فصل: رجال البيعة الأولى : رجال من بني النجار

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: سيرة ابن هشام المسمى بـ «السيرة النبوية» **


 بيعة العقبة الأولى ، و مصعب بن عمير

حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا ، فلقوه بالعقبة ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ وهي العقبة الأولى ، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء ، وذلك قبل أن تفترض عليهم الحرب ‏‏.‏‏

 رجال البيعة الأولى من بني النجار

منهم من بني النجار ، ثم من بني مالك بن النجار ‏‏:‏‏ أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار ، وهو أبو أمامة ؛ وعوف ، ومعاذ ، ابنا الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار ، وهما ابنا عفراء ‏‏.‏‏

 رجال العقبة الأولى من بني زريق

ومن بني زريق بن عامر ‏‏:‏‏ رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق ؛ وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد ابن عامر بن زريق ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ذكوان ، مهاجري أنصاري ‏‏.‏‏

 رجال العقبة الأولى من بني عوف

ومن بني عوف بن الخزرج ، ثم من بني غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج ، وهم القواقل ‏‏:‏‏ عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم ؛ وأبو عبدالرحمن ، وهو يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم بن عمرو بن عمارة ، من بني غُصينة ، من بلي ، حليف لهم ‏‏.‏‏

مقالة ابن هشام في اسم القواقل

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وإنما قيل لهم القواقل ، لأنهم كانوا إذا استجار بهم الرجل دفعوا له سهما ، وقالوا له ‏‏:‏‏ قوقل به بيثرب حيث شئت ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ القوقلة ‏‏:‏‏ ضرب من المشي ‏‏.‏‏

 رجال العقبة من بني سالم

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ومن بني سالم بن عوف بن عمرو بن الخزرج ، ثم من بني العجلان بن زيد بن غنم بن سالم ‏‏:‏‏ العباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان ‏‏.‏‏

 رجال العقبة من بني سَلِمة ، بلام مكسورة

ومن بني سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج ، ثم من بني حرام بن كعب بن غنم بن سلمة ‏‏:‏‏ عقبة بن عامر بن نابي بن زيد بن حرام ‏‏.‏‏

 رجال العقبة من بني سواد

ومن بني سواد بن غنم بن كعب بن سلمة ‏‏:‏‏ قطبة بن عامر بن حديدة ابن عمرو بن غنم بن سواد ‏‏.‏‏

 رجال العقبة من الأوس

وشهدها من الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر ، ثم من بني عبدالأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس ‏‏:‏‏ أبو الهيثم بن التَّيَّهان ، واسمه مالك ‏‏.‏‏ ‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ التَّيهان ‏‏:‏‏ يخفف ويثقل ، كقوله مَيْت وميِّت ‏‏.‏‏

 رجال العقبة من بني عمرو

ومن بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس ‏‏:‏‏ عويم بن ساعدة ‏‏.‏‏

 عهد رسول الله على مبايعي العقبة ، و نص البيعة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي مرثد بن عبدالله اليزني ، عن عبدالرحمن بن عسيلة الصنابحي ، عن عبادة بن الصامت ، قال ‏‏:‏‏ كنت فيمن حضر العقبة الأولى ، وكنا اثنى عشر رجلا ، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء ، وذلك قبل أن تفترض الحرب ، على أن لا نشرك بالله شيئا ، ولا نسرق ، ولا نزني ، ولا نقتل أولادنا ، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ، ولا نعصيه في معروف ‏‏.‏‏ فإن وفَّيتم فلكم الجنة ، وإن غشيتم من ذلك شيئا فأمركم إلى الله عز وجل إن شاء عذب وإن شاء غفر ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وذكر ابن شهاب الزهري ، عن عائذ الله بن عبدالله الخولاني أبي إدريس أن عبادة بن الصامت حدثه أنه قال ‏‏:‏‏ بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الأولى على أن لا نشرك بالله شيئا ، ولا نسرق ، ولا نزني ، ولا نقتل أولادنا ، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ، ولا نعصيه في معروف ؛ فإن وفيتم فلكم الجنة ، وإن غشيتم من ذلك شيئا فأُخذتم بحده في الدنيا ، فهو كفارة له ، وإن سُترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله عز وجل ، إن شاء عذب ، وإن شاء غفر ‏‏.‏‏

 إرسال الرسول مصعب بن عمير مع وفد العقبة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فلما انصرف عنه القوم ، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار بن قصي ، وأمره أن يُقرئهم القرآن ، ويعلمهم الإسلام ، ويفقههم في الدين ، فكان يُسمَّى المقرِىء ‏بالمدينة ‏‏:‏‏ مصعب ‏‏.‏‏ وكان منزله على أسعد بن زرارة بن عدس ، أبي أمامة ‏‏.‏‏

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ‏‏:‏‏ أنه كان يصلي بهم ، وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضُهم أن يؤمه بعض ‏‏.‏‏

 أول جمعة أقيمت بالمدينة

أسعد بن زرارة و إقامة أول جمعة بالمدينة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، عن أبيه أبي أمامة ، عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك ، قال ‏‏:‏‏ كنت قائد أبي ، كعب بن مالك ، حين ذهب بصره ، فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة ، فسمع الأذان بها صلى على أبي أمامة ، أسعد بن زرارة ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فمكث حينا على ذلك ‏‏:‏‏ لا يسمع الأذان للجمعة إلا‏ صلى عليه واستغفر له ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فقلت في نفسي ‏‏:‏‏ والله إن هذا بي لعجز ، ألا أسأله ما له إذا سمع الأذان للجمعة صلى على أبي أمامة أسعد بن زرارة ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ فخرجت به في يوم جمعة كما كنت أخرج ؛ فلما سمع الأذان للجمعة صلى عليه واستغفر له ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فقلت له ‏‏:‏‏ يا أبت ، ما لك إذا سمعت الأذان للجمعة صليت على أبي أمامة ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ فقال ‏‏:‏‏ أي بني ، كان أول من جـمَّع بنا بالمدينة في هزم النبيت ، من حرة بني بياضة ، يقال له ‏‏:‏‏ نقيع الخضمات ، قال ‏‏:‏‏ قلت ‏‏:‏‏ وكم أنتم يومئذ ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ أربعون رجلا ‏‏.‏‏

أسعد بن زرارة ، و مصعب بن عمير ، و إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وبني عبدالأشهل

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقب ، وعبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ‏‏:‏‏ أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بني عبدالأشهل ، ودار بني ظفر ، وكان سعد بن معاذ بن النعمان بن امرىء القيس بن زيد بن عبدالأشهل ابن خالة أسعد بن زرارة ، فدخل به حائطا من حوائط بني ظفر ‏‏.‏‏

- قال ابن هشام ‏‏:‏‏ واسم ظفر ‏‏:‏‏ كعب بن الحارث بن الخزرج بن عمرو ابن مالك بن الأوس - قالا ‏‏:‏‏ على بئر يقال لها ‏‏:‏‏ بئر مرق ، فجلسا في الحائط ، واجتمع إليهما رجال ممن أسلم ، وسعد بن معاذ ، وأسيد بن حضير ، يومئذ سيدا قومهما من بني عبدالأشهل ، وكلاهما مشرك على دين قومه ، فلما سمعا به ، قال سعد بن معاذ لأسيد بن ‏حضير ‏‏:‏‏ لا أبا لك ، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا ، فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارينا ، فإنه لولا أن أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذلك ، هو ابن خالتي ، ولا أجد عليه مقدما ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إليهما ؛ فلما رآه أسعد بن زرارة ، قال لمصعب بن عمير ‏‏:‏‏ هذا سيد قومه قد جاءك ، فاصدق الله فيه ؛ قال مصعب ‏‏:‏‏ إن يجلس أكلمه ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فوقف عليهما متشتِّما فقال ‏‏:‏‏ ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا ‏‏؟‏‏ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة ‏‏.‏‏

فقال له مصعب ‏‏:‏‏ أوتجلس فتسمع ، فإن رضيت أمرا قبلته ، وإن كرهته كف عنك ما تكره ‏‏؟‏‏

قال ‏‏:‏‏ أنصفت ، ثم ركز حربته وجلس إليهما ، فكلمه مصعب بالإسلام ، وقرأ عليه القرآن ؛ فقالا ‏‏:‏‏ فيما يذكر عنهما ‏‏:‏‏ والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله ، ثم قال ‏‏:‏‏ ما أحسن هذا الكلام وأجمله ‏‏!‏‏ كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين ‏‏؟‏‏ قالا له ‏‏:‏‏ تغتسل فتطهَّر وتُطهِّر ثوبيك ، ثم تشهد شهادة الحق ، ثم تصلي ‏‏.‏‏ ‏فقام فاغتسل وطهر ثوبيه ، وتشهد شهادة الحق ، ثم قام فركع ركعتين ، ثم قال لهما ‏‏:‏‏ إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه ، وسأرسله إليكما الآن ، سعد بن معاذ ، ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم ؛ فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا ، قال ‏‏:‏‏ أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم ؛ فلما وقف على النادي قال له سعد ‏‏:‏‏ ما فعلت ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ كلمت الرجلين ، فوالله ما رأيت بهما بأسا ، وقد نهيتهما ، فقالا ‏‏:‏‏ نفعل ما أحببت ، وقد حُدثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه ، وذلك أنهم قد عرفوا أنه ابن خالتك ، ليخفروك ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فقام سعد مغضبا مبادرا ، تخوفا للذي ذكر له من بني حارثة ، فأخذ الحربة من يده ، ثم قال ‏‏:‏‏ والله ما أراك أغنيت شيئا ، ثم خرج إليهما ؛ فلما رآهما سعد مطمئنين ، عرف سعد أن أسيدا إنما أراد منه أن يسمع منهما ، فوقف عليهما متشتما ، ثم قال لأسعد بن زرارة ‏‏:‏‏ يا أبا أمامة ، أما والله ، لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني ، أتغشانا في دارينا بما نكره - وقد قال أسعد بن زرارة لمصعب بن عمير ‏‏:‏‏ أي مصعب ، جاءك والله سيد من وراءه من قومه ، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان - قال ‏‏:‏‏ فقال له مصعب ‏‏:‏‏ أوتقعد فتسمع ، فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته ، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره ‏‏؟‏‏ قال سعد ‏‏:‏‏ أنصفت ‏‏.‏‏ ثم ركز الحربة وجلس ، فعرض عليه الإسلام ، وقرأ عليه القرآن ، قالا ‏‏:‏‏ فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم ، لإشراقه وتسهله ؛ ثم قال لهما ‏‏:‏‏ كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين ‏‏؟‏‏ قالا ‏‏:‏‏ تغتسل فتطهَّر و تطهر ثوبيك ، ثم تشهد شهادة الحق ، ثم تصلي ركعتين ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فقام فاغتسل وطهر ثوبيه ، وشهد شهادة الحق ، ثم ركع ركعتين ، ثم أخذ حربته ، فأقبل عامدا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فلما رآه قومه مقبلا ، قالوا ‏‏:‏‏ نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم ؛ فلما وقف عليهم قال ‏‏:‏‏ يا بني عبدالأشهل ، كيف تعلمون أمري فيكم ‏‏؟‏‏ قالوا ‏‏:‏‏ سيدنا و أوصلنا وأفضلنا رأيا ، وأيمننا نقيبة ؛ قال ‏‏:‏‏ فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله وبرسوله ‏‏.‏‏

قالا ‏‏:‏‏ فوالله ما أمسى في دار بني عبدالأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما ومسلمة ، ورجع أسعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة ، فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام ، حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون ، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد ، وخطمة ووائل وواقف ، وتلك أوس الله ، وهم من الأوس بن حارثة ؛ وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت ، وهو صيفي ، وكان شاعرا لهم قائدا يستمعون منه ويطيعونه ، فوقف بهم عن الإسلام ، فلم يزل على ذلك حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، ومضى بدر وأحد والخندق ، وقال فيما رأى من الإسلام ، وما اختلف الناس فيه من أمره ‏‏:‏‏

أربَّ الناس أشياء ألمت * يُلف الصعب منها بالذَّلولِ

أرب الناس أما إذ ضللنا * فيسرنا لمعروف السبيل

فلولا ربنا كنا يهودا * وما دين اليهود بذي شُكول

ولولا ربنا كنا نصارى * مع الرهبان في جبل الجليل

ولكنا خلقنا إذ خلقنا * حنيفا دينُنا عن كل جيل

نسوق الهَدْي ترسف مذعنات * مكشفة المناكب في الجلول

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ أنشدني قوله ‏‏:‏‏ فلولا ربنا ، وقوله ‏‏:‏‏ لولا ربنا ، وقوله ‏‏:‏‏ مكشفة المناكب في الجلول ، رجل من الأنصار ، أو من خزاعة ‏‏.‏‏

 أمر العقبة الثانية

 مصعب بن عمير و العقبة الثانية

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة ، وخرج من خرج الأنصار من المسلمين إلى الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك ، حتى قدموا مكة ، فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة ، من أوسط أيام التشريق ، حين أراد الله بهم ما أراد من كرامته ، والنصر لنبيه ، وإعزاز الإسلام وأهله ، وإذلال الشرك وأهله ‏‏.‏‏

 البراء بن معرور يصلي إلى الكعبة

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ حدثني معبد بن كعب بن مالك بن أبي كعب بن القين ، أخو بني سلمة ، أن أخاه عبدالله بن كعب ، وكان من أعلم الأنصار ، حدثه أن أباه كعبا حدثه ، وكان كعب ممن شهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها ، قال ‏‏:‏‏ خرجنا في حجاج قومنا من المشركين ، وقد صلينا وفقهنا ، ‏‏ ومعنا البراء بن معرور ، سيدنا وكبيرنا ‏‏.‏‏

فلما وجهنا لسفرنا ، وخرجنا من المدينة ، قال البراء لنا ‏‏:‏‏ يا هؤلاء ، إني قد رأيت رأيا ، فوالله ما أدري ، أتوافقونني عليه ، أم لا ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ قلنا ‏‏:‏‏ وما ذاك ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ قد رأيت أن لا أدع هذه البَنيِّة مني بظهر ، يعني الكعبة ، وأن أصلي إليها ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فقلنا ‏‏:‏‏ والله ما بلغنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم يصلي إلا إلى الشام ، وما نريد أن نخالفه ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فقال ‏‏:‏‏ إني لمصل إليها ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فقلنا له ‏‏:‏‏ لكنا لا نفعل ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام ، وصلى إلى الكعبة ، حتى قدمنا مكة ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ وقد كنا عبنا عليه ما صنع ، وأبى إلا الإقامة على ذلك ‏‏.‏‏ فلما قدمنا مكة قال لي ‏‏:‏‏ يا ابن أخي ، انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى نسأله عما صنعت في سفري هذا ، فإنه والله لقد وقع في نفسي منه شيء ، لما رأيت من خلافكم إياي فيه ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكنا لا نعرفه ، ولم نره قبل ذلك ، فلقينا رجلا من أهل مكة ، فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال ‏‏:‏‏ هل تعرفانه ‏‏؟‏‏ فقلنا ‏‏:‏‏ لا ؛ قال ‏‏:‏‏ فهل تعرفان العباس بن عبدالمطلب عمه ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ قلنا ‏‏:‏‏ نعم - قال ‏‏:‏‏ و قد كنا نعرف العباس ، وكان لا يزال يقدم علينا تاجرا - قال ‏‏:‏‏ فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس معه ، فسلمنا ثم جلسنا إليه ‏‏.‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس ‏‏:‏‏ هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ نعم ، هذا البراء بن معرور ، سيد قومه ؛ وهذا كعب بن مالك ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ الشاعر ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ نعم ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فقال له البراء بن معرور ‏‏:‏‏ يا نبي الله ، إني خرجت في سفري هذا ، وقد هداني الله للإسلام ، فرأيت أن لا‏ أجعل هذه البَنِيَّة مني بظهر ، فصليت إليها ، وقد خالفني أصحابي في ذلك ، حتى وقع في نفسي من ذلك شيء ، فماذا ترى يا رسول الله ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ قد كنت على قبلة لو صبرت عليها ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فرجع البراء إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصلى معنا إلى الشام ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات ، وليس ذلك كما قالوا ، نحن أعلم به منهم ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وقال عون بن أيوب الأنصاري ‏‏:‏‏

ومنا المُصلي أول الناس مُقبلا * على كعبة الرحمن بين المشاعر

يعني البراء بن معرور ‏‏.‏‏ وهذا البيت في قصيدة له ‏‏.‏‏

 إسلام عبدالله بن عمرو بن حرام

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ حدثني معبد بن كعب ، أن أخاه عبدالله بن كعب حدثه أن أباه كعب بن مالك حدثه ، قال كعب ‏‏:‏‏ ثم خرجنا إلى الحج ، وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة من أوسط أيام التشريق ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فلما فرغنا من الحج ، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ، ومعنا عبدالله بن عمرو بن حرام أبو جابر ، سيد من ساداتنا ، وشريف من أشرافنا ، أخذناه معنا ، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا ، فكلمناه وقلنا له ‏‏:‏‏ يا أبا جابر ، إنك سيد من ساداتنا ، وشريف من أشرافنا ، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ؛ ثم دعوناه إلى الإسلام ، وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إيانا العقبة ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فأسلم وشهد معنا العقبة ، وكان نقيبا ‏‏.‏‏

 امرأتان في البيعة

قال ‏‏:‏‏ فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا ، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لمعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، نتسلل تسلل القطا مستخفين ، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ، ومعنا امرأتان من نسائنا ‏‏:‏‏ نُسيبة بنت كعب ، أم عمارة ، إحدى نساء بني مازن بن النجار ؛ وأسماء بنت عمرو بن عدي بن نابي ، إحدى نساء بني سلمة ، وهي أم منيع ‏‏.‏‏

 العباس يستوثق من الأنصار

قال ‏‏:‏‏ فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبدالمطلب ، وهو يومئذ على دين قومه ، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له ‏‏.‏‏ فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبدالمطلب ، فقال ‏‏:‏‏ يا معشر الخزرج - قال ‏‏:‏‏ وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار ‏‏:‏‏ الخزرج ، خزرجها وأوسها - ‏‏:‏‏ إن محمدا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ، ممن هو على مثل رأينا فيه ، فهو في عز من قومه ومنعة في بلده ، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم ، واللحوق بكم ، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ، ومانعوه ممن خالفه ، فأنتم وما تحملتم من ذلك ؛ وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم ، فمن الآن فدعوه ، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فقلنا له ‏‏:‏‏ قد سمعنا ما قلت ، فتكلم يا رسول الله ، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت ‏‏.‏‏

 عهد الرسول عليه الصلاة والسلام على الأنصار

قال ‏‏:‏‏ فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتلا القرآن ، ودعا إلى الله ، ورغب في الإسلام ، ثم قال ‏‏:‏‏ أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ فأخذ البراء بن معرور بيده ، ثم قال ‏‏:‏‏ نعم ، والذي بعثك بالحق نبيا ، لنمنعنك مما نمنع منه أُزُرنا ، فبايِعْنا يا رسول الله ، فنحن والله أبناء الحروب ، وأهل الحلقة ، ورثناها كابرا عن كابر ‏‏.‏‏

قال ‏‏:‏‏ فاعترض القول ، والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أبو الهيثم بن التيهان ، فقال ‏‏:‏‏ يا رسول الله ، إن بيننا وبين الرجال حبالا ، وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال ‏‏:‏‏ بل الدم الدم ، والهدم الهدم ، أنا منكم وأنتم مني ، أحارب من حاربتم ، وأسالم من سالمتم ‏‏.‏‏

قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويقال ‏‏:‏‏ الهدم الهدم ‏‏:‏‏ يعني الحرمة ‏‏.‏‏ أي ذمتي ذمتكم ، وحرمتي حرمتكم ‏‏.‏‏

قال كعب بن مالك ‏‏:‏‏ وقد كان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏:‏‏ أخرجوا إلي منكم اثنى عشر نقيبا ، ليكونوا على قومهم بما فيهم ‏‏.‏‏ فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا ، تسعة من الخزرج ، وثلاثة من الأوس ‏‏.‏‏