فصل: تفسير الآية رقم (6)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير ابن عبد السلام ***


تفسير الآية رقم ‏[‏176‏]‏

‏{‏وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ‏(‏176‏)‏‏}‏

‏{‏لَرَفَعْنَاهُ‏}‏ لأمتناه ولم يكفر، أو لحلنا بينه وبين الكفر فارتفعت بذلك منزلته‏.‏ ‏{‏أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ‏}‏ ركن إلى أهلها في خدعهم إياه، أو ركن إلى شهواتها فشغلته عن الطاعة‏.‏ ‏{‏كَمَثَلِ الْكَلْبِ‏}‏ اللاهث في ذلته ومهانته، أو لأن لهثه لا ينفعه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏179‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ‏(‏179‏)‏‏}‏

‏{‏كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ‏}‏ عام، أو يراد به أولاد الزنا، لمسارعتهم إلى الكفر لخبث نطفهم‏.‏ ‏{‏لاَّ يَفْقَهُونَ‏}‏ الحق بقلوبهم و‏{‏لاَّ يُبْصِروُنَ‏}‏ الرشد بأعينهم، و‏{‏لاَّ يَسْمَعُونَ‏}‏ الوعظ بآذانهم‏.‏ ‏{‏كَالأَنْعَامِ‏}‏ همهم الأكل والشرب، أو لا يعقلون الوعظ‏.‏ ‏{‏هُمْ أَضَلُّ‏}‏ لعصيانهم، أو لتوجه الأمر إليهم دونها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏180‏]‏

‏{‏وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏180‏)‏‏}‏

‏{‏الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى‏}‏ كل أسمائه حسنى والحسنى هاهنا ما مالت إليه القلوب من وصفة بالعفو والرحمة دون الغضب والنقمة، أو أسماؤه التي يستحقها لذاته وأفعاله‏.‏ ‏{‏فَادْعُوهُ بِهَا‏}‏ عظَّموه بها تعبداً له بذكرها، أو اطلبوا بها وسائلكم ‏{‏يُلْحِدُونَ‏}‏ بتسمية الأوثان آلهة والله أبا المسيح، أو اشتقاقهم اللات من الله، والعزى من العزيز، قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ويلحدون‏:‏ يكذبون، أو يشركون، أو يجورون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏181‏]‏

‏{‏وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ‏(‏181‏)‏‏}‏

‏{‏أُمَّةٌ يَهْدُونَ‏}‏ الأنبياء والعلماء، أو هذه الأمة مروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم يهدون إلى الإسلام بالدعاء إليه ثم بالجهاد عليه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏182‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏182‏)‏‏}‏

‏{‏سَنَسْتَدْرِجُهُم‏}‏ الاستدراج‏:‏ أن يأتي الشيء من حيث لا يعلم، أو أن ينطوي منزلة بعد منزلة من الدرج لانطوائه على شيء بعد شيء، أو من الدرجة لانحطاطه عن منزلة بعد منزلة، يستدرجون إلى الكفر، أو إلى الهلكة بالإمداد بالنعم ونيسان الشكر، أو كلما أحدثوا خطيئة جدد لهم نعمة، والاستدراج بالنعم الظاهرة، والمكر بالباطنة‏.‏ ‏{‏لا يَعْلَمُونَ‏}‏ بالاستدراج، أو الهلكة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏186‏]‏

‏{‏مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ‏(‏186‏)‏‏}‏

‏{‏مَن يُضْلِلِ اللَّهُ‏}‏ يحكم بضلاله في الدين، أو يضله عن طريق الجنة إلى النار‏.‏ ‏{‏طُغْيانِهِمْ‏}‏ الطغيان‏:‏ إفراط العدوان‏.‏ ‏{‏يَعْمَهُونَ‏}‏ يتحيَّرون، العمه في القلب كالعمى في العين، أو يتردَّدون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏187‏]‏

‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏187‏)‏‏}‏

‏{‏يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاَعَةِ‏}‏ اليهود، أو قريش‏.‏ ‏{‏أَيَّانَ مُرْسَاهَا‏}‏‏:‏ متى، ‏{‏مُرْسَاهَا‏}‏‏:‏ قيامها، أو منتهاها، أو ظهورها‏.‏ ‏{‏حَفِىُّ عَنْهَا‏}‏ عالم بها، أو تقديره‏:‏ يسألونك عنها كأنك حفي بهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏188‏]‏

‏{‏قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ‏(‏188‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ‏}‏ لو علمت متى أموت لاستكثرت من العمل الصالح، أو لو علمت سنة الجدب لادخرت لها من سنة الخصب، أو لو علمت الكتب المنزَلة لاستكثرت من الوحي، أو لاشتريت في الرخص وبعت في الغلاء، وهو شاذ، أو لو علمت أسراركم وما في قلوبكم لأكثرت لكم من دفع الأذى واجتلاب النفع‏.‏ ‏{‏وَمَا مَسَّنِىَ السُّوءُ‏}‏ ما بي جنون، أو ما مسني الفقر لاستكثاري من الخير، أو ما دخلت عليَّ شبهةٌ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏189‏]‏

‏{‏هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ‏(‏189‏)‏‏}‏

‏{‏نَّفْسٍ وَاحِدةٍ‏}‏ آدم ‏{‏زَوْجَهَا‏}‏ حواء ‏{‏لِيَسْكُنَ‏}‏ ليأوي، أو ليألفها ويعطف عليها‏.‏ ‏{‏خَفِيفاً‏}‏ النطفة، ‏{‏فَمَرَّتْ بِهِ‏}‏ استمرت إلى حال الثقل، أو شكت هل حملت أم لا‏؟‏ قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما‏.‏ ‏{‏دَّعَوَا‏}‏ آدم وحواء‏.‏ ‏{‏صَالِحاً‏}‏ غلاماً سويّاً، أو بشراً سويّاً، لأن إبليس أوهمها أنه بهيمة، ‏{‏جَعَلا لَهُ شُرَكَآءَ‏}‏ كان اسم إبليس في السماء «الحارث» فلما ولدت حواء، قال‏:‏ سميه «عبد الحارث» فسمّته «عبدالله» فمات فلما ولدت ثانياً قال لها ذلك فأبت، فلما حملت ثالثاً قال لها ولآدم عليه الصلاة والسلام أتظنان أن الله تعالى يترك عبده عندكما لا والله ليذهبن به كما ذهب بالأخوين، فسمياه بذلك فعاش فكان إشراكهما في الاسم دون العبادة، أو جعل ابن آدم وزوجته لله شركاء من الأصنام فيما آتاهما، قاله الحسن‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏195‏]‏

‏{‏أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ ‏(‏195‏)‏‏}‏

‏{‏أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ‏}‏ في مصالحهم ‏{‏أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ‏}‏ في الدفاع عنكم ‏{‏أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ‏}‏ منافعكم ومضاركم ‏{‏ءَاذَانٌ يَسْمَعونَ بِهَا‏}‏ دعاءكم‏.‏ فكيف تعبدون من أنتم أفضل منه وأقدر‏؟‏

تفسير الآية رقم ‏[‏199‏]‏

‏{‏خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ‏(‏199‏)‏‏}‏

‏{‏الْعَفْوَ‏}‏ من أخلاق الناس وأعمالهم، أو من أموال المسلمين، ثم نسخ بالزكاة، أو العفو عن المشركين ثم نسخ بالجهاد ‏{‏بِالْعُرْفِ‏}‏ بالمعروف، أو لما نزلت قال الرسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ «يا جبريل ما هذا‏؟‏» قال‏:‏ لا أدري حتى أسأل العالِم، ثم عاد فقال‏:‏ يا محمد إن الله تعالى يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏200‏]‏

‏{‏وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏200‏)‏‏}‏

‏{‏نَزْغٌ‏}‏ انزعاج، أو غضب، أو فتنة، أو إغواء، أو عجلة ‏{‏فَاسْتَعِذْ‏}‏ فاستجر‏.‏ ‏{‏سَمِيعٌ‏}‏ لجهل الجاهل ‏{‏عَلِيمٌ‏}‏ بما يزيل النزغ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏201‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ‏(‏201‏)‏‏}‏

‏{‏طيف‏}‏ و‏{‏طَآئِفٌ‏}‏ واحد وهو لمم كالخيال يلم بالإنسان، أو وسوسة، أو غضب، أو نزغ، أو الطيف‏:‏ الجنون، والطائف‏:‏ الغضب، أو الطيف اللمم، والطائف كل شيء طاف بالإنسان‏.‏ ‏{‏تَذَكَّرُواْ فإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ‏}‏ علموا فانتهوا، أو اعتبروا فاهتدوا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏203‏]‏

‏{‏وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآَيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ‏(‏203‏)‏‏}‏

‏{‏اجْتَبَيْتَهَا‏}‏ أتيت بها من قِبَلِك، أو اخترتها لنفسك، ‏[‏أو‏]‏ تقبلتها من ربك، أو طلبتها لنا قبل مسألتك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏204‏]‏

‏{‏وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ‏(‏204‏)‏‏}‏

‏{‏فَاسْتَمِعُواْ لَهُ‏}‏ لا تقابلوه بكلام واعتراض، نزلت في المأموم ينصت ولا يقرأ، أو في الإنصات لخطبة الجمعة، أو نسخت جواز الكلام في الصلاة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏205‏]‏

‏{‏وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ‏(‏205‏)‏‏}‏

‏{‏وَاذْكُر رَّبَّكَ‏}‏ خلف الإمام بالقراءة سراً، او عند سماع الخطبة، أو في عموم الأحوال اذكره بقلبك أو بلسانك في دعائك وثنائك ‏{‏تَضَرُّعاً‏}‏ الخشوع والتواضع‏.‏ ‏{‏وَدُونَ الْجَهْرِ‏}‏ إسرار القول بالقلب، أو اللسان‏.‏ ‏{‏بِالْغُدُوِّ وَالأَصَالِ‏}‏ بالبُكَر والعشيات، أو الغدو‏:‏ آخر الفجر صلاة الصبح، والآصال‏:‏ آخر العشي صلاة العصر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏206‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ‏(‏206‏)‏‏}‏

‏{‏عِبَادَتِهِ‏}‏ الصلاة والخضوع فيها، أو امتثال الأوامر اجتناب النواهي، قاله الجمهور ‏{‏وَلَهُ يَسْجُدُونَ‏}‏ نزلت لما قالوا أنسجد لما تأمرنا، إذا كانت الملائكة مع شرفها تسجد فأنتم أولى‏.‏

‏[‏سورة الأنفال‏]‏

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏1‏)‏‏}‏

‏{‏الأَنفَالِ‏}‏ الغنائم، أو ‏[‏أنفال‏]‏ السرايا التي تتقدم أمير الجيش، أو ما شذْ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال من عبد أو دابة، أو خمس الفيء والغنائم الذي لأهل الخمس، أو الزيادة يزيدها الإمام لبعض الجيش لما يراه من الصلاح، والنفل‏:‏ العطية، والنوفل‏:‏ الكثير العطايا، أو النفل‏:‏ الزيادة من الخير ومنه صلاة النافلة، سألوا عن الأنفال لجهلهم بِحِلها لأنها كانت حراماً على الأمم فنزلت، أو نزلت فيمن شهد بدراً من المهاجرين والأنصار ‏[‏واختلفوا‏]‏ وكانوا أثلاثاً فملكها الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم فقسمها كما أراه، أو لما قتل سعد بن أبي وقاص سعيد بن أبي العاص يوم بدر وأخذ سيفه وقال للرسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ هبه لي، فقال‏:‏ «اطرحه في القبض» فشقّ عليه فنزلت، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أذهب فخذ سيفك» أو قال الرسول صلى الله عليه وسلم يوم بدر «مَن صنع كذا فله كذا وكذا» فسارع الشبان وبقي الشيوخ تحت الرايات فلما فُتح عليهم طلبوا ما جعل لهم، فقال الشيوخ‏:‏ لا تستأثروا علينا فإنا كنا ردءاً لكم، فنزلت، وهي محكمة، أو منسوخة بقوله تعالى ‏{‏واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 41‏]‏ ‏{‏الأَنفَالُ لِلَّهِ‏}‏ مع الدنيا والآخرة، وللرسول صلى الله عليه وسلم يضعها حيث أُمر‏.‏ ‏{‏وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ‏}‏ برد أهل القوة على أهل الضعف، أو بالتسليم لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ليحكما في الغنيمة بما شاءا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏وَجِلَتْ‏}‏ خافت، أو رقت‏.‏ ‏{‏إِيمَاناً‏}‏ تصديقاً، أو خشية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏5‏]‏

‏{‏كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ‏(‏5‏)‏‏}‏

‏{‏كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ‏}‏ بمكة إلى المدينة مع كراهية فريق من المؤمنين، كذلك ينجز نصرك، أو من بيتك بالمدينة إلى بدر كذلك جعل لك غنيمة بدر‏.‏ ‏{‏بِالْحَقِّ‏}‏ ومعك الحق، أو بالحق الذي وجب عليك‏.‏ ‏{‏لَكَارِهُونَ‏}‏ خروجك، أو صرف الغنيمة عنهم، لأنهم لم يعلموا أن الله تعالى جعله لرسوله صلى الله عليه وسلم دونهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏6‏]‏

‏{‏يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏يُجَادِلُونَكَ‏}‏ بعض المؤمنين خرجوا لطلب العير ففاتهم فأمروا بالقتال فقالوا‏:‏ ما تأهَّبنا للقاء العدو، فجادلوا بذلك طلباً للرخصة، أو المجادل المشركون قاله ابن زيد‏.‏ ‏{‏فِى الْحَقِّ‏}‏ القتال يوم بدر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏7‏]‏

‏{‏وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏إِحْدَى الطَّآئِفَتَيْنِ‏}‏ عِير أبي سفيان أو قريش الذين خرجوا لمنعها‏.‏ ‏{‏الشَّوْكَةِ‏}‏ كنى بها عن الحرب، وهي الشدة لما في الحرب من الشدة، أو الشوكة من قولهم‏:‏ رجل شاكٍ في السلاح‏.‏ ‏{‏يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ‏}‏ يظهر الحق بإعزاز الدين بما تقدّم من وعده، أو يحق الحق في أمره بالجهاد، نزلت هذه الآية قبل قوله‏:‏ ‏{‏كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 5‏]‏ قاله الحسن رضي الله تعالى عنه «فقيل للرسول صلى الله عليه وسلم يوم بدر‏:‏ عليك بالعير ليس دونها شيء فقال‏:‏ العباس وهو أسير ليس لك ذلك، قال‏:‏ لمَ‏؟‏ قال‏:‏ لأن الله تعالى وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك»‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏9‏]‏

‏{‏إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ‏(‏9‏)‏‏}‏

‏{‏تَسْتَغِيثُونَ‏}‏ تستنصرون، أو تستجيرون، فالمستجير‏:‏ طالب الخلاص، والمستنصر‏:‏ طالب الظفر، والمستغيث‏:‏ المسلوب القدرة، والمستعين‏:‏ الضعيف القدرة‏.‏ ‏{‏فَاسْتَجَابَ لَكُمْ‏}‏ أغاثكم، الاستجابة ما تقدمها امتناع، والإجابة ما لم يتقدمها امتناع وكلاهما بعد السؤال‏.‏ ‏{‏مُرْدِفِينَ‏}‏ مع كل ملك ملك فهم ألفان، أو متتابعين، أو ممدين للمسلمين، والإرداف‏:‏ الإمداد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏10‏)‏‏}‏

‏{‏إِلاِّ بُشْرَى‏}‏ الإمداد هو البشرى، أو بشَّرتهم الملائكة بالنصر فكانت هي البشرى المذكورة، وقاتلوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم أو نزلوا بالبشرى ولم يقاتلوا، ‏{‏وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ‏}‏ لا من الملائكة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏النُّعَاسَ‏}‏ غشيهم النعاس ببدر فهوَّم الرسول صلى الله عليه وسلم وكثير من أصحابه رضي الله تعالى عنهم فناموا، فبشَّر جبريل عليه السلام الرسول صلى الله عليه وسلم بالنصر، فأخبر به أبا بكر رضي الله تعالى عنه مَنَّ عليهم به لما فيه زوال رعبهم، والأمن مُنيم والخوف مُسهر، أو منَّ به لما فيه من الاستراحة للقتال من الغد‏.‏ والنعاس محل الرأس مع حياة القلب، والنوم يحل القلب بعد نزوله من الرأس، قاله سهل بن عبد الله التُّسْتَري‏.‏ ‏{‏أَمَنَةً‏}‏ من العدو، أو من الله تعالى، والأمنة‏:‏ الدعة وسكون النفس‏.‏ ‏{‏وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً‏}‏ لتلبيد الرمل ويطهرهم من وساوس الشيطان التي أرعبهم بها، أو من الأحداث والأنجاس التي أصابتهم، قاله الجمهور، أنزل ماء طهر به ظواهرهم، ورحمة نَوَّر بها سرائرهم، قاله ابن عطاء، ووصفه بالتطهير، لأنها أخص أوصافه وألزمها‏.‏ ‏{‏رِجْزَ الشَّيْطَانِ‏}‏ ‏[‏قوله‏]‏‏:‏ إن المشركين قد غلبوهم على الماء، أو قوله‏:‏ ليس لكم بهؤلاء طاقة‏.‏ ‏{‏وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ‏}‏ لتلبيده الرمل الذي لا يثبت عليه قدم، أو بالنصر الذي أفرغه عليهم حتى يثبتوا لعدوهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏12‏]‏

‏{‏إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏إِنِّى مَعَكُمْ‏}‏ معينكم‏.‏ ‏{‏فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ‏}‏ بحضوركم الحرب، أو بقتالكم يوم بدر، أو بقولكم لا بأس عليكم من عدوكم‏.‏ ‏{‏سَأُلْقَى فِى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ‏}‏ قال ذلك للملائكة إعانة لهم، أو ليثبتوا به المؤمنين‏.‏ ‏{‏فَوْقَ الأَعْنَاقِ‏}‏ فوق صلة، أو الرؤوس التي فوق الأعناق أو على الأعناق، أو أعلى الأعناق، أو جلدة الأعناق‏.‏ ‏{‏بَنَانٍ‏}‏ مفاصل أطراف الأيدي والأرجل، والبنان أطراف أصابع اليدين والرجلين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏15‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ‏(‏15‏)‏‏}‏

‏{‏زَحْفاً‏}‏ الدنو قليلاً قليلاً‏.‏ ‏{‏فَلا تُوَلُّوهُمُ‏}‏ ولا تنهزموا، عام في كل مسلم لاقى العدو، أو خاص بأهل بدر، ولزمهم في أول الإسلام أن لا ينهزم المسلم عن عشرة بقوله تعالى ‏{‏لاَّ يَفْقَهُونَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 65‏]‏ ما فرض الله تعالى عليهم من الإسلام، أو لا يعلمون ما فرض عليهم من القتال، فلما كثروا واشتدت شوكتهم نسخ ذلك بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ ‏[‏وعلم أن فيكم‏]‏ ضَعْفاً‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 66‏]‏ و‏{‏ضَعْفاً‏}‏ واحد، أو بالفتح في الأموال وبالضم في الأحوال، أو بالضم في النيات وبالفتح في الأبدان، أو بالعكس فيهما‏.‏ ‏{‏مَعَ الصَّابِرينَ‏}‏ على القتال بإعانتهم على أعدائهم أو الصابرين على الطاعة بإجزال ثوابهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏16‏]‏

‏{‏وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ‏(‏16‏)‏‏}‏

‏{‏بَآءَ بِغَضَبٍ‏}‏ بالمكان الذي استحق به الغضب، من المبوَّأ وهو المكان‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏17‏]‏

‏{‏فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏17‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَا رَمَيْتَ‏}‏ أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب يوم بدر فرماهم بها، وقال شاهت الوجوه، فألقى الله تعالى القبضة في أبصارهم فشغلوا بأنفسهم وأظهر الله تعالى المسلمين عليهم فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا رَمَيْتَ‏}‏، أو ما ظفرت إذ رميت ولكن الله تعالى أظفرت إذ رميت ولكن الله تعالى أضفرك، أو ‏{‏وَمَا رَمَيْتَ‏}‏ قلوبهم بالرعب إذ رميت وجوههم بالتراب ولكن الله تعالى ملأ قلوبهم رعباً، أو وما رمى أصحابك السهام ولكن الله رمى بإعانة الريح لسهامهم حتى تسددت وأصابت أضاف رميهم إليه لأنهم رموا عنه‏.‏ ‏{‏بَلآءً حَسَناً‏}‏ الإنعام بالظفر والغنيمة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏19‏]‏

‏{‏إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏19‏)‏‏}‏

‏{‏إِن تَسْتَفْتِحُواْ‏}‏ أيها المشركون تستقضوا ‏{‏فَقَدْ جَآءَكُمُ‏}‏ قضاؤنا بنصر الرسول صلى الله عليه وسلم عليكم‏.‏ أو الفتح‏:‏ النصر، فقد جاء نصر الرسول صلى الله عليه وسلم عليكم، قالوا يوم بدر‏:‏ اللهم أقطعنا للرحم وأظلمنا لصاحبه فانصر عليه فنصر المسلمون‏.‏ ‏{‏وَإِن تَعُودُوا‏}‏ إلى الاستفتاح ‏{‏نَعُدْ‏}‏ إلى نصر الرسول صلى الله عليه وسلم أو إن تعودوا إلى التكذيب نعد إلى مثل هذا التصديق‏.‏ أو إن تستفتحوا أيها المسلمون فقد جاءكم النصر لأنهم استنصروا فنصروا‏.‏ ‏{‏وَإِن تَنتَهُواْ‏}‏ عما فعلتموه في الأسرى والغنيمة، ‏{‏وَإِن تَعُودُواْ‏}‏ إلى الطمع ‏{‏نَعُدْ‏}‏ إلى المؤاخذة، أو إن تعودوا إلى ما كان منكم في الأسرى والغنيمة نعمد إلى الأنكار عليكم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏22 - 23‏]‏

‏{‏إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ‏(‏22‏)‏ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ‏(‏23‏)‏‏}‏

‏{‏شَرَّ الدَّوَآبِّ‏}‏ نزلت في بني عبد الدار‏.‏ ‏{‏وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ‏}‏ الحجج والمواعظ سماع تفهيم، أو لأسمعهم كلام الذي طلبوا إحياءه من قصي بن كلاب وغيره يشهدون بنبوتك، أو لأسمعهم جواب كل ما يسألون عنه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏24‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ‏(‏24‏)‏‏}‏

‏{‏اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ‏}‏ بطاعته لما كانت في مقابلة الدعاء سماها إجابة ‏{‏لِمَا يُحْيِيكُمْ‏}‏ الإيمان، أو الحق‏.‏ أو ما في القرآن، أو الحرب وجهاد العدو، أو ما فيه دوام حياة الآخرة، أو كل مأمور ‏{‏يَحُولُ بَيْنَ‏}‏ الكافر والإيمان وبين المؤمن والكفر، قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أو بين المرء وعقله فلا يدري ما يعمل، أو بين المرء وقبله أن يقدر على إيمان أو كفر إلا بإذنه، أو هو قريب من قلبه يحول بينه وبين أن يخفي عليه سره أو جهره‏.‏ فهو ‏{‏أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 16‏]‏ وهذا تحذير شديد قاله قتادة، أو يفرق بينه وبين قلبه بالموت فلا يقدر على استدراك فائت، أو بينه وبين ما يتمنى بقلبه من البقاء وطول العمر والظفر والنصر، أو بينه وبين ما في قلبه من رعب وخوف وقوة وأمن، فيأمن المؤمن بعد خوفه ويخاف الكافر بعد أمنه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏25‏]‏

‏{‏وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏25‏)‏‏}‏

‏{‏وَاتَّقُواْ فِتْنَةً‏}‏ أُمروا أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب، قاله «ع»، أو الفتنة‏:‏ ما يبتلى به الإنسان، أو الأموال والأولاد، أو نزلت في النكاح بلا ولي، قاله بشر بن الحارث ‏{‏لاَّ تُصِيبَنَّ‏}‏ الفتنة، أو عقابها، أو دعاء للمؤمن ألا تصيبه فتنة قاله الأخفش‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏26‏]‏

‏{‏وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ‏(‏26‏)‏‏}‏

‏{‏قَلِيلٌ‏}‏ بمكة تستضعفكم قريش، ذّكَّرهم نعمه، أو أخبرهم بصدق وعده‏.‏ ‏{‏يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ‏}‏ كفار قريش، أو فارس والروم‏.‏ ‏{‏فَآوَاكُمْ‏}‏ إلى المدينة، أو جعل لكم مأوى تسكنونه آمنين ‏{‏وَأَيَّدَكُم‏}‏ قوَّاكم بنصره يوم بدر‏.‏ ‏{‏الطَّيِّبَاتِ‏}‏ الحلال من الغنائم، أو ما مكنوا فيه من الخيرات، قيل نزلت في المهاجرين خاصة بعد بدر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏27‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏27‏)‏‏}‏

‏{‏لا تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ‏}‏ كما صنع المنافقون، قاله الحسن رضي الله تعالى عنه، أو لا تخونوا فيما جعله لعباده في أموالكم‏.‏ ‏{‏أَمَانَاتِكُمْ‏}‏ ما أخذتموه من الغنيمة أن تحضروه إلى المغنم، أو ما ائتمنكم الله عليه من الفرائض والأحكام ‏[‏أن‏]‏ تؤدوها بحقها، ولا تخونوا بتركها، أو عام في كل أمانه ‏{‏وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ أنها أمانة بغير شبهة، أو ما في الخيانة من المأثم‏.‏ قيل نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر لما أُرسل بني قريظة لينزلوا على حكم سعد فاستشاروه، وكان أحرز أمواله وأولاده عندهم، فأشار بأن لا يفعلوا، وأومأ بيده إلى حلقه إنه الذبح فنزلت إلى قوله‏:‏ ‏{‏واعلموا أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 28‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏29‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ‏(‏29‏)‏‏}‏

‏{‏فُرْقَاناً‏}‏ هداية في القلوب تفرِّقون بها بين الحق والباطل، أو مخرجاً من الدنيا والآخرة، أو نجاة، أو فتحاً ونصراً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏30‏]‏

‏{‏وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ‏(‏30‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ‏}‏ لما تآمرت قريش على الرسول صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، فقال عمرو بن هشام‏:‏ قيِّدوه واحبسوه في بيت نتربَّص به رَيْب المنون، وقال أبو البختري‏:‏ أخرجوه عنكم على بعير مطروداً تستريحون من أذاه، فقال أبو جهل‏:‏ ما هذا برأي، ولكن لجتمع عليه من كل قبيلة رجل فيضربوه بأسيافهم ضربة رجل واحد فيرضى حينئذ بنو هاشم بالدية، فأعلم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك فخرج إلى الغار ثم هاجر منه إلى المدينة‏.‏ ‏{‏لِيُثْبِتُوكَ‏}‏ في الوثاق «ع» أو في الحبس، أو يجرحوك، أثبته في الحرب‏:‏ جرحه‏.‏ ‏{‏أَوْ يُخْرِجُوكَ‏}‏ نفياً إلى طرف من الأطراف، أو على بعير مطروداً حتى تهلك، أو يأخذك بعض العرب فيريحهم منك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏31‏]‏

‏{‏وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏31‏)‏‏}‏

‏{‏لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا‏}‏ نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة، ونزلت فيه ‏{‏وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 32‏]‏ ‏{‏سَأَلَ سَآئِلٌ‏}‏ ‏[‏المعارج‏:‏ 1‏]‏ و‏{‏رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 16‏]‏ قال عطاء‏:‏ نزلت فيه بضع عشرة آية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏32‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏32‏)‏‏}‏

‏{‏فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا‏}‏ قاله عناداً وبغضاً للرسول صلى الله عليه وسلم أو اعتقاداً أنه ليس بحق‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏33‏]‏

‏{‏وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ‏(‏33‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ‏}‏ وقد بقي فيهم من المسلمين من يستغفر، أو لا يعذبهم في الدنيا وهم يقولون غفرانك في طوافهم، أو الاستغفار‏:‏ الإسلام، أو هو دعاء إلى الاستغفار معناه لو استغفروا لم يُعذَّبوا، أو ما كان الله مهلكهم وقد علم أن لهم ذرية يؤمنون ويستغفرون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏35‏]‏

‏{‏وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ‏(‏35‏)‏‏}‏

‏{‏مُكَآءً‏}‏ إدخال أصابعهم في أفواههم، أو أن يشبك بين أصابعه ويُصفِّر في كفه بفمه، والمكاء الصفير، قاله‏:‏

‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ *** تمكو فريصته كشدق الأعلم

‏{‏وَتَصْدِيَةً‏}‏ التصفيق، أو الصد عن البيت الحرام، أو تصدى بعضهم لبعض ليفعل مثل فعله ويُصفِّر له إن غفل عنه، أو من صد يصد إذا ضج، أو الصدى الذي يجيب الصائح فيرد عليه مثل قوله، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا صلّى في المسجد الحرام قام رجلان من بني عبد الدار عن يمينه يصفران صفير المكاء وهو طائر ورَجُلان عن يساره يصفقان بأيديهما ليخلطوا على الرسول صلى الله عليه وسلم القراءة والصلاة، فنزلت، وسماها صلاة لأنهم أقاموها مقام الدعاء والتسبيح، أو كانوا يعملون كعمل الصلاة‏.‏ ‏{‏فَذُوقُواْ‏}‏ فالقوا، أو فجربوا عذاب السيف ببدر، أو يقال لهم ذلك في عذاب الآخرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏36‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ‏(‏36‏)‏‏}‏

‏{‏يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ‏}‏ نفقة قريش في القتال ببدر، أو استأجر أبو سفيان يوم أُحُد ألفين من الأحابيش من كنانة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏37‏]‏

‏{‏لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏37‏)‏‏}‏

‏{‏الْخَبِيثَ‏}‏ الحرام، والطيب‏:‏ الحلال، أو الخبيث‏:‏ ما لم تُخرج منه حقول الله تعالى والطيب‏:‏ ما أُخرجت منه حقوقه‏.‏ ‏{‏بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ‏}‏ يجمعه في الآخرة وإن تفرقا في الدنيا‏.‏ ‏{‏فَيَرْكُمَهُ‏}‏ يجعل بعضه فوق بعض‏.‏ ‏{‏فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ‏}‏ يعذبون به ‏{‏يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 35‏]‏ أو يجعلها معهم في النار ذلاًّ وهواناً كما كانت في الدنيا نعيماً وعزّاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏38‏]‏

‏{‏قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏38‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِن يَعُودُواْ‏}‏ إلى الحرب ‏{‏فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ‏}‏ قتلى بدر وأسرارهم، أو إن يعودوا إلى الكفر فقد مضت سنة الله تعالى بإهلاك الكفرة، ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نزلت لما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح فقال‏:‏ ما في ظنكم وما ترون أني صانع بكم، فقالوا‏:‏ ابن عم كريم فإن تعفُ فذاك الظن بك، وإن تنتقم فقد أسأنا، فقال‏:‏ بل أقول كما قال يوسف لإخوته‏:‏ ‏{‏لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ اليوم‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 92‏]‏ فنزلت، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم «اللهم كما أذقت أول قريش نكالاً فأذق أخرهم نوالاً»‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏41‏]‏

‏{‏وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏41‏)‏‏}‏

‏{‏غَنِمْتُم‏}‏ ذكر الغنيمة هاهنا والفيء في الحشر وهما واحد، ونسخت آية الحشر بهذه، أو الغنيمة ما أُخذ عَنوة، والفيء ما أُخذ صلحاً، أو الغنيمة ما ظهر عليه المسلمون من الأموال، والفيء ما ظُهِر عليه من الأرضي‏.‏ ‏{‏لِلَّهِ خُمُسَهُ‏}‏ افتتاح كلام، وله الدنيا والآخرة، المعنى للرسول خمسه أو الخمس لله ورسوله يصرف سهم الله في بيته، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأخذ الخمس فيضرب فيه بيده فيأخذ منه الذي قبض كفه فيجعله للكعبة وهو سهم الله‏.‏ ‏{‏وَلِلرَّسُولِ‏}‏ افتتاح كلام أيضاً ولا شيء له من ذلك فيقسم الخمس على أربعة «ع»، أو للرسول الخمس عند الجمهور، ويكون سهمه للخليفة بعده، أو يورث عنه، أو يرد على السهام الباقية فيقسم الخمس على أربعة، أو يصرف إلى الكراع والسلاح فعله أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، أو إلى المصالح العامة‏.‏ ‏{‏وَلِذِى الْقُرْبَى‏}‏ بنو هاشم، أو قريش، أو بنو هاشم وبنو المطلب، وهو باقٍ لهم أبداً، أو لقرابة الخليفة القائم بأمور الأمة، أو للإمام وضعه حيث شاء، أو يرد سهمهم وسهم الرسول صلى الله عليه وسلم على باقي السهام فتكون ثلاثة‏.‏ ‏{‏وَالْيَتَامَى‏}‏ من مات أبوه من الأطفال بخلاف البهائم فإنه من ماتت أمه، ويشترط الإسلام والحاجة، ويختص بأيتام أهل الفيء أو يعم ‏{‏وَابْنِ السَّبِيلِ‏}‏ المسافر المسلم المحتاج من أهل الفيء، أو يعم‏.‏ ‏{‏الْفُرْقَانِ‏}‏ يوم بدر فرق فيه بين الحق والباطل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏42‏]‏

‏{‏إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏42‏)‏‏}‏

‏{‏بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا‏}‏ شفير الوادي الأدنى إلى المدينة‏.‏

‏{‏الْقُصْوَى‏}‏ الأقصى منها إلى مكة‏.‏ ‏{‏وَالرَّكْبُ‏}‏ عير أبي سفيان أسفل الوادي على شط البحر بثلاثة أميال ‏{‏وَلَوْ تَوَاعَدتُمْ‏}‏ ثم بلغكم كثرتهم لتأخرتم ونقضتم الميعاد، ‏[‏أ‏]‏ ولو تواعدتم من غير معونة من الله تعالى لاختلفتم في الميعاد بالقواطع والعوائق، أو لو تواعدتم أن تتفقوا مجتمعين لاختلفتم بالتقدم والتأخر والزيادة والنقصان من غير قصد لذلك‏.‏ ‏{‏لِّيَهْلِكَ‏}‏ ليقتل منهم ببدر من قتل عن حجة، وليبقى منهم من بقي عن قدره، أو ليكفر من قريش بعد الحجة من كفر ببيان ما وعدوا، ويؤمن من آمن بعد العلم بصحة إيمانهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏43‏]‏

‏{‏إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ‏(‏43‏)‏‏}‏

‏{‏فِى مَنَامِكَ‏}‏ موضع النوم وهي العين فرأى قلتهم عياناً، أو ألقى عليه النوم فرأى قتلهم في نومه، قاله الجمهور‏:‏ وكان ذلك لطفاً بهم‏.‏ ‏{‏لَّفَشِلْتُمْ‏}‏ لجبنتم وانهزمتم، أو لاختلفتم في لقائهم، أو الكف عنهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏46‏]‏

‏{‏وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ‏(‏46‏)‏‏}‏

‏{‏فَتَفْشَلُواْ‏}‏ هو التقاعد عن القتال جبناً، ‏{‏رِيحُكُمْ‏}‏ قوتكم، أو دولتكم، أو الريح المرسلة لنصر أولياء الله وخذلان أعدائه، قاله قتادة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏47‏]‏

‏{‏وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ‏(‏47‏)‏‏}‏

‏{‏كَالَّذِينَ خَرَجُواْ‏}‏ قريش لحماية العير فنجا بها أبو سفيان، فقال أبو جهل‏:‏ لا نرجع حتى نردَ بدراً وننحر جزوراً ونشرب خمراً وتعزف علينا القينات فكان من أمرهم ما كان‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏48‏]‏

‏{‏وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏48‏)‏‏}‏

‏{‏زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ‏}‏ ظهر لهم في صورة سراقة بن جعشم من بني كنانة‏.‏ ‏{‏نَكَصَ‏}‏ هرب ذليلاً خازياً‏.‏ ‏{‏مَا لا تَرَوْنَ‏}‏ من إمداد الملائكة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏49‏]‏

‏{‏إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏49‏)‏‏}‏

‏{‏وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ‏}‏ المشركون، أو قوم تكلموا بالإسلام وهم بمكة، أو قوم مرتابون لم يظهروا عداوة النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف المنافقين، والمرض في القلب‏:‏ هو الشك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏50‏]‏

‏{‏وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ‏(‏50‏)‏‏}‏

‏{‏يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ‏}‏ عند قبض أرواحهم‏.‏ ‏{‏يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ‏}‏ يوم القيامة، أو القتل ببدر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏57‏]‏

‏{‏فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ‏(‏57‏)‏‏}‏

‏{‏تَثْقَفَنَّهُمْ‏}‏ تصادفهم، أو تظفر بهم‏.‏ ‏{‏فَشَرِّدْ‏}‏ أنذر، أو نَكِّل، أو بَدِّد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏58‏]‏

‏{‏وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ‏(‏58‏)‏‏}‏

‏{‏خِيَانَةً‏}‏ في نقض العهد‏.‏ ‏{‏فَانبِذْ إِلَيْهِمْ‏}‏ ألقِ إليهم عهدهم كي لا ينسبوك إلى الغدر بهم، والنبذ‏:‏ الإلقاء‏.‏ ‏{‏عَلَى سَوَآءٍ‏}‏ مهل، أو مجاهرة بما تفعل بهم، أو على استواء في العلم به حتى لا يسبقوك إلى فعل ما يردونه بك، أو عدل من غير تحيف، أو وسط‏.‏ قيل‏:‏ نزلت في بني قريظة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏60‏]‏

‏{‏وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ‏(‏60‏)‏‏}‏

‏{‏قُوَّةٍ‏}‏ السلاح، أو التظافر واتفاق الكلمة، أو الثقة بالله تعالى والرغبة إليه، أو الرمي مروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو ذكور الخيل‏.‏ ‏{‏رِّبَاطِ الْخَيْلِ‏}‏ إناثها، أو رباطها‏:‏ الذكور والإناث عند الجمهور ‏{‏عَدُوَّ اللَّهِ‏}‏ بالكفر ‏{‏وَعَدُوَّكُمْ‏}‏ بالمباينة، أو عدو الله‏:‏ هو عدوكم، لأن عدو الله تعالى عدو لأوليائه‏.‏ ‏{‏لا تَعْلَمُونَهُمُ‏}‏ بنو قريظة، أو المنافقون، أو أهل فارس، أو الشياطين، أو من لا تعرفون عداوته على العموم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏61‏]‏

‏{‏وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏61‏)‏‏}‏

‏{‏لِلسَّلْمِ‏}‏ المواعدة، أو إن تَوقفوا عن الحرب مسالمة فتوقف عنها مسالمة، أو إن أظهروا الإسلام فاقبله وإن لم تعلم بواطنهم، عامة في كل من سأل الموادعة ثم نسختها آية السيف أو خاصة بالكتابيين يبذلون الجزية، أو في مُعيَّنين سألوا الموادعة فَأُمر بإجابتهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏64‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏64‏)‏‏}‏

‏{‏حَسْبُكَ اللَّهُ‏}‏ أن تتوكل عليه، والمؤمنون‏:‏ أن تقاتل بهم، أو حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين الله، قيل‏:‏ نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏65‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ‏(‏65‏)‏‏}‏

‏{‏عِشْرُونَ‏}‏ أُمروا يوم بدر أن لا يفر أحدهم عن عشرة فشقَّ عليهم فنسخ بقوله تعالى ‏{‏الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 66‏]‏، أو وُعدوا أن يُنْصر كل رجل على عشرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏67‏]‏

‏{‏مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏67‏)‏‏}‏

‏{‏مَا كَانَ لِنَبِىٍّ‏}‏ أن يفادي، نزلت لما استقر رأي الرسول صلى الله عليه وسلم بعد مشاورة أصحابه على أخذ الفداء بالمال عن كل أسير من أسرى بدر أربعة آلاف درهم، فنزلت إنكاراً لما فعلوه‏.‏ ‏{‏يُثْخِنَ‏}‏ بالغلبة والاستيلاء، أو بكثرة القتل لِيُعَزَّ به المسلمون ويُذَلَّ الكفرة‏.‏ ‏{‏عَرَضَ الدُّنْيَا‏}‏ سماه بذلك لقلة بقائه‏.‏ ‏{‏يُرِيدُ الأَخِرَةَ‏}‏ العمل بما يوجب ثوابها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏68‏]‏

‏{‏لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏68‏)‏‏}‏

‏{‏أَخَذْتُمْ‏}‏ من الفداء، ‏{‏لَّوْلا كِتَابٌ‏}‏ سبق لأهل بدر أن لا يعذبوا لمسهم في أخذ الفداء عذاب عظيم، أو سبق في إحلال الغنائم لمسهم في تعجلها من أهل بدر عذاب عظيم، أو سبق بأن لا يعذب من أتى عملاً على جهالة، أو الكتاب القرآن المقتضي لغفران الصغائر، ولما شاور الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ قومك وعشيرتك فاستبقتم لعل الله تعالى أن يهديهم، وقال عمر رضي الله تعالى عنه‏:‏ أعداء الله تعالى ورسوله كذبوك وأخرجوك فاضرب أعناقهم، فمال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قول أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وأخذ الفداء ليقوى به المسلمون، وقال‏:‏ أنتم عالة يعني للمهاجرين فلما نزلت هذه الآية قال الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله تعالى عنه‏:‏ «لو عذبنا في هذا الأمر يا عمر لما نجا غيرك» ثم، أحل الغنائم، بقوله تعالى ‏{‏فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 69‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏70‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏70‏)‏‏}‏

‏{‏يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّآ أُخِذّ مِنكُمْ‏}‏ لما أُسر العباس يوم بدر أخذ منه الرسول صلى الله عليه وسلم فداء نفسه وابني أخيه عقيل ونوفل، قال‏:‏ يا رسول الله كنت مسلماً وأخرجت مكرهاً ولقد تركتني فقيراً أتكفف الناس، فقال‏:‏ «فأين الأواقي التي دفعتها سراً لأم الفضل عند خروجك‏؟‏» فقال‏:‏ إن الله تعالى ليزيدنا ثقة بنبوتك، قال العباس‏:‏ فصدق الله تعالى وعده فيما أتاني، وإن لي لعشرين مملوكاً يضرب كل مملوك منهم بعشرين ألفاً في التجارة، فقد أعطاني الله تعالى خيراً مم أخذ من يوم بدر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏72‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏72‏)‏‏}‏

‏{‏ءَامَنُواْ‏}‏ بالله ‏{‏وَهَاجَرُواْ‏}‏ من ديارهم في طاعته ‏{‏وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ‏}‏ بإنفاقيها ‏{‏وَأَنفُسِهِمْ‏}‏ بالقتال، أراد المهاجرين مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ‏{‏وَالَّذِينَ ءَاوَواْ‏}‏ المهاجرين في منازلهم ‏{‏وَّنَصَرُوَاْ‏}‏ النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين معه، يريد الأنصار‏.‏ ‏{‏أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ‏}‏ أعوان بعض عند الجمهور ‏[‏أو‏]‏ أولى بميراث بعض، جعل الله تعالى الميراث للمهاجرين والأنصار دون الأرحام‏.‏ ‏{‏وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ‏}‏ من ميراثهم من شيء ‏{‏حَتَّى يُهَاجِرُواْ‏}‏‏.‏ فعملوا بذلك حتى نسخت بقوله تعالى ‏{‏وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 75‏]‏ يعني في الميراث، فصار الميراث لذوي الأرحام‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏73‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ‏(‏73‏)‏‏}‏

‏{‏وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ‏}‏ أنصار بعض، أو بعضهم وارث بعض «ع» ‏{‏إِلاَّ تَفْعَلُوهُ‏}‏ إلا تتناصروا أيها المؤمنون ‏{‏تَكُن فِتْنَةٌ فِى الأَرْضِ‏}‏ بغلبة الكفرة ‏{‏وَفَسَادٌ كَبِيرٌ‏}‏ بضعف الإيمان، أو إلا تتوارثوا بالإسلام والهجرة ‏{‏تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ‏}‏ باختلاف الكلمة ‏{‏وَفسَادٌ كَبِيرٌ‏}‏ بتقوية الخارج عن الجماعة «ع»‏.‏

‏[‏سورة التوبة‏]‏

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏1‏)‏‏}‏

‏{‏بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ‏}‏ انقطاع للعصمة منهما، أو انقضاء عهدهما‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏فَسِيحُواْ‏}‏ أمان ‏{‏فِى الأَرْضِ‏}‏ تصرفوا كيف شئتم، أو سافروا حيث أردتم، والسياحة‏:‏ السير على مَهل، أو البعد على وَجل‏.‏ ‏{‏أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ‏}‏ أمان لمن له عهد مطلق، أو أقل من الأربعة، ومن لا أمان له فهو حرب، أو من كان له عهد أكثر من الأربعة حُط إليها، ومن كان دونها رفع إليها ومن لا عهد له فله أمان خمسين ليلة من يوم النحر إلى سلخ المُحرم لقوله تعالى ‏{‏فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ‏}‏ «ع»، أو الأربعة لجميع الكفار من كان له عهد، أو لم يكن، أو هي أمان لمن لا عهد له، ومن له عهد فأمانه إلى مدة عهده‏.‏ وأول المدة يوم الحج الأكبر يوم النحر إلى انقضاء العاشر من ربيع الآخر، او شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، أو أولها يوم العشرين من ذي القعدة وآخرها يوم العشرين من ربيع الأول لأن الحج وقع تلك السنة في ذلك اليوم من ذي القعدة لأجل النسيء كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أقره حتى نزل تحريم النسيء، فقال‏:‏ «ألا إن الزمان قد استدار»‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَذَانٌ‏}‏ قصص، أو نداء بالأمن يسمع بالأذن، أو إعلام عند الكافة‏.‏ ‏{‏يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ‏}‏ يوم عرفة خطب فيه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ «هذا يوم الحج الأكبر»، أو النحر، وهو مروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو أيام الحج كلها كيوم صفين ويوم الجمل عبَّر باليوم عن الأيام‏.‏ ‏{‏الأَكْبَرِ‏}‏ القِرآن والأصغر الإفراد، أو الأكبر الحج والأصغر العمرة، أو سمي به لأنه اجتمع فيه حج المسلمين والمشركين ووافق عيد اليهود والنصارى، قاله الحسن رضي الله تعالى عنه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏5‏]‏

‏{‏فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏5‏)‏‏}‏

‏{‏فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ‏}‏ رجب وذو القعده وذو الحجة والمحرم عند الجمهور، أو أشهر السياحة عشرون من ذي الحجة إلى العشر من ربيع الآخر، قاله الحسن رضي الله عنه ‏{‏وَجَدتُّمُوهُمْ‏}‏ في حل أو حرم، أو في أشهر الحرم وغيرها‏.‏ ‏{‏وَخُذُوهُمْ‏}‏ الواو بمعنى «أو» خذوهم أو تقديره‏:‏ «فخذوا المشركين حيث وجدتموهم واقتلوهم» مقدم ومؤخر‏.‏ ‏{‏وَاحْصُرُوهُمْ‏}‏ بالاسترقاق، أو بالفداء‏.‏ ‏{‏كُلَّ مَرْصَدٍ‏}‏ اطلبوهم في كل مكان، فالقتل إذا وجدوا والطلب إذا بعدوا، أو افعلوا بهم كل ما أرصده الله لهم من قتل أو استرقاق أو مَنٍّ، أو فداء‏.‏ ‏{‏تَابُواْ‏}‏ أسلموا ‏{‏وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ‏}‏ أدّوها، أو اعترفوا بها ‏{‏وَءَاتَوُاْ الزَّكَاةَ‏}‏ اعترفوا بها لا غير إذ لا يُقتل تاركها لا بل تُؤخذ منه قهراً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏6‏]‏

‏{‏وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏اسْتَجَارَكَ‏}‏ استعانك، أو استأمنك‏.‏ ‏{‏كَلامَ اللَّهِ‏}‏ القرآن كله، أو براءة خاصة ليعرف ما فيها من أحكام العهد والسيرة مع الكفار‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏7‏]‏

‏{‏كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ‏}‏ خزاعة، أو بنو ضمرة، أو قريش «ع»، أو قوم من بكر بن كنانة‏.‏ ‏{‏فَمَا اسْتَقَامُواْ‏}‏ دُوموا على عهدهم ما داموا عليه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏8‏]‏

‏{‏كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ‏(‏8‏)‏‏}‏

‏{‏يَظْهَرُواْ‏}‏ يقووا عليكم بالظفر‏.‏ ‏{‏لا يَرْقُبُواْ‏}‏ لا يخافوا، أو لا يراعوا ‏{‏إِلاَّ‏}‏ عهداً، أو قرابة، قال‏:‏

فأقسم إنَّ إلَّكَ من قريش‏.‏

أو جواراً، أو يميناً، أو هم اسم لله عز وجل‏.‏ ‏{‏ذِمَّةً‏}‏ عهداً، أو جواراً، أو التذمم ممن لا عهد له‏.‏ ‏{‏وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ‏}‏ بنقض العهد، أو فاسق في دينه وإن كان دينهم فسقاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏9‏]‏

‏{‏اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏9‏)‏‏}‏

‏{‏بِآيَاتِ اللَّهِ‏}‏ دلائله وحججه، أو التوراة التي فيها صفة الرسول صلى الله عليه وسلم ‏{‏قَلِيلاً‏}‏، لأنه حرام، أو لأنه من عرض الدنيا وبقاؤها قليل نزلت في الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان على طعامه، أو في قوم اليهود عاهدوا ثم نقضوا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏12‏]‏

‏{‏وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم‏}‏ نفضوا العهد الذي عقدوه بأيمانهم‏.‏ ‏{‏أَئِمَّةَ الْكُفْرِ‏}‏ رؤساء المشركين، أو زعماء قريش «ع»، أو الذين هموا بإخراج الرسول صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏{‏لآ أَيْمَانَ لَهُمْ‏}‏ بارة و‏{‏لا إيمان‏}‏ من الأمان، أو التصديق‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏16‏]‏

‏{‏أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏(‏16‏)‏‏}‏

‏{‏وَلِيجَةً‏}‏ خيانة، أو بطانة، أو دخولاً في ولاية المشركين، ولج في كذا‏:‏ دخل فيه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏17‏]‏

‏{‏مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ‏(‏17‏)‏‏}‏

‏{‏يعمروا مساجد الله‏}‏ بالزيارة والدخول إليه، أو بالكفر، لأ، المسجد إنما يعمر بالإيمان‏.‏ ‏{‏شَاهِدِينَ‏}‏ لما دلت أموالهم وأفعالهم على كفرهم تنزل ذلك منزلة شهادتهم على أنفسهم، أو شهدوا على رسولهم بالكفر لأنهم كذبوه وكفروه وهو من أنفسهم، أو إذا سُئل اليهودي ما أنت يقول‏:‏ يهودي، وكذلك النصارى ‏[‏و‏]‏ المشركون وكلهم كفرة وإن لم يقروا بالكفر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏18‏]‏

‏{‏إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ‏(‏18‏)‏‏}‏

‏{‏مَسَاجِدَ اللَّهِ‏}‏ مواضع السجود من المصلي، أو البيوت المتخذة للصلوات‏.‏ ‏{‏فَعَسَى أُوْلَئِكَ‏}‏ كل عسى من الله واجبة «ع»، أو ذكره ليكونوا على خوف ورجاء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏19‏]‏

‏{‏أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ‏(‏19‏)‏‏}‏

‏{‏سِقَايَةَ الْحَآجَّ وَعِمَارَةَ الْمسجِدِ‏}‏ بسدانته والقيام به، لما فضلت قريش ذلك على الإيمان بالله تعالى نزلت، أو نزلت في العباس صاحب السقاية، وشيبة بن عثمان صاحب السدانة، وحاجب الكعبة، لما أُسرا ببدر عيرهما المهاجرون بالكفر والإقامة بمكة فقالا نحن أفضل أجراً منكم بعمارة المسجد وحجب الكعبة وسقي الحاج‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏24‏]‏

‏{‏قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ‏(‏24‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ‏}‏ نزلت في قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا ميلاً إلى ما ذكر في هذه الآية‏.‏ ‏{‏اقْتَرَفْتُمُوهَا‏}‏ اكتسبتموها‏.‏ ‏{‏وَتِجَارَةٌ‏}‏ أموال التجارة تكسد سوقها وينقص سعرها، أو البنات الأيامى يكسدن على أبائهن فلا يخطبن‏.‏ ‏{‏بِأَمْرِهِ‏}‏ بعقوبة عاجلة أو آجلة، أو بفتح مكة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏26‏]‏

‏{‏ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ‏(‏26‏)‏‏}‏

‏{‏سَكِينَتَهُ‏}‏ الوقار، أو الطمأنينة، أو الرحمة‏.‏ ‏{‏جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا‏}‏ الملائكة، أو بتكثيرهم في أعين أعدائهم، وهو محتمل ‏{‏وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ‏}‏ بالخوف، أو بالقتل والسبي‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏28‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏28‏)‏‏}‏

‏{‏نَجَسٌ‏}‏ نجاسة الأبدان كالكلب والخنزير، قاله عمر بن عبد العزيز والحسن رضي الله تعالى عنهما وأوجب الوضوء على من صافحهم، أو لأنهم لا يغتسلون من الجنابة فصاروا كالأنجاس، أو عبّر عن اجتنابنا لهم ومنعهم من المساجد بالنجس كما يفعل ذلك بالأنجاس، أو نجاستهم خبث ظواهرهم بالكفر وبواطنهم بالعدواة‏.‏ ‏{‏الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ‏}‏ الحرم كله‏.‏ ‏{‏عَامِهِمْ هَذَا‏}‏ سنة تسع، أو سنة عشر، ويمنع منه الحربي والذمي عند الجمهور، أو يمنعون إلا الذمي والعبد المملوك لمسلم‏.‏ ‏{‏عَيْلَةً‏}‏ فقراً وفاقة، أو ضيعة من يقوته من عياله‏.‏ ‏{‏يُغْنِيكُمُ اللَّهُ‏}‏ تعالى بالمطر في النبات، أو بالجزية المأخوذة منهم، أو عام في كل ما يغني‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏29‏]‏

‏{‏قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

‏{‏الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ‏}‏ دخل فيه أهل الكتاب وإن آمنوا باليوم الآخر إذ لا يعتد بإمانهم فصار كالمعدوم، أو ذمهم ذم من لا يؤمن به، ‏{‏وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ‏}‏ بنسخه من شرائعهم، أو ما حرمه وأحله لهم‏.‏ ‏{‏دِينَ الْحَقِّ‏}‏ الإسلام عند الجمهور، أو العمل بما في التوراة من اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والحق هنا هو الله ‏{‏مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ‏}‏ من أبناء الذين أوتوا، أو الذي أوتوه بين أظهرهم‏.‏ ‏{‏يُعْطُواْ الْجِزْيَةً‏}‏ يضمنوها، أو يدفعوها، والجزية مجملة، أو عامة تجري على العموم إلا ما خصه الدليل‏.‏ ‏{‏عَن يَدٍ‏}‏ غنى وقدرة، أو لا يقابلها جزاء، أو لنا عليهم يد نأخذها لما فيه من حقن دمائهم، أو يؤدونها بأيديهم دون رسلهم كما يفعل المتكبرون ‏{‏صَاغِرُونَ‏}‏ قياماً وآخذها جالس، أو يمشوا بها كارهين «ع» أو أذلاء مقهورين، أو دفعها هو الصغار، أو إجراء أحكام الإسلام عليهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏30‏]‏

‏{‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ‏(‏30‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ‏}‏ لمّا حرق بختنصر التوارة ولم يبق بأيديهم شيء منها ولم يكونوا يحفظونها ساءهم ذلك وسألوا الله ردها فقذفها في قلب عُزير فقرأها عليهم فعرفوا، فلذلك قالوا‏:‏ إنه ابن الله‏.‏ وكان ذلك قول جميعهم «ع»، أو قول طائفة من سلفهم، أو من معاصري الرسول صلى الله عليه وسلم، فنحاص وحده، أو جماعة سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف «ع»، وأضيف إلى جميعهم لمَّا لم ينكروه‏.‏ ‏{‏وَقَالَتِ النَّصَارَى‏}‏ بأجمعهم ‏{‏الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ‏}‏ لأنه ولد من غير أب، أو لأنه أحيا الموتى، وأبرأ من الأسقام‏.‏ ‏{‏بِأَفْوَاهِهِمْ‏}‏ لما لم يكن عليه دليل قيده بأفواهم لا يتجاوزها ‏{‏يُضَاهِئُونَ‏}‏ يشابهون، والتي لم تحض «ضهياء» لشبهها بالرجل‏.‏ يضاهون بقولهم عبدة الأوثان وفي اللات والعزى ومناة وأن الملائكة بنات الله، أو ضاهت النصارى بقولهم المسيح ابن الله قول اليهود عُزير ابن الله، أو ضاهوا في تقليد أسلافهم من تقدمهم‏.‏ ‏{‏قَاتَلَهُمُ اللَّهُ‏}‏ لعنهم «ع»، أو قتلهم، أو هو كالمقاتل لهم بما أعده من عذابهم وأبانه من عداوتهم‏.‏ ‏{‏يُؤْفَكُونَ‏}‏ يصرفون عن الحق إلى الإفك وهو الكذب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏31‏]‏

‏{‏اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ‏(‏31‏)‏‏}‏

‏{‏أَحْبَارَهُمْ‏}‏ جمع حبر، لتجبيره المعاني، وهو التحسين بالبيان عنها، والرهبان‏:‏ جمع راهب، من رهبة الله وخشيته، وكثر استعماله في نُسَّاك النصارى‏.‏ ‏{‏أَرْبَاباً‏}‏ آلهة يطيعونهم فيما حرموه وأحلوه دون العبادة وهو مروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم‏.‏