فصل: مثالهم في الزندقة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة **


 الباب السادس‏:‏ أئمة الإسلام والتصوف

في هذا الباب نجمع طائفة من كلام علماء المسلمين قديمًا وحديثًا لبيان مواقفهم من التصوف‏:‏

1ـ لم تعرف كلمة التصوف قط في عصر الصحابة ولا التابعين ولم يكن هناك بتاتًا من يسمى بالمتصوف، ولذلك فالتصوف بدعة منكرة لم تظهر إلا في أواخر القرن الثاني الهجري، ولذلك لم يدركها الإمامان أبو حنيفة ومالك ـ رضي الله عنهما ـ‏.‏

الإمام الشافعي‏:‏

وأما الإمام الشافعي فقد أدرك بدايات التصوف وكان من أكثر العلماء والأئمة إنكارًا عليهم‏.‏ وقد كان مما قاله في هذا الصدد‏:‏ ‏"‏لو أن رجلًا تصوف أول النهار لا يأتي الظهر حتى يصير أحمق‏"‏‏.‏

وقال أيضًا‏:‏ ‏"‏ما لزم أحد الصوفيين أربعين يومًا فعاد عقله أبدًا، وأنشد‏:‏

ودعوا الذين إذا أتوك تنسكو وإذا خلوا كانوا ذئاب خفاف

‏(‏تلبيس إبليس ص371‏)‏

وقال أيضًا عندما سافر إلى مصر‏:‏ ‏"‏تركت ببغداد وقد أحدث الزنادقة شيئًا يسمونه السماع‏"‏ ‏(‏يعني الغناء والرقص الذي ابتدعه الصوفية في القرن الثاني وما زال مسلكهم إلى اليوم‏)‏‏.‏

الإمام أحمد بن حنبل‏:‏

وأما الإمام أحمد بن حنبل فقد كان لهم بالمرصاد فقد قال فيما بدأ الحارث المحاسبي يتكلم فيه وهو الوساوس والخطرات‏.‏ قال أحمد‏:‏ ‏"‏ما تكلم فيها الصحابة ولا التابعون‏"‏‏.‏ وحذر من مجالسة الحارث المحاسبي وقال لصاحب له‏:‏ ‏"‏لا أرى لك أن تجالسهم‏"‏‏.‏ وذكر أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن أحمد بن حنبل أنه قال‏:‏

‏"‏حذروا من الحارث أشد التحذير‏!‏‏!‏ الحارث أصل البلبلة ـ يعني في حوادث كلام جهم ـ ذاك جالسه فلان وفلان وأخرجهم إلى رأي جهم ما زال مأوى أصحاب الكلام‏.‏ حارث بمنزلة الأسد المرابط انظر أي يوم يثب على الناس‏!‏‏!‏‏"‏ ‏(‏تلبيس إبليس 166ـ167‏)‏‏.‏

وهذا الكلام من الإمام أحمد يكشف فيه القناع أيضًا عن أن الحارث المحاسبي الذي تسربل ظاهرًا بالزهد والورع والكلام في محاسبة النفس على الخطرات والوساوس كان هو المأوى والملاذ لأتباع جهم بن صفوان المنحرفين في مسائل الأسماء والصفات والنافين لها، وهكذا كان التصوف دائمًا هو الظاهر الخادع للحركات والأفكار الباطنية‏.‏ ولذلك وقف الإمام أحمد لهؤلاء الأشرار الظاهرين منهم والمتخفين بالزهد والورع وأمر بهجر الحارث المحاسبي وشدد النكير عليه فاختفى الحارث إلى أن مات‏.‏ ‏(‏تلبيس إبليس 167‏)‏‏.‏

 الإمام أبو زرعة الدمشقي

وجاء بعد الإمام أحمد بن حنبل الإمام أبو زرعة رحمه الله فقال أيضًا عن كتب الحارث المحاسبي وقد سأله سائل عنها‏:‏ ‏"‏إياك وهذه الكتب هذه كتب بدع وضلالات‏.‏ عليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب‏.‏ قيل له‏:‏ في هذه الكتب عبرة‏.‏ بلغكم أن مالك بن أنس وسفيان الثوري والأوزاعي والأئمة المتقدمين صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء هؤلاء ‏(‏يعني الصوفية‏)‏ قوم خالفوا أهل العلم يأتوننا مرة بالحارث المحاسبي، ومرة بعبدالرحيم الدبيلي ومرة بحاتم الأصم ومرة بشقيق البلخي ثم قال‏:‏ ما أسرع الناس إلى البدع‏"‏ ا‏.‏هـ‏.‏ ‏(‏تلبيس إبليس ص166ـ167‏)‏‏.‏

الإمام أبو اليسر محمد بن محمد بن عبدالكريم البزودي المتوفي سنة 478هـ ببخارى‏:‏

قال في كتابه ‏(‏أصول الدين‏)‏ عند التعريف بالتصوف‏:‏ ‏"‏وأما ‏(‏الصوفية‏)‏ فأكثرهم من ‏(‏أهل السنة والجماعة‏)‏‏.‏ وفيهم من يكون صاحب الكرامة، إلا أنه قد ظهر فيهم مذاهب ردية أكثرها ضلال وبدعة‏.‏ منهم ‏(‏الحبية‏)‏ يقولون‏:‏ إن الله تعالى إذا أحب عبدًا رفع عنه الخطاب فيحل له كل النعم ويسقط عنه العبادات ولا يبقى في حقه حظر فلا يصلون ولا يصومون ولا يسترون العورة، ولا يمنعون عن الزنا وشرب الخمر، ولا عن اللواطة ولا عن محظور ما‏.‏

ومنهم ‏(‏الأوليائية‏)‏ يقولون‏:‏ إن الولي أفضل من النبي والرسول من الآدميين والملائكة جميعًا‏.‏ ويقولون‏:‏ إن الرسول دون المرسل إليه ودون المرسل، على هذا رأينا عادات الأكابر‏.‏ وهؤلاء يقولون أيضًا‏:‏ إذا بلغ الإنسان في العبادة الدرجة القصوى وفي الولاية الرتبة العليا لا يبقى في حقه خطاب الإيجاب ولا خطاب الحظر ويحل له كل شيء‏.‏

ومنهم ‏(‏الإباحتية‏)‏ يقولون‏:‏ الأموال كلها على الإباحة، وكذا الفروج وليس للملاك إلا مجرد الاكتساب، ويستبيحون أموال الناس وفروج نسائهم‏.‏

ومنهم ‏(‏الحلولية‏)‏ وهم قوم يستبيحون الرقص والغناء والنظر إلى الشاب الأمرد المليح الصبيح، ويقولون قد حلت بهذا الأمرد الصبيح صفة من صفات البارئ، فنحن نحبه ونعانقه لأجل تلك الصفة‏.‏

ومنهم ‏(‏الحورية‏)‏ يقولون باستباحة الرقص والغناء والمبالغة في الرقص حتى يسقطون على الأرض من كثرة الإتعاب في الرقص، ثم يقومون ويغتسلون ويقولون إن الحور العين يحضرن ‏(‏الحق أنهم كانوا ينسبون في هذا الوقت إلى أهل السنة والجماعة وكان هذا ظاهرهم ولكنهم في الحقيقة كانوا زنادقة في الباطن يضمرون عقائد الباطنية كما شرح البزدوي نفسه أحوالهم‏)‏، ونجامعهن وكأن إبليس جامعهم لشر صنيعتهم‏.‏

ومنهم ‏(‏الواقفية‏)‏ يقولون‏:‏ إنه لا يمكن معرفة الله تعالى، وتوقفوا في معرفة الله تعالى، وقالوا أبياتًا في الفارسية والعربية فيها‏:‏

تراكه داندكي تراتو داني تو

ترانداند كس تراتو داني بس

وقال آخر‏:‏

تاتوتوي زعلت خالي ني يا باعلل ومحك ويرا مجوي

وقال آخر‏:‏

جه خبر فهم وه، را ازتو بحقيقت تراتو داني تو

روح وقلب وخردبتوا محدث محدثات تراجه علم ازتو

وللآخر بالعربية‏:‏

لا يعرف الحق إلا من يعرفه لا يعرف القديم المحدث الفاني

‏(‏الشطر الثاني من البيت جاء مكسور الوزن‏)‏

وقالوا‏:‏ إن العجز عن المعرفة هو المعرفة‏.‏

ومنهم ‏(‏المتجاهلة‏)‏ وهم قوم يضربون المزامير ويشربون الخمر ويأتون ببعض الفواحش ويلبسون ثياب الفسقة ويقولون‏:‏ ترك الإرادة واجب فبمثل هذا تترك الإرادة‏.‏

ومنهم ‏(‏المتكاسلة‏)‏ رضوا بملء البطن من الطعام حرامًا كان أو حلالًا يأكلون ما يجدون حرامًا أو حلالًا، ويسكنون في الحانات لا يكسبون بل ينامون في غالب الأزمان ويصلون قليلًا قليلًا، ويأكلون كثيرًا إن وجدوه ويرقصون إن وجدوا قاريًا ‏(‏أي مضيفًا من القرى بمعنى الضيافة‏)‏، واختاروا الكسل ولا يتعلمون شيئًا ولا يتزوجون إلا أنهم لا يعتقدون مذهبًا رديًا ولا ينازعون مع أحد فهؤلاء لا بأس بهم‏.‏ ومنهم العامة الأتقياء البررة، وأصحاب الكرامات يكونون أبدًا على الطهارة ويتبعون سنن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المشرب والمأكل واللباس والكلام والنيام والعبادة إلا أنهم تركوا سنته في تبليغ الوحي، وفوضوا ذلك إلى العلماء‏.‏ وينبغي أن يترك الإنسان الطعن في الصوفية ويقطع لسانه عنهم ‏(‏قلت كيف يجب ذلك وهذه هي أحوالهم بل يجب الإنكار عليهم‏)‏، فإن فيهم خيار الأمة، وإنما ذكرت هؤلاء لأنه ظهر في بلادنا بعض هؤلاء خصوصًا بديار فرغانة قد يحضرون بخارًا أحيانًا ثم يخرجون إذا علمناهم فهؤلاء ‏(‏الأوليائية‏)‏ و‏(‏الحبية‏)‏ شر عباد الله مال مذهبهم إلى الزندقة‏.‏

وفي ‏(‏الصوفية‏)‏ قوم يدعون الإلهام يقولون‏:‏ حدثني قلبي عن ربي، ثم يذكرون بعض ما وضعه ‏(‏القرامطة‏)‏ من الإشارات الفاسدة بالألفاظ الهائلة يغرون بهم العامة، وجعلوا ذلك مكسبة لأنفسهم وأنكروا الشرائع أجمع، شر خليقة الله تعالى، وواحد من هؤلاء الصوفية حضر بلدة بخارى سنة ثمان وسبعين وأربع مائة، وجمع ‏(‏الصوفية‏)‏ وبعض ‏(‏أصحاب الشافعي‏)‏ على نفسه، وكنت خرجت من بلدة بخارى إلى بعض قراها فلما حضرت أخبروني بحضوره، وكان قبل ذلك يعتقد مذهب ‏(‏أبي حنيفة‏)‏ ويميل إلى الاعتزال، فبعثت إليه اثنين من أصحابي قلت لهما‏:‏ قولا له لم تركت مذهب ‏(‏أبي حنيفة‏)‏ وأخرجت هذه البدع‏.‏ فقال‏:‏ ما تركته؛ فقلت لهما‏:‏ قولا له لماذا ترفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع فاضطر إلى كشف سريرته الخبيثة فقال‏:‏ ظهر لي ما لو ظهر لكم ترفعون أيديكم فقلت لهما‏:‏ قولا له ماذا ظهر لك هل تقدر على إظهاره أو لا تقدر فإن كنت تقدر على إظهاره فأظهر وإن كنت لا تقدر على إظهاره فذلك بدعة عجزت عن إظهارها، ثم قلت لهما‏:‏ قولا له إنا على الطريقة التي كان عليها الرسل والأنبياء والصالحون من الفقهاء من جميع الأعصار وأتقياؤهم وأولياؤهم وقراؤهم وأنت أيها التلبيس ‏(‏هكذا بالأصل‏)‏ الضال الغاوي المغوي أعرضت عن طريقة هؤلاء وسلكت طريقة إبليس وهو طريقة ‏(‏الروافض‏)‏ و‏(‏القرامطة‏)‏ فعند ذلك فر من بلدة بخارى ونواحيها فرار القرود من الأسود والهنود والقيود‏.‏ وقد أخبرني واحد من فقهائنا أنه سأل هذا المبتدع لم تركت مذهب ‏(‏أبي حنيفة‏)‏ وترفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع، فقال‏:‏ إني رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصلي بأصحابه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وغيرهم ويرفعون أيديهم عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع ‏(‏بالرغم من أن السنة هي رفع اليدين عند الركوع والرفع منه إلا أن احتجاج الصوفي بأنه يرى الرسول يفعل ذلك يقظة تلبيس وزندقة وكذب على الرسول وقد زعموا أيضًا أنه أعني الرسول يحضر مجالس سماعهم وموالدهم، بل وديوانهم في حراء الذي يزعمون أنه تقدر فيه المقادير‏)‏ فقال‏:‏ قلت له رأيت في المنام قال‏:‏ بل في اليقظة‏"‏ انتهى بلفظه‏.‏

 الإمام ابن الجوزي

وأما الإمام أبو الفرج عبدالرحمن بن الجوزي البغدادي المتوفي سنة 597هـ فقد كتب كتابًا فريدًا سماه ‏(‏تلبيس إبليس‏)‏ خص الصوفية بمعظم فصوله وبين تلبيس الشيطان عليه وكان مما ذكره هذه الصفحات‏:‏

‏"‏وكان أصل تلبيسه عليهم أنه صدهم عن العلم وأراهم أن المقصود العمل فلما أطفأ مصباح العلم عندهم تخبطوا في الظلمات‏.‏ فمنهم من أراه أن المقصود من ذلك ترك الدنيا في الجملة فرفضوا ما يصلح أبدانهم‏.‏ وشبهوا المال بالعقارب، ونسوا أنه خلق للمصالح وبالغوا في الحمل على النفوس حتى إنه كان فيهم من لا يضطجع‏.‏ وهؤلاء كانت مقاصدهم حسنة غير أنهم على غير الجادة‏.‏ وفيهم من كان لقلة علمه يعمل بما يقع إليه من الأحاديث الموضوعة وهو لا يدري‏.‏ ثم جاء أقوام يتكلمون لهم في الجوع والفقر الوساوس والحظوات وصنفوا في ذلك مثل الحارث المحاسبي‏.‏ وجاء آخرون فهذبوا مذهب التصوف وأفردوه بصفات ميزوه بها من الاختصاص بالمرقعة والسماع والوجد والرقص والتصفيف وتميزوا بزيادة النظافة والطهارة‏.‏ ثم مازال الأمر ينمى والأشياخ يضعون لهم أوضاعًا ويتكلمون بواقعاتهم‏.‏ ويتفق بعدهم عن العلماء لا بل رؤيتهم ما هم فيه أو في العلوم حتى سموه العلم الباطن وجعلوا علم الشريعة العلم الظاهر‏.‏

ومنهم من خرج به الجوع إلى الخيالات الفاسدة فادعى عشق الحق والهيمان فيه كأنهم تخايلوا شخصًا مستحسن الصورة فهاموا به، وهؤلاء بين الكفر والبدعة، ثم تشعبت بأقوام منهم الطرق، ففسدت عقائدهم، فمن هؤلاء من قال بالحلول ومنهم من قال بالاتحاد‏.‏ وما زال إبليس يخبطهم بفنون البدع حتى جعلوا لأنفسهم سننًا، وجاء أبو عبدالرحمن السلمي فصنف لهم كتاب السنن، وجمع لهم حقائق التفسير، فذكر عنهم فيه العجب في تفسيرهم القرآن بما يقع لهم من غير إسناد ذلك إلى أصل من أصول العلم‏.‏ وإنما حملوه على مذاهبهم‏.‏ والعجب من ورعهم في الطعام وانبساطهم في القرآن‏.‏ وقد أخبرنا أبو منصور عبدالرحمن القزاز، قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر الخطيب قال‏:‏ قال لي محمد بن يوسف القطان النيسابوري، قال‏:‏ كان أبو عبدالرحمن السلمي غير ثقة، ولم يكن سمع من الأصم إلا شيئًا يسيرًا فلما مات الحاكم أبو عبدالله بن البيع حدث عن الأصم بتاريخ يحيى بن معين وبأشياء كثيرة سواه‏.‏ وكان يضع للصوفية الأحاديث‏.‏

قال المصنف‏:‏ وصنف لهم أبو نصر السراج كتابًا سماه لمع الصوفية ذكر فيه من الاعتقاد القبيح والكلام المرذول ما سنذكر منه جملة إن شاء الله تعالى‏.‏ وصنف لهم أبو طالب المكي قوت القلوب فذكر فيه الأحاديث الباطلة ومالا يستند فيه إلى أصل من صلوات الأيام والليالي وغير ذلك من الموضوع وذكر فيه الاعتقاد الفاسد‏.‏ وردد فيه قول ـ قال بعض المكاشفين ـ وهذا كلام فارغ وذكر فيه عن بعض الصوفية أن الله عز وجل يتجلى في الدنيا لأوليائه‏.‏ أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أبو بكر الخطيب قال‏:‏ قال أبو طاهر محمد بن العلاف‏.‏ قال‏:‏ دخل أبو طالب المكي إلى البصرة بعد وفاة أبي الحسين بن سالم فانتمى إلى مقالته وقدم بغداد فاجتمع الناس عليه في مجلس الوعاظ فخلط كلامه فحفظ عنه أنه قال‏:‏ ليس على المخلوق أضر من الخالق‏.‏ فبدعة الناس وهجروه فامتنع من الكلام على الناس بعد ذلك، قال الخطيب‏:‏ وصنف أبو طالب المكي كتابًا سماه قوت القلوب على لسان الصوفية وذكر فيه أشياء منكرة مستشبعة في الصفات‏.‏

قال المصنف‏:‏ وجاء أبو نعيم الأصبهاني فصنف لهم كتاب الحلية‏.‏ وذكر في حدود التصوف أشياء منكرة قبيحة ولم يستح أن يذكر في الصوفية أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا وسادات الصحابة ـ رضي الله عنه ـم‏.‏ فذكر عنهم فيه العجب وذكر منهم شريحًا القاضي والحسن البصري وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وكذلك ذكر السلمي في طبقات الصوفية وإبراهيم بن أدهم ومعروفًا الكرخي وجعلهم من الصوفية بأن أشار إلى أنهم من الزهاد‏.‏

فالتصوف مذهب معروف يزيد على الزهد ويدل على الفرق بينهما أن الزهد لم يذمه أحد وقد ذموا التصوف على ما سيأتي ذكره وصنف لهم عبدالكريم بن هوازن القشيري كتاب الرسالة فذكر فيها العجائب من الكلام في الفناء والبقاء، والقبض، والبسط، والوقت، والحال والوجد والوجود، والجمع، والتفرقة، والصحو، والسكر، والذوق، والشرب، والمحو، والإثبات، والتجلي، والمحاضرة، والمكاشفة، واللوائح، والطوالع، واللوامع، والتكوين، والتمكين والشريعة، والحقيقة، إلى غير ذلك من التخليط الذي ليس بشيء وتفسيره أعجب منه، وجاء محمد بن طاهر المقدسي فصنف لهم صفة التصوف فذكر فيه أشياء يستحي العاقل من ذكرها سنذكر منها ما يصلح ذكره في مواضعه إن شاء الله تعالى‏.‏

وكان شيخنا أبو الفضل بن ناصر الحافظ يقول‏:‏ كان ابن طاهر يذهب مذهب الإباحة، قال‏:‏ وصنف كتابًا في جواز النظر إلى المراد أورد فيه حكاية عن يحيى بن معين، قال‏:‏ رأيت جارية بمصر مليحة صلى الله عليها‏.‏ فقيل له تصلي عليها، فقال صلى الله عليها وعلى كل مليح، قال شيخنا ابن ناصر‏:‏ وليس ابن طاهر بمن يحتج به، وجاء أبو حامد الغزالي فصنف لهم كتاب الإحياء على طريقة القوم وملأه بالأحاديث الباطلة وهو لا يعلم بطلانها، وتكلم في علم المكاشفة وخرج عن قانون الفقه‏.‏ وقال‏:‏ إن المراد بالكوكب والشمس والقمر اللواتي رآهن إبراهيم صلوات الله عليه أنوار هي حجب الله عز وجل ولم يرد هذه المعروفات‏.‏ وهذا من جنس كلام الباطنية‏.‏ وقال في كتابه المفصح بالأحوال‏:‏ إن الصوفية في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتًا ويقتبسون منهم فوائد، ثم يترقى الحال من مشاهدة الصورة إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق‏.‏

قال المصنف‏:‏ وكان السبب في تصنيف هؤلاء مثل هذه الأشياء قلة علمهم بالسنن والإسلام والآثار وإقبالهم على ما استحسنوه من طريقة القوم‏.‏ وإنما استحسنوها لأنه قد ثبت في النفوس مدح الزهد وما رأوا حالة أحسن من حالة هؤلاء القوم في الصورة ولا كلاما أرق من كلامهم‏.‏ وفي سير السلف نوع خشونة، ثم إن ميل الناس إلى هؤلاء القوم شديد لما ذكرنا من أنها طريقة ظاهرها النظافة والتعبد وفي ضمنها الراحة والسماع والطباع تميل إليها‏.‏ وقد كان أوائل الصوفية ينفرون من السلاطين والأمراء فصاروا أصدقاء ‏(‏أي بعد أن صار التصوف حرفة وتكسبًا صاحبوا الأمراء والسلاطين‏)‏‏.‏

وجمهور هذه التصانيف التي صنفت لهم لا تستند إلى أصل وإنما هي واقعات تلقفها بعضهم عن بعض ودونوها وقد سموها بالعلم الباطن‏.‏ والحديث بإسناد إلى أبي يعقوب إسحق بن حية قال سمعت أحمد بن حنبل وقد سئل عن الوساوس والخطرات‏.‏ فقال‏:‏ ما تكلم فيها الصحابة ولا التابعون‏.‏

قال المصنف‏:‏ وقد روينا في أول كتابنا هذا عن ذي النون نحو هذا، وروينا عن أحمد بن حنبل أن سمع كلام الحارث المحاسبي‏.‏ فقال لصاحب له‏.‏ لا أرى لك أن تجالسهم‏.‏ وعن سعيد بن عمرو البردعي، قال شهدت أبا زرعة، وسئل عن الحارث المحاسبي وكتبه، فقال للسائل‏:‏ إياك وهذه الكتب‏.‏ هذه الكتب كتب بدع وضلالات، عليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب‏.‏ وقيل له‏.‏ في هذه الكتب عبرة‏.‏ قال‏:‏ من لم يكن له في كتاب الله عز وجل عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة‏.‏ بلغكم أن مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والأئمة المتقدمة، صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم يأتوننا مرة بالحارث المحاسبي ومرة بعبدالرحيم الدبيلي ومرة بحاتم الأصم ومرة بشقيق، ثم قال‏:‏ ما أسرع الناس إلى البدع‏.‏

أخبرنا محمد بن عبد الباقي ثنا أبو محمد رزق الله بن عبدالوهاب التميمي عن أبي عبدالرحمن السلمي قال‏:‏ أول من تكلم في بلدته في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية ذو النون المصري فأنكر عليه ذلك عبدالله بن عبدالحكم وكان رئيس مصر وكان يذهب مذهب مالك وهجره لذلك علماء مصر لما شاع خبره أنه أحدث علمًا لم يتكلم فيه السلف حتى رموه بالزندقة‏.‏ قال السلمي‏:‏ وأخرج أبو سليمان الداراني من دمشق‏.‏ وقالوا إنه يزعم أنه يرى الملائكة وأنهم يكلمونه، وشهد قوم على أحمد بن أبي الحواري‏:‏ إنه يفضل الأولياء على الأنبياء فهرب من دمشق إلى مكة، وأنكر أهل بسطام على أبي يزيد البسطامي ما كان يقول حتى إنه ذكر للحسين بن عيسى أنه يقول‏:‏ لي معراج كما كان للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ معراج فأخرجوه من بسطام، وأقام بمكة سنتين ثم رجع إلى جرجان فأقام بها إلى أن مات الحسين بن عيسى ثم رجع إلى بسطام، قال السلمي‏:‏ وحكى رجل عن سهلي بن عبدالله التستري أنه يقول‏:‏ إن الملائكة والجن والشياطين يحضرونه وإنه يتكلم عليهم فأنكر ذلك عليه العوام حتى نسبوه إلى القبائح فخرج إلى البصرة فمات بها، قال السلمي‏:‏ وتكلم الحارث المحاسبي في شيء من الكلام والصفات فهجره أحمد بن حنبل فاختفى إلى أن مات‏.‏

قال المصنف‏:‏ وقد ذكر أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن أحمد بن حنبل أنه قال‏:‏ حذروا من الحارث أشد التحذير، الحارث أصل البلية يعني في حوادث كلام جهم ذاك جالسه فلان وفلان وأخرجهم إلى رأي جهم ما زال مأوى أصحاب الكلام، حارث بمنزلة الأسد المرابط انظر أي يوم يثب على الناس‏"‏ ‏(‏تلبيس إبليس 167/163‏)‏‏.‏ انتهى منه بلفظه‏.‏

 الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية

وأما الإمام ابن تيمية رحمه الله فقد كان من أعظم الناس بيانًا لحقيقة التصوف، وتتبعًا لأقوال الزنادقة والملحدين منهم وخاصة ابن عربي، والتلمساني، وابن سبعين‏.‏

فتعقب أقوالهم وفضح باطنهم وحذر الأمة من شرورهم وذلك في كتبه ومؤلفاته الكثيرة وفي فتاويه، وكذلك تتبع أقوال المخلطين منهم الذين خلطوا بين القول الطيب والقول الخبيث كالترمذي صاحب كتاب ‏(‏ختم الولاية‏)‏ والغزالي صاحب إحياء علوم الدين‏.‏ ولا شك أن من أعظم ما ألف الإمام ابن تيمية في هذا الصدد هو كتابة ‏(‏الفرقان بين أولياء الرحمة وأولياء الشيطان‏)‏ فقد فصل فيه القول في الولاية الرحمانية وبيان صفاتها من الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح، وفرق بين ذلك والولاية الشيطانية الصوفية التي تعتمد على الشعبذات والدجل، والكذب، وأكل أموال الناس بالباطل، والسماع والغناء والرقص والبدع المنكرة في الدين، والتظاهر بالصلاح والتقوى، ولقد أجاد الإمام ابن تيمية رحمه الله أيما إجادة في بيان الكرامة الرحمانية التي هي حق لولي الله، والكرامة الشيطانية التي تجري أحيانًا على أيدي هؤلاء كتظاهرهم بالدخول في النيران وزعمهم أنها لا تضرهم، وحملهم الحيات والثعابين، وضربهم أنفسهم بالسيوف والسهام وغير ذلك من أنواع المخاريق التي يزعمون أنها من كراماتهم، وقد قام الإمام ابن تيمية نفسه بتحدي هؤلاء الصوفية الذي يزعمون هذه الكرامات وأنه يدخل معهم النار التي يزعمون دخولها وأنها تحرقهم إن شاء الله ولا تحرقه، شريطة أن يغسلوا أنفسهم أولًا بالخل لإزالة دهن الضفادع الذي يدهنون به أنفسهم حتى لا تؤثر فيهم النار‏.‏ فلما كشف حيلهم وتحداهم وكان ذلك بمحضر السلطان تراجعوا عن ذلك وظهر كذبهم ومخاريقهم، وكان هؤلاء الصوفية من أتباع الرفاعي البطائحي ‏(‏انظر مناظرة ابن تيمية لدجاجلة البطائحية الفتاوي الكبرى من ص445ـ476‏)‏‏.‏

والمهم أن الإمام ابن تيمية كان من أعظم الرجال الذي كشفوا عوار التصوف وتتبعوا ترهاته، وما كتبه ودونه وقام به في هذا الصدد شيء يطول وصفه جدًا‏.‏

 الإمام برهان الدين البقاعي المتوفي سنة 885هـ

ألف هذا الإمام الجليل كتابًا فذًا فريدًا سماه ‏(‏تنبيه الغبي بتكفير عمر بن الفارض وابن عربي‏)‏ قال في خطبة هذا الكتاب‏:‏

‏"‏وبعد‏:‏ فإني لما رأيت الناس مضطربين في ابن عربي المنسوب إلى التصوف، الموسوم عند أهل الحق بالوحدة، ولم أر من شفى القلب في ترجمته وكان كفره في كتابه الفصوص أظهر منه في غيره، أحببت أن أذكر منه ما كان ظاهرًا، حتى يعلم حاله، فيهجر مقاله، ويعتقد انحلاله، وكفره وضلاله، وأنه إلى الهاوية مآله ومآبه، امتثالًا لما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ‏:‏ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏[‏من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان‏]‏ وفي رواية عن عبدالله بن مسعود‏:‏ ‏[‏وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة من خردل‏]‏، وما أحضر من النسخة التي نقلت ما تراه منها إلا شخص من كبار معتقديه، وأتباعه ومحبيه‏.‏

 عقيدة ابن عربي وكيده للإسلام

وينبغي أن يعلم أولًا أن كلامه دائر على الوحدة المطلقة، وهي‏:‏ أنه لا شيء سوى هذا العالم، وأن الإله أمر كلي لا وجود له إلا في ضمن جزئياته‏.‏ ثم إنه يسعى في إبطال الدين من أصله، بما يحل به عقائد أهله، بأن كل أحد على صراط مستقيم، وأن الوعيد لا يقع منه شيء، وعلى تقدير وقوعه، فالعذاب المتوعد به إنما هو نعيم وعذوبة، ونحو ذلك‏!‏‏!‏‏.‏ وإن حصل لأهله ألم، فهو لا ينافي السعادة والرضى، كما لم ينافها ما يحصل من الآلام في الدنيا، وهذا يحط عند من له وعلى اعتقاد‏:‏ أنه لا إله أصلًا، وأنه ما ثم إلا أرحام تدفع، وأرض تبلع، وما وراء ذلك شيء‏.‏

 منهاج الصوفية في الكيد بدعوتهم

وكل ما في كلامه من غير هذا المهيع فهو تستر وتلبيس على من ينتقد عليه، ولا يلقي زمام انقياده إليه، فإنه علم أنه إن صرح بالتعطيل ابتداء بعد كل من قبوله فأظهر لأهل الدين أنه منهم، وقف لهم في أودية اعتقادهم، ثم استدرجهم عند المضائق، واستغواهم في أماكن الاشتباه، وهو أصنع الناس في التلبيس، فإنه يذكر أحاديث صحاحًا، ويحرفها على أوجه غريبة، ومناح عجيبة، فإذا تدرج معه من أراد الله ـ والعياذ بالله ـ ضلاله، وصل ـ ولا بد ـ إلى مراده من الانحلال من كل شرعة، والمباعدة لكل ملة‏.‏ وخواص أهل هذه النحلة يتسترون بإظهار شعائر الإسلام، وإقامة الصلاة والصيام، وتمويه الإلحاد بزي التنسك والتقشف، وتزويق الزندقة بتسميتها‏:‏ بعلم التصوف، فهو ممن أشار إليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله‏:‏ ‏[‏يحقر أحدكم صلاته مع صلاته، وصيامه مع صيامه، يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية‏]‏‏.‏

وقد أصل لهم غويهم هذا كما صرح به في الفص النوحي‏:‏ أن الدعوة إلى الله مكر‏!‏‏!‏ ونسب ذلك إلى الأنبياء عليهم السلام، فقال‏:‏ أدعو إلى الله‏.‏ فهذا عين المنكر‏.‏‏.‏ إلى آخر كلامه‏.‏

وهذا هو السر في تنسكهم‏.‏ على أنهم قد استغنوا في هذا الزمان عن التنسك، لانقياد أهله بغير ذلك، وقد يستدرجهم الله وأمثالهم ـممن يريد ضلالهـ بإظهار شيء من الخوارق على أيديهم، كما يظهره الله على يد الدجال، وأيدي بعض الرهبان، ليتبين الموقن من المرتاب‏.‏

 مثالهم في الزندقة

وقد ضربوا ـ لتصحيح زندقتهم ـ مثالًا مكروا فيه بمن لم ترسخ قدمه في الإسلام، ولا خالط أنفاس النبوة، حتى صار يدفع الشبه‏.‏

حاصل ذلك المثال‏:‏ أنهم يصلون إلى الله بغير وساطة المبعوث بالشرع، فتم لهم المكر، وتبعهم في ذلك أكثر الرعاع، ولم يبالوا بخرق الإجماع، وذلك المثال‏:‏ أن ملكًا أقام على بابه سيفًا، وقال له‏:‏ من دخل بغير إذنك فاقتله، وقال لغيره‏:‏ أذنت لك في الدخول متى شئت، فإذا دخل الغير ، فقد أصاب، وعنوا بالسياف الشارع‏.‏ فما أفادهم مثالهم مع زندقتهم به شيئًا، فإنهم اعترفوا فيه بإباحة دمائهم، وهو قصد أهل الشريعة، ومن يعتقد أن لأحد من الخلق طريقًا إلى الله من غير متابعة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو كافر من أولياء الشيطان بالإجماع، فإن رسالته ـ صلى الله عليه وسلم ـ عامة ودعوته شاملة‏"‏ ‏(‏تنبيه الغبي إلى كفر الفارض وابن عربي لبرهان الدين البقاعي ص18ـ21‏)‏‏.‏ انتهى منه بلفظه‏.‏

ثم شرع المؤلف رحمه الله بعد ذلك يورد كلام أئمة الدين والعلم في بيان كفر هؤلاء وزندقتهم، وشرح ما جاء في الفصوص لابن عربي وبين كفره وزندقته وكذبه على الله ورسوله واستهزاءه بالأنبياء والمرسلين وادعاءه أن كل موجود هو الله‏.‏ وكذلك استعرض قصيدة ابن الفارض المشهورة التائية وبين ما فيها من كفر وزندقة وأنها والفصوص وجهان لعملة واحدة وصورتان لكتاب واحد وهي وحدة الوجود التي ينادي بها هؤلاء الزنادقة‏.‏

وعلى كل حال لو تتبعنا كلام علماء المسلمين قديمًا في شأن التحذير من التصوف فإنه أمر يطول شرحه‏.‏

وأما في العصر الحديث فإن التصوف على الرغم من انتشاره في غفلة من المسلمين عن علوم الكتاب والسنة، فإن الله سبحانه وتعالى قيض للمسلمين في العصر الحديث الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب الذي كان لدعوته المباركة في الجزيرة العربية الفضل في إيقاظ الأمة من سباتها العميق، واطلاعها على حقيقة التصوف الضال فانتشرت دعوة التوحيد شرقًا وغربًا، وقام الرجال المخلصون بملاحقة فلول التصوف في كل صقع من أصقاع الأرض حتى انزاحت الغمة أو كادت بفضل الله ورحمته بعد أن كان الظلام والشر قد عم الأرض كلها إلا القليل القليل من أهل الدين الحق والتوحيد‏.‏ وأحب في هذا الباب من هذا الكتاب المبارك إن شاء الله تعالى أن أسوق شهادتين لرجلين مشهورين من رجال العصر الحاضر ممن أكرمهم الله بالنجاة من التصوف الخاسر إلى رحاب التوحيد والإيمان وهما الدكتور تقي الدين الهلالي شيخ التوحيد والسنة في بلاد المغرب، بل في العالم الإسلامي كله، والذي كان صوفيًا ‏(‏تجانيًا‏)‏ فأكرمه الله بدعوة التوحيد فلما رأى النور والخير كتب كتابه ‏(‏الهدية الهادية إلى الطريقة التجانية‏)‏‏.‏ وأما الرجل الآخر الذي ننقل شهادته فهو الشيخ عبدالرحمن الوكيل رحمه الله، وكيل جماعة أنصار السنة بمصر، والذي جرّد قلمه السيال لبيان فرية التصوف الكبرى فكتب كتابه المشهور ‏(‏هذه هي الصوفية‏)‏‏.‏