوتهم جملة‏.‏

ثم أتاهم أبو بكر رضي الله عنه وصلى بهم الظهر ثم قام فيهم فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال‏:‏ إنكم تنطلقون إلى أرض الشام وهي أرض سبعة بالسين وفسروه بكثرة السباع المؤذية فيها وهو تصحيف شبعة أي‏:‏ كثيرة النعم بها يشبع المرء من كثرة ما يرى من النعم فكأنه رغبهم في التوجه إليها فقال‏:‏ إنكم تنتقلون من الجوع واللأواء بالمدينة إلى مثل هذه الأرض المخصبة‏.‏

قال‏:‏ وإن الله ناصركم وممكن لكم حتى تتخذوا فيها مساجد فلا يعلم الله أنكم إنما تأتونها تلهياً وإنما قال ذلك سماعاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قد جاء في حديث معروف عن النبي عليه السلام قال‏:‏ ‏"‏ إنكم ستظهرون على كنوز كسرى وقيصر وبهذا يتبين أنه إنما نهاهم عن التخريب وقطع الأشجار لعلمه أن ذلك كله يصير للمسلمين وإنما كره لهم أن يأتوها تلهياً لأنهم خرجوا للجهاد والجهاد من الدين قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا‏}‏ الأنعام‏:‏ 70‏.‏

قال‏:‏ وإياكم والأشر ورب الكعبة لتأشرن والأشر‏:‏ نوع طغيان يظهر لمن استغنى قال الله تعالى‏:‏‏{‏ إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى‏}‏ العلق‏:‏ 6، 7 فلهذا أقسم أبو بكر رضي الله عنه أنهم يبتلون بذلك لكثرة ما يصيبون من الأموال مع نهيه إياهم عن ذلك ثم الحديث إلى أخره مذكور في الأصل إلى أن قال‏:‏ ثم إذا أنا انصرفت من مقامي هذا فاركبوا ظهروركم ثم صفوا إلي صفاً واحداً حتى آتيكم وهكذا ينبغي للإمام أن يفعل إذا عرض الجيش‏.‏

قال‏:‏ فمر على أولهم حتى أتى على آخرهم يسلم عليهم ويقول‏:‏ اللهم اقبضهم بما قبضت به بني إسرائيل بالطعن والطاعون انطلقوا موعدكم الله وتأويل قوله هذا أنه حثهم على أن يخرجوا لا على قصد الرجوع فإن تسليم النفس لابتغاء مرضاة الله به يتم ودعا لهم بالشهادة في قوله‏:‏ اللهم اقبضهم بما قبضت به بني إسرائيل وقيل‏:‏ مراده ما قال رسول الله عليه السلام‏:‏ ‏"‏ فناء أمتي بالطعن والطاعون وقد كان يكثر ذلك بالشام فسأل أبو بكر رضي الله عنه لهم درجة الشهادة إن ابتلوا بذلك فيه دليل على أنه لا بأس للإنسان أن يدعو لغيره بالشهادة لأنه وإن كان دعاء بالموت صورة فهم دعاء بالحياة معنى‏.‏

وبين أبو بكر أن هذا آخر العهد بلقائهم فأما إن كان مراده الإخبار بقرب أجله أو الإخبار بأنهم لا يرجعون إليه فإنه لا يلقاهم قبل القيامة‏.‏

قال‏:‏ فانطلقوا حتى نزلوا بالشام وجمعت لهم الروم جموعاً عظيمة من مدائن الشام فحدث بذلك أبو بكر رضي الله عنه فأرسل إلى خالد بن الوليد وهو بالعراق أن اصرف بثلاثة آلاف فارس فأمد بهم إخوانك بالشام ثم قال‏:‏ العجل العجل فوالله لقرية من قرى الشام أحب إلي من رستاق عظيم من العراق وهكذا ينبغي للإمام أنه إذا بلغه كثرة جمع الأعداء على جيش من المسلمين أن يمدهم ليتقووا به وأن يحث المدد على التعجيل ليحصل المقصود بوصولهم إليهم قبل أن ينهزموا فالمنهزم لا يرده شيء وإنما قدم أبو بكر الشام على العراق لأن الشام بلدة مباركة لأنه موضع المرسلين‏.‏

قال‏:‏ فأقبل خالد مغذاً جواداً بمن معه يريد بقوله‏:‏ مغذاً أي مسرعاً لما أتى من أمر الخليفة يقال أغذ القوم إذا أسرعوا السير‏.‏

ثم شق الأرض حتى خرج إلى ضمير وذنبه فوجد المسلمين معسكرين بالجابية قال‏:‏ فتسامع بخالد أعراب العرب الذين كانوا في مملكة الروم ففزعوا له لأنه كان مشهوراً بالجلادة وقد سماه النبي عليه السلام ‏"‏ سيف الله ‏"‏ وفي ذلك يقول قائلهم‏:‏ شعر‏.‏

آلا فأصبحينا قبل خيل أبي بكر لعل منايانا قريب وما ندري وقصة هذا مذكورة في المغازي أن قائل هذا البيت كان رجلاً من عظماء المرتدين أتته مجاريته بقصعة فيها شراب فأسند ظهره إلى حائط وذكر هذا البيت ثم جعل يشرب فاتفق أن رجلاً من أصحاب خالد تسور الحائط فلما سمع ضرب على عاتقه ضربة ندر منها رأسه في القصعة‏.‏

قال‏:‏ فنزل خالد بن الوليد على الأمراء الثلاثة وسارت الروم من أنطاكية وحلب وقنسرين وحمص وحماة وخرج هرقل كارهاً لمسيرهم متوجهاً نحو أرض الروم وسار باهان في الهرمينية إلى الناس بمن كان معه وهرقل ملك الروم وباهان صاحب جيشه فتبين أنهم اجتمعوا عن آخرهم‏.‏

واجتمع أمراء المسلمين في خباء يبرمون أمر الحرب بينهم وعندهم رجل يقال له‏:‏ قضاعة قد بعثوه فاجتس لهم أمر القوم ثم جاءهم فخلوا به أي بعثوه جاسوساً وهكذا ينبغي لأمير الجيش أن يبعث جاسوساً يأتيه بم يعزم عليه العدو من الرأي وأن يخلو به إذا رجع لكيلا يشتهر هو ولكيلا يقف جميع الجيش على ما قصده العدو فلا يصير ذلك سبباً لجبنهم‏.‏

قال‏:‏ فأقبل أبو سفيان يتوكأ على عصاة فقال‏:‏ السلام عليكم فقالوا‏:‏ وعليك السلام لا تقربنا وإنما قالوا ذلك لأنهم يتهمونه بأنه لم يحسن إسلامه‏.‏

فقال أبو سفيان‏:‏ ما كنت أرى أن أعيش حتى أكون بحضرة قوم من قريش يبرمون أمر حربهم وأنا بينهم ولا يحضروني أمرهم وإنما قال هذا لأنه كان مشهوراً بينهم بالرأي في الحرب فقال بعضهم‏:‏ هل لكم في رأي شيخكم فإن له رأياً في الحرب قالوا‏:‏ نعم فدعوه فدخل فقالوا‏:‏ أشر علينا فقال‏:‏ أبو سفيان‏:‏ أنتم الأمراء فقالوا‏:‏ ما بنا غنى عن رأيك فقال أبو سفيان‏:‏ كأني أرى في المرج تلاً عظيماً قالوا‏:‏ بلى قال‏:‏ فإني أرى أن ترتحلوا حتى تجعلوا ذلك التل خلف ظهوركم ثم تؤمروا عكرمة بن أبي جهل على خيل وتجعلوا معه كل نابض بوتر أي رام عن قوس فإن لي به خبراً أي علماً بأنه يصلح لذلك فإذا نادى بلال النداء الأول لصلاة الغداة فليخرج عكرمة وتلك الرماة معه فليصف أولئك الرماة عند صدور خيولهم فإن هاجهم هيج من الليل كانوا مستعدين بإذن الله تعالى وهذا رأي حسن أشار به عليهم وقد كان فعله رسول الله عليه السلام يوم أحد وكان سبباً لانهزام المشركين لولا ما ظهر من عصيان الرماة وهو طلبهم الغنيمة على ما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ‏}‏ آل عمران‏:‏ 152‏.‏

قال‏:‏ فقبلوا ذلك من رأي أبي سفيان لعلهم بأنه قد نصحهم وأقبلت خيل من الروم عظيمة تريد بياتهم فسمعوا رغاء الإبل فلم يشكوا أن العرب قد هربت وأقبلوا عباديد أي متفرقين يقال‏:‏ طير عباديد إذا كانوا متفرقين‏.‏

وسابق بعضهم بعضاً من غير تعبية فوجدوا خيل عكرمة والرماة مستعدين لم تعلم الروم بهم فحملوا في وجوه القوم فلم يزل الله ينصرهم بقتلهم حتى إذا كادت الشمس تطلع ولوا هاربين إلى عسكرهم عند الواقوصة وانصرف عكرمة وأصحابه إلى عسكر المسلمين فكان ذلك أول الفتح ثم قاتلوهم بعد ذلك فأرسل باهان إلى خالد بن الوليد أن اخرج إلي حتى أكلمك فبرز خالد وبينهما ترجمان فقال باهان لخالد‏:‏ هلم إلى أمر نعوضه عليكم تنصرفون ونحمل من كان منكم راجلاً ونوقر لكم ظهوركم وفي رواية‏:‏ ونوقر لكم طعاماً وإداماً والأول أصبح ونأمر لكم بدنانير خمسة خمسة فإنا نعلم أنكم في أرض قليلة الخير وإنما حملكم على المسير ذلك فقال له خالد‏:‏ ما حملنا على المسير ما ذكرت من شدة العيش في بلادنا ولكن قاتلنا من وراءنا في الأمم فشربنا دماءهم فحدثنا أنه ليس من قوم أحلى دماً من الروم فأقبلنا إليكم لنشرب دماءكم فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا‏:‏ حق والله ما حدثنا عنهم يعنون ما أخبرنا به أنهم لا ينصرفون إلا بقبول الدين أو الجزية أو الانقياد لهم شئنا أو أبينا ثم استدل محمد رحمه الله على جواز قطع النخيل وتخريب البيوت في دار الحرب بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ‏}‏ الحشر‏:‏ 5 قال الزهري‏:‏ هو جمع أنواع النخل ما خلا العجوة وقال الضحاك‏:‏ اللينة‏:‏ النخلة الكريمة والشجرة التي هي طيبة الثمرة ونزول الآية في قصة بني النضير فإن النبي عليه السلام حين قدم المدينة صالحهم على أن لا يكونوا عليه ولا له ثم خرج إليهم يستعين بهم في دية الكلابيين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري ومعه أبو بكر وعمر وعلي رضوان الله عليهم فقالوا‏:‏ اجلس يا أبا القاسم حتى نطعمك ونعطيك ما تريد ثم خلا بهم حيي بن أخطب فقال‏:‏ لا تقدرون على قتله في وقت يكون عليكم أهون منه الآن فهموا بقتل رسول الله عليه السلام وجاء جبريل عليه السلام فأخبر بذلك رسول الله عليه السلام فقام متوجهاً إلى المدينة وفي ذلك نزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ‏}‏ المائدة‏:‏ 11 ثم سار إليهم فحاصرهم وقال‏:‏ اخرجوا من جواري على أن تأتوا كل عام فتجدوا ثماركم فقالوا‏:‏ لا نفعل فحاصرهم خمس عشرة ليلة وكانوا قد سدوا دروب أزقتهم وجعلوا يقاتلون المسلمين من وراء الجدر كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ‏}‏ الحشر‏:‏ 14 فجعل المسلمون يخربون بيوتهم ليتمكنوا من الحرب‏.‏

وكلما نقبوا جدار بيت من جانب ليدخلوا نقبوا هم من الجانب الأخر ليخرجوا إلى بيت آخر كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ الحشر‏:‏ 2 فلما لحقهم من العسر ما لحقهم ولم يأتهم أحد من المنافقين وقد كانوا وعدوا لهم ذلك أي المنافقين وعدوا بني النضير النصرة كما قال الله تعالى حكاية عنهم‏:‏ ‏{‏وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ‏}‏ الحشر‏:‏ 11 وقد كان أمر رسول الله بقطع النخيل فقطعت وكان العذق أحب إلى أحدهم من الوصيف فقال بعضهم لبعض‏:‏ ليس لنا مقام بعد النخيل فنادوه‏:‏ يا أبا القاسم قد كنت تنهى عن الفساد فما للنخيل تقطع وتحرق أتؤمننا على دمائنا وذرارينا وعلى ما حملت الإبل إلا الحلقة يعني السلاح قال‏:‏ نعم ففتحوا الحصون وأجلاهم على ما وقع الصلح عليه وفي رواية استعمل رسول الله عليه السلام أبا ليلى المازني وعبد الله بن سلام أبا لبابة على قطع نخيلهم وكان أبو ليلى يقطع العجوة وعبد الله يقطع اللون فقيل لأبي ليلى‏:‏ لم قطعت العجوة‏:‏ قال‏:‏ لأنها كانت أغيظ لهم وقيل لابن سلام‏:‏ لم قطعت اللون قال‏:‏ علمت أن الله مظهر نبيه ومغنمه أموالهم فأحببت إبقاء العجوة وهي خيار أموالهم ففي ذلك نزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ‏}‏ الآية وفي رواية‏:‏ نادى اليهود من فوق الحصون‏:‏ تزعمون أنكم مسلمون لا تفسدون وأنتم تعقرون النخل والله ما أمر بهذا فاتركوها لمن يغلب من الفريقين فقال بعض المسلمين‏:‏ صدقوا وقال بعضهم‏:‏ بل نعقرها كبتاً وغيظاً لهم فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ‏}‏ رضاء بما قال الفريقان‏.‏

واستدل بحديث أسامة بن زيد أن النبي عليه السلام كان عهد أن يغير على أبنى صباحاً ثم يحرق وفي رواية‏:‏ أبيات صباحاً وهو اسم موضع كان قتل أبوه زيد بن حارثة في ذلك الموضع ووجد رسول الله عليه السلام موجدة شديدة على ذلك وأمره على ثلاثة آلاف رجل وأمره أن يذهب بهم إلى ذلك الموضع ويشن الغارة عليهم ثم يحرق وقبض رسول الله عليه السلام‏.‏

قبل خروجه ونفذ أبو بكر رضي الله عنه جيشه كما أمر رسول الله عليه السلام‏.‏

وعن الزهري أن النبي عليه السلام لما مر من أوطاس يريد الطائف بدا له قصر مالك بن عوف النصري فأمر به أن يحرق وفي ذلك قال حسان‏:‏ وهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير قال محمد رحمه الله‏:‏ فقد أمر بتحريق قصره وليس بمحاصر له وإنما أمر به لأن فيه كبتاً وغيظاً له فقد كان هو أمير الجيش في حصن الطائف فعرفنا أنه لا بأس به ثم قال‏:‏ ثم انتهى رسول الله عليه السلام إلى الطائف فأمر بكرومهم أن تقطع وفي ذلك قصة قد ذكرت في المغازي أنهم عجبوا من ذلك وقالوا‏:‏ النخلة لا تثمر إلا بعد عشر سنين وكيف العيش بعد قطعها ثم أظهر بعضهم الجلادة فنادوا من فوق الحصن‏:‏ لنا في الماء والتراب والشمس خلف مما تقطعون فقال بعضهم‏:‏ هذا إن لو تمكنت من الخروج في جحرك وأمر رسول الله عليه السلام بقطع نخيل خيبر حتى مر عمر رضي الله عنه بالذين يقطعون فهم أن يمنعهم فقالوا أمر به رسول الله عليه السلام فأتاه عمر رضي الله عنه فقال‏:‏ أنت أمرت بقطع النخيل قال‏:‏ نعم قال‏:‏ أليس وعدك الله خيبر قال‏:‏ بلى فقال عمر‏:‏ إذا تقطع نخيلك ونخيل أصحابك فإمر منادياً ينادي فيهم بالنهي عن قطع النخيل قال الراوي‏:‏ فإخبرني رجال رأوا السيوف في نخيل النطاة وقيل لهم‏:‏ هذا مما قطع رسول الله عليه السلام والنطاة‏:‏ اسم حصن من حصون خيبر وقد كانت لهم ستة حصون‏:‏ الشق والنطاق والقموص والكتيبة والسلالم والوطيحة‏.‏

قال‏:‏ كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى خليفته بالشام‏:‏ انظر من قبلك فمرهم فلينتعلوا وليحتفوا أي يمشوا أحياناً بغير نعل وأحياناً في النعال ليتعودوا ذلك كله وفي رواية‏:‏ فليتنعلوا وهو الصحيح جاء في الحديث‏:‏ كان رسول الله عليه السلام يحب التيامن حتى في تنعله وترجله يعني‏:‏ ترجيل الشعر أو المراد بالترجل النزول عن الدابة وإنما أمرهم بهذا للإشفاق عليهم حتى إذا ابتلوا بالمشي حفاة في دار الحرب لا يشق عليهم وفي قصة الغار قال أبو بكر رضي الله عنه‏:‏ فنظرت إلى بطن قدم رسول الله عليه السلام حين دخل الغار وهو يقطر دما لأنه لم يتعود الحفية ولهذا استحبوا الاحتفاء في المشي بين الفرضين‏.‏

قال‏:‏ وليأتزروا وليرتدوا أي لا يخرجوا للصلاة وللناس إلا في إزار ورداء فالصلاة إن كانت تجري في ثوب واحد إذا توشح به فالمستحب أن يصلي في إزار ورداء وإنما أمر بالرداء لأنه زي العرب‏.‏

قال‏:‏ وليؤدبوا الخيل والمراد به رياضة الخيل لتكون ألين عطفاً عند الحاجة أو ليؤدبوا الخيل على النفار على ما جاء في الحديث‏:‏ تضرب الدابة على النفار ولا تضرب على العثار لأن العثار قد يكون من سوء إمساك الراكب للجام والنفار من سواء خلق الدابة فتؤدب على ذلك‏.‏

قال ولا يظهر لهم صليب معناه‏:‏ لا تمكنوا أهل الذمة من إظهار الصليب في أمصار المسلمين والمرور به في الطرق لأن ذلك يرجع إلى الاستخفاف بالمسلمين وما أعطيناهم الذمة على أن يستخفوا بالمسلمين‏.‏

قال‏:‏ ولا يجاورنهم الخنازير ومعناه أنهم يمنعون أهل الذمة من إظهار الخمور والخنازير وبيعها في أمصار المسلمين لأن ذلك معصية ولا يتمكنون من إظهارها ولكنهم لا يمنعون من أن يفعلوا ذلك في بيوتهم وكنائسهم التي وقع الصلح عليها لأن هذا ليس بأشد من شركهم وعبادتهم غير الله ولا يمنعون من ذلك في بيوتهم‏.‏

قال‏:‏ ولا يقعدون على مائدة يشرب عليها الخمر وهكذا ينبغي للمسلم أن لا يقعد على مثل هذه المائدة ولكنه يمنع من شرب الخمر على وجه النهي عن المنكر إن أمكن من ذلك وأن لا يجوز من ذلك الموضع فإن اللعنة تنزل عليهم كما قال عليه السلام في أشراط الساعة‏:‏ تدار الكأس على موائدهم واللعنة تنزل عليهم‏.‏

قال‏:‏ ولا يدخلن الحمام إلا بإزار لأن ستر العورة فريضة وفي الحديث‏:‏ ‏"‏ من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بإزار ولا يدخل حليلته الحمام ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وإياكم وأخلاق الأعاجم يعني في التنعم وإظهار التجبر ومما يكون مخالفاً لأخلاق المسلمين من أخلاق الأعاجم وهم المجوس فقد علمنا أنه لم يرد النهي عما هو من أخلاق المسلمين ثم بين محمد رحمه الله تفسير الحديث على ما بينا وقال في آخره‏:‏ فإن أرادوا إظهار شيء مما ذكرنا فليفعلوه خارجاً من أمصار المسلمين يعني في القرى لأن المصر موضع أعلام الدين ففي إظهار ذلك فيها استخفاف بالمسلمين وذلك ينعدم في القرى فأهل القرى كما وصفهم به رسول الله عليه السلام فقال‏:‏ ‏"‏ هم أهل الكفور هم أهل القبور ‏"‏ يشير إلى جهلهم وقلة تعاهدهم لأمر الدين قال الشيخ الإمام شمس الأئمة رحمه الله‏:‏ والصحيح عندي أن مراد محمد بهذا الجواب قرى الكوفة فإن عامة أهلها أهل الذمة والروافض فأما في ديارنا يمنعون من إظهار ذلك في القرى التي يسكنها المسلمون كما يمنعون في الأمصار فإن القرى في ديارنا لا تخلو عن مساجد الجماعة وعن واعظ يعظهم عادة وذلك من أعلام الدين أيضاً‏.‏

وذكر عن أبي أسيد الساعدي أن النبي عليه السلام قال يوم بدر‏:‏ إذا كثبوكم فارموهم ولا تسلوا السيوف حتى تغشوهم وممنى قوله‏:‏ كثبوكم قربوا منكم وازدحموا عليكم وهو أدب حسن أمرهم بأن يدفعوا العدو عن أنفسهم بالرمي عند الحاجة وهذا حين كان نهاهم عن القتال على ما روي في القصة أنه حين دخل العريش مع أبي بكر رضي الله عنه للمناجاة نهى الناس عن القتال وقال هذه المقالة وفي قوله‏:‏ ولا تسلوا السيوف حتى تغشوهم بيان أنه لا ينبغي للغازي أن يسل سيفه حتى يصير من العدو بحيث تصل إليه ضربته لا أن ذلك مكروه في الدين ولكنه من مكايدة العدو فبريق السيف مخوف للعدو في أول ما يقع بصره عليه وقيل‏:‏ إن سل السيف قبل أن يقرب من العدو فشل‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ‏}‏ الأنفال‏:‏ 46‏.‏

M0ا الإمارة قال‏:‏ ينبغي للإمام إذا بعث سرية قلت أو كثرت أن لا يبعثهم حتى يؤمر عليهم بعضهم وإنما يجب هذا اقتداء برسول الله عليه السلام فإنه داوم على بعث السرايا وأمر عليهم في كل مرة ولو جاز تركه لفعله مرة تعليماً للجواز ولأنهم يحتاجون إلى اجتماع الرأي والكلمة وإنما يحصل ذلك إذا أمر عليهم بعضهم حتى إذا أمرهم بشيء أطاعوه في ذلك فالطاعة في الحرب أنفع من بعض القتال ولا تظهر فائدة الإمارة بدون الطاعة قال عليه السلام‏:‏ ‏"‏ من أطاعني فليطع أميري ومن عصى أميري فقد عصاني ‏"‏‏.‏

ثم استدل محمد رحمه الله على ما قلنا بحديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال‏:‏ ‏"‏ إذا اجتمع ثلاثة نفر فليؤمهم أكثرهم قرآنا وإن كان أصغرهم وإنما قدمه لأنه أفضلهم ثم قال إذا أمهم فهو أميرهم فذلك أمير أمره رسول الله عليه السلام وبنحو هذا الحديث استدل الصحابة على خلافة أبي بكر رضي الله عنه وقالوا‏:‏ قد اختاره رسول الله لأمر دينكم فكيف لا ترضون به لأمر دنياكم‏!‏ وكذلك إن كانا رجلين ليس معهما غيرهما فالأفضل أن يؤمر أحدهما على صاحبه لأن ذلك أحرى أن يتطاوعا ولا يختلفا‏.‏

وذكر محمد رحمه الله في الكتاب حديث سلمان بن عامر‏:‏ أن النبي عليه السلام كان في بعض أسفاره فأسرى من تحت الليل إي سار فتقطع الناس أي تفرقوا في غلبة النوم فمالت راحلتا أبي بكر وأبي عبيدة رضي الله عنهما بهما إلى شجرة فجعلتا تصيبان منها وهما نائمان فاستيقظا وقد مضى النبي عليه السلام وأصحابه ونزلوا فلما كانا بحيث يسمعهما النبي عليه السلام ناداهما‏:‏ ألا هل أمرتما قالا‏:‏ بلى يا رسول الله فقال‏:‏ ألا رشدتما أي أصبتما الصواب وكذلك المسافرون إذا خافوا اللصوص فينبغي لهم أن يؤمروا عليهم أميراً ليطيعوه ويصدروا عن رأيه عند الحاجة إلى القتال فإما إذا لم يخافوا ذلك فلا بأس بأن لا يؤمروا أحداً قال‏:‏ وينبغي أن يستعمل على ذلك البصير بأمر الحرب الحسن التدبير لذلك ليس ممن يقحم بهم في المهالك ولا ممن يمنعهم عن الفرصة إذا رأوها لأن الإمام ناظر لهم وتمام النظر أن يؤمر عليهم من جربه بهذه الخصال فإنه إذا كان يمنعهم من الفرصة يفوتهم ما لا يقدرون على إدراكه على ما قيل‏:‏ الفرصة خلسة وإذا اقتحم في المهالك من جرأته لم يجدوا بداً من متابعته ثم يخرج هو بقوته وربما لا يقدرون على مثل ما قدر هو فيهلكون وروي في تأييد هذا حديث عمر رضي الله عنه فإنه كان يكتب إلى عماله لا تستعملوا البراء بن مالك على جيش من جيوش المسلمين فإنه هلكة من الهلك يقدم بهم والبراء أخو أنس بن مالك رضي الله عنهما كان من جملة كبار صحابة رسول الله في الزهد وفي درجته ما قال رسول الله عليه السلام‏:‏ ‏"‏ رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه به لو أقسم على اله لأبره منهم البراء بن مالك ‏"‏ وقد روي أن الأمر اشتد على المسلمين في بعض الغزوات فقيل البراء بن مالك‏:‏ ألا تدعو وقد قال رسول الله عليه السلام ما قال فرفع يديه وقال‏:‏ اللهم امنحنا أكتافهم فولوا منهزمين في الحال ومع هذا نهى عمر رضي الله عنه عن تأميره لجرأته فإنه كان يقتحم المهالك ولا يبالي به‏.‏

ويحكى عن نصر بن سيار مقرب البرامكة الذي أخرجه أبو مسلم عن مرو أنه قال‏:‏ اجتمع عظماء العجم على أن من كان صاحب جيش فينبغي أن يكون فيه عشر خصال من خصال البهائم‏:‏ شجاعة كشجاعة الديك وتحنن كتحنن الدجاجة يعني الشفقة وقلب كقلب الأسد وغارة كغار الذئب وحملة كحملة الخنزير وصبر كصبر الكلب أي على الجراحة وحرص كحرص الكركي وروغان كروغان الثعلب أي الحيل وحذر كحذر الغراب وسمن كسمن الدابة التي لا ترى مهزولة أبداً وهي تكون بخراسان‏.‏

قال محمد رحمه الله‏:‏ فإن كان الأمير لا بصر له بذلك فليجعل معه وزيراً يبصره ذلك قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ‏}‏ طه‏:‏ 29 30 31 فإن لم يجعل معه وزيراً فليدع الأمير قوماً من السرية يبصرون ذلك فيشاورهم فيأخذوا بقوله لأن النبي عليه السلام كان يشاور الصحابة حتى في قوت أهله وإدامهم وبذلك أمر قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ‏}‏ آل عمران‏:‏ 159 وقال النبي عليه السلام ‏"‏ ما هلك قوم عن مشورة قال‏:‏ ثم يأمر الناس بذلك فيطيعونه ولا يخالفونه لقوله عليه السلام‏:‏ ‏"‏ لا تحل الجنة لعاص ‏"‏ أمر بأن ينادى به يوم خيبر حين نهاهم عن القتال فقيل له استشهد فلان فقال عليه السلام‏:‏ أبعد ما نهيت عن القتال قالوا‏:‏ نعم فقال‏:‏ لا تحل الجنة لعاص فمع درجة الشهادة قال في حقه ما قال ليبين أن العصيان فيما لا يتيقن فيه الخطأ من الأمير لا يحل بحال‏.‏

ذكر محمد رحمه الله حديث صخر الغامدي أن النبي عليه السلام قال‏:‏ اللهم بارك لأمتي في بكورهم وكان إذا أراد أن يبعث سرية بعثهم أول النهار فيه دليل على أن صاحب الحاجة ينبغي له أن يبتكر للسعي في حاجته فذلك أقرب إلى تحصيل مراده ببركة دعاء رسول الله عليه السلام وكان رسول الله يقول‏:‏ ‏"‏ البكرة رباح أو نجاح ‏"‏ ولأجل هذا استحبوا الابتكار لطلب العلم وقيل إنما ينال العلم ببكور كبكور الغراب وفيه دليل على أن الإمام إذا أراد أن يبعث سرية يندب إلى أن يبعثهم أول النهار وقد قيل‏:‏ ينبغي أن يختار لذلك الخميس والسبت لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال‏:‏ ‏"‏ اللهم بارك لأمتي في بكورها سبتها وخميسها ‏"‏‏.‏

وذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى رجلاً قد عقل راحلته فقال‏:‏ ما يحبسك قال‏:‏ الجمعة يا أمير المؤمنين قال‏:‏ الجمعة لا تحبس مسافراً فأذهب ففيه دليل على أنه لا بأس بالخروج يوم الجمعة للغزو أو للحج أو لسفر آخر بخلاف ما يقوله بعض الناس من المتقشفة‏:‏ أنه يكره الخروج يوم الجمعة للسفر لما فيه من شبهة الفرار عن أداء الجمعة لكنا نقول‏:‏ الخروج في سائر الأيام جائز من غير كراهة وليس فيه فرار عن شطر الصلاة والخروج في رمضان جائز فقد خرج رسول الله من المدينة إلى مكة لليلتين خلتا من رمضان ولم يكن فيه شبهة الفرار عن أداء الصوم ثم لا شك أن الجمعة غير واجبة عليه قبل الزوال وهو مسافر بعد الزوال ولا جمعة على المسافر فكيف يكون سفره فراراً عن واجب عليه وكما يباح له الخروج قبل الزوال يباح له الخروج بعد الزوال عندنا خلافاً للشافعي رحمه الله فإنه يعتبر في وجوب أداء العبادات المؤقته أول الوقت وإذا كان هو مقيماً في أول الوقت وجب عليه أداء الجمعة على وجه لا يتغير بالسفر عنده كما يجب أداء الظهر في سائر الأيام على وجه لا يتغير بالسفر عنده فأما عندنا المعتبر آخر الوقت في حكم وجوب الأداء لا على وجه لا يتغير ولهذا لو كان مسافراً في آخر الوقت في سائر الأيام يلزمه صلاة السفر ففي هذا اليوم إذا كان يخرج من عمران مصره قبل خروج وقت الظهر بل يجب عليه الجمعة ولا بأس له بالمسافرة لما قبل الزوال وإن كان يعلم أنه لا يخرج من مصره حتى يمضي وقت الظهر فليشهد الجمعة لأنها تلزم إذا كان في المصر في آخر الوقت وليس له أن يخرج قبل أدائها وفي الكتاب يقول‏:‏ لأنها فريضة عليه وهذا التعليل على أصل محمد فأصل الفرض عنده في حق المقيم الجمعة وقد بينا الاختلاف هذا في كتاب الصلاة وزفر رحمه الله لا يعتبر آخر الوقت وإنما يعتبر حال يضيق الوقت بحيث لا يسع لأداء الجمعة بناء على أصله أن السببية للوجوب تتعين في ذلك الجزء حتى لا تسع التأخير عنه ولهذا قال‏:‏ لا تسقط الصلاة باعتراض الحيض بعد ذلك وكذلك إذا كان لا يخرج من مصره حتى يضيق الوقت فينبغي له أن يشهد الجمعة‏.‏

قال‏:‏ وكان شيخنا الإمام شمس الأئمة يقول‏:‏ عندي في هذه المسألة نوع إشكال وهو أن اعتبار آخر الوقت إنما يكون فيما ينفرد هو بأدائه وهو سائر الصلوات فأما الجمعة لا ينفرد هو بأدائها بل مع الإمام والناس فينبغي أن يعتبر وقت أدائهم حتى إذا كان لا يخرج من المصر قبل أداء الناس الجمعة ينبغي أن يلزمه شهود الجمعة وهذه الشبهة تتقرر على اصل زفر رحمه الله فإنه يعتبر التمكن من الأداء ولهذا يعين السببية في الجزء الذي يتضيق عقيبه وقت الأداء فأما عندنا إنما تتعين السببية في آخر جزء من أجزاء الوقت‏.‏

قال‏:‏ وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول اله عليه السلام‏:‏ ‏"‏ خير الأصحاب أربعة وخير السرايا أربع مائة وخير الجيوش أربعة آلاف ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة إذا كانت كلمتهم واحدة قيل‏:‏ معنى قوله‏:‏ ‏"‏ خير الأصحاب أربعة ‏"‏ يعني خير أصحابي فيكون إشارة إلى الخلفاء الراشدين أنهم خير أصحابه وقيل‏:‏ بل المراد ما هو الظاهر وهو دليل لأبي حنيفة ومحمد رحمه الله أن الجمعة تتأدى بثلاثة نفر سوى الإمام لأن خير الأصحاب ما يتأدى الفرض بمعاونتهم وفيه دليل على أن السرية أقل من الجيش وإنما سموا سرية لأنهم يسرون بالليل ويكمنون بالنهار لقلة عددهم وسمي الجيش جيشاً لأنه يجيش بعضه في بعض لكثرة عددهم ولم يرد به أن ما دون الأربع مائة لا يكون سرية وإنما مراده أنهم إذا بلغوا أربع مائة فالظاهر من حالهم أنهم لا وقوله‏:‏ ‏"‏ ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة دليل على أنه لا يحل للغزاة أن ينهزموا وإن كثر العدو وإذا بلغوا هذا المبلغ لأن من لا يغلب فهو غالب ولكن هذا إذا كانت كلمتهم واحدة فقد كان المسلمون يوم حنين اثني عشر ألفاً ثم ولوا منهزمين كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ‏}‏ التوبة‏:‏ 25 ولكن لم تكن كلمتهم واحدة لاختلاط المنافقين والذين أظهروا الإسلام من أهل مكة بهم يومئذ ولم يحسن إسلامهم بعد فإما عند اتحاد الكلمة فلا يحل لهم الفرار لأنهم ثلاثة جيوش‏:‏ أربعة آلاف على الميمنة وهم خير الجيوش ومثل ذلك في الميسرة ومثل ذلك في القلب وأدنى الجمع المتفق عليه يساوي أكثر الجمع في الحكم‏.‏

وذكر عن رسول الله عليه السلام أنه قال‏:‏ خير أمراء السرايا زيد بن حارثة أقسمه بالسوية وأعدله في الرعية وزيد هذا مولى رسول الله عليه السلام فقد كان لخديجة وهبته لرسول الله عليه السلام فأعتقه وتبناه إلى أن انتسخ حكم التبني فهو مولاه وفيه نزل قوله تعالى ‏{‏وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ‏}‏ الأحزاب‏:‏ 37 أي أنعم الله عليه بالإسلام وأنعمت عليه بالإعتاق ثم أمره رسول الله عليه السلام على ثماني سرايا إلى أن قتل يوم مؤتة فأثنى عليه أنه خير الأمراء وعين لتحقيق صفة الخيرية هاتين الخصلتين لأن أمير السرية يحتاج إليهما وهو أن يعتبر المعادلة في القسمة بينهم فيما ينالونه وينصف بعضهم من بعض فيما يرجعون إليه فقد فوض ذلك إليه وبعض الناس عابوا على محمد رحمه الله في رواية هذا اللفظ فإن من حق الكلام أن يقول‏:‏ أقسمهم بالسوية وأعدلهم بالرعية ولكنا نقول‏:‏ روى محمد رحمه الله الخبر بهذا اللفظ فدل على صحة استعماله‏.‏

قال‏:‏ ولا بأس للإمام أن يبعث الرجل الواحد سرية أو الاثنين أو الثلاثة إذا كان محتملاً لذلك لما روي أن النبي عليه السلام بعث حذيفة بن اليمان في بعض أيام الخندق سرية وحده وبعث عبد الله بن أنيس سرية وحده وبعث دحية الكلبي سرية وحده وبعث ابن مسعود وخبابا سرية والذي روي أن النبي عليه السلام نهى أن تبعث سرية دون ثلاثة نفر تأويله من وجهين‏:‏ إما أن يكون ذلك على وجه الإشفاق بالمسلمين من غير أن يكون ذلك مكروهاً في الدين أو يكون المراد بيان الأفضل أن لا يخرج أقل من ثلاثة ليتمكنوا من أداء الصلاة بالجماعة على هيأتها بأن يتقدم أحدهم ويصطف الاثنان خلفه وهذا معنى ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال‏:‏ ‏"‏ الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب ‏"‏ ومن حيث المعنى نقول‏:‏ ليس المقصود من بعث السرايا القتال فقط بل تارة يكون المقصود أن يتحسس خبر الأعداء فيأتيه بما عزموا عليه من السر وتمكن الواحد من الدخول بينهم لتحصيل هذا المقصود هذا المقصود أظهر من تمكن الثلاثة وقد يكون المقصود أن يأتيه أحدهما بالخبر ويمكث الآخر بين الأعداء ليقف على ما يتجدد لهم من الرأي بعد ما ينفصل عنهم الواحد وهذا يتم بالمثنى وقد يكون المقصود القتال أو التوصل إلى قتل بعض المبارزين منهم غيلة وبالثلاثة فصاعداً يحصل هذا المقصود ولهذا كان الرأي فيه إلى الأمير يعمل بما فيه نظر للمسلمين‏.‏