فصل: الفصل الخامس: مناظرة شيخ الإسلام أحمد بن عبدالحليم بن تيمية للبطائحية الرفاعية

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة **


 الطريقة الرفاعية والتشيع

تلتقي الطريقة الرفاعية مع التشيع في أمور كثيرة أهمها ما يلي‏:‏

1ـ جعل أحمد الرفاعي في المنزلة بعد الأئمة الاثني عشرة مباشرة‏:‏

بالرغم من أن الرفاعية ينسبون إمامهم أحمد الرفاعي إلى أنه من أولاد إبراهيم بن موسى الكاظمي بن جعفر الصادق بن محمد بن الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي ـ رضي الله عنه ـ ‏(‏الطريقة الرفاعية ص129‏)‏، إلا أن الغريب حقًا أنهم يجعلون منزلته بعد منزلة الأئمة الاثني عشر مباشرة، وهذا لا شك مبني على قول الإمامية في أن الأئمة الاثني عشر هم وُرَّاثُ الدين، وأن إماميتهم بالنص، وجعل أحمد الرفاعي آتيًا في المنزلة بعد الإمام الثاني عشر الذي يزعم الشيعة أنه ابن سنتين أو ثلاث أو خمس على خلاف بينهم وأنه دخل السرداب في سامراء سنة 206هـ وأنه مهدي آخر الزمان، وأنه سيخرج ليملأ الدنيا عدلًا‏.‏‏.‏ لا شك أن قول الرفاعية في أحمد الرفاعي اعتراف منهم بهذه العقيدة التي يعتقد أهل السنة أنها من المفتريات والمكذوبات وأن الحسن العسكري لم ينجب أحدًا، وأن هذا المهدي لا وجود له‏.‏

يقول الأستاذ محمد فهد الشقفة صاحب كتاب التصوف بين الحق والخلق‏:‏ ‏"‏لدى تصفحي مواضيع كتاب بوارق الحقائق للرواس وجدت نقاطًا تحتاج إلى بيان شاف ـإن كان لها بيان شافـ‏.‏‏.‏ وقد علقت عليه بملاحظات‏"‏‏.‏ ثم ذكر المؤلف من هذه الملاحظات ما يلي‏:‏

‏"‏الأولى ـ يذكر ناشر هذا الكتاب ومحققه في ذيل صحيفة 141ـ142 ناقلًا عن ‏(‏روضة العرفان‏)‏ لمؤلفها السيد محمود أبو الهدى خليفة الرواس قال فيها‏:‏ ‏(‏الأئمة الاثنا عشر‏)‏ رضي الله تعالى عنهم أئمة آل بيت الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، تشمل إمامتهم كثيرًا من المعاني اختلف فيها الفرقـ ثم بعد أن يذكر رأيين لفرقتين من الشيعة الاثني عشرية من هؤلاء الأئمة، يقول‏:‏ وأشرف المذاهب فيهم، مذهب أهل الحق من رجال الله العارفين فإنهم يقولون‏:‏ إن الأئمة الاثني عشر، هم أئمة العترة فكل واحد منهم إمام لآل في زمانه، وصاحب مرتبة الغوثية المعبر عنها بالقطبية الكبرى، وهم ‏:‏ 1ـ سيدنا أمير المؤمنين ‏(‏علي بن أبي طالب‏)‏ كرم الله وجهه، 2ـ والإمام الجليل ولده أبو محمد‏(‏الحسن‏)‏، 3ـ والإمام الشهيد ‏(‏الحسين‏)‏، 4ـ والإمام زين العابدين ‏(‏علي‏)‏، 5ـ والإمام ‏(‏محمد الباقر‏)‏، 6ـ والإمام ‏(‏جعفر الصادق‏)‏، 7ـ والإمام ‏(‏موسى الكاظم‏)‏، 8ـ والإمام ‏(‏علي الرضا‏)‏، 9ـ والإمام محمد ‏(‏الجواد‏)‏، 10ـ والإمام ‏(‏علي الهادي‏)‏، 11ـ والإمام ‏(‏الحسن العسكري‏)‏، 12ـ والإمام ‏(‏محمد المهدي‏)‏ المنتظر الحجة، ـ رضي الله عنهم ـ جميعًا‏.‏

الثانية ـ ويذكر أيضًا عن ‏(‏روضة العرفان‏)‏ بعد ما تقدم في ذيل الصحيفة 142 تحت عنوان ‏(‏تحفة‏)‏‏:‏ أن بعض الأجلاء رأي الرسول عليه الصلاة والسلام في المنام وسأله عن الإمام السيد أحمد الرفاعي ـ رضي الله عنه ـ فقال له عليه الصلاة والسلام‏:‏ هو ثالث عشر أئمة الهدي من أهل بيتي‏.‏

الثالثة ـ ويذكر الرواس في صحيفة 212 من هذا الكتاب ‏(‏بوارق الحقائق‏)‏ أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال له‏:‏ تمسك بولدي ‏(‏أحمد الرفاعي‏)‏ تصل إلى الله فهو سيد أولياء أمتي بعد أولياء القرون الثلاثة وأعظمهم منزلة، ولا يجيء مثله إلى يوم القيامة غير سميك ‏(‏المهدي‏)‏ بن العسكري‏"‏ ا‏.‏هـ‏.‏ ‏(‏التصوف بين الحق والخلق ص196‏)‏‏.‏

وهذه الملاحظات التي أوردها محمد فهد الشقفة نقلًا من كتاب بوارق الحقائق للرواس الرفاعي لا تحتاج إلى مزيد شرح وإيضاح أن العقيدة الرفاعية هي عين العقيدة الشيعية الإمامية حول الأئمة عمومًا والإمام الغائب خصوصًا‏.‏ وإن كان الصيادي قد زعم تارة أن أحمد الرفاعي يأتي في المنزلة بعد المهدي الغائب، وتارة يجعله مساويًا له‏.‏‏.‏

2ـ إسناد الطريقة الرفاعية عن الإمام الغائب مهدي الشيعة المنتظر‏:‏

وقد جعل محمد الصيادي الرفاعي المتوفي سنة 1327هـ 1909م والذي يسمونه مجدد الطريقة الرفاعية، والرفاعي الثاني، أحد أسانيده المزعومة في الطريقة إلى المهدي الغائب منتظر الشيعة حيث يقول‏:‏

‏"‏لي أربعة أسانيد في المصافحة الأول عن ابن عمي السيد إبراهيم الرفاعي المفتي وسنده في المصافحة سنده في الإجازة إلى الإمام الأكبر سلطان الأولياء مولانا السيد أحمد الكبير الرفاعي ـ رضي الله عنه ـ وهو صافح جده يوم مد اليد والقصة أشهر من أن تذكر‏.‏ والثاني عن ابن عمي وشيخي السيد عبدالله الراوي الرفاعي وسنده أيضًا سند إجازته وهو يتصل بالإمام الكبير الرفاعي ـ رضي الله عنه ـ وعنا به وهو قد صافح جده عليه الصلاة والسلام‏.‏ والثالث عن حجة الله الإمام المهدي ابن الإمام العسكري رضوان الله وسلامه عليهما في طيبة الطيبة تجاه المرقد الأشرف المصطفوي وقال صافحت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودعا لي بخير‏.‏ قال شيخنا ‏(‏ـ رضي الله عنه ـ‏)‏ ثم دعا لي الإمام المهدي رضوان الله عليه بخير‏.‏ قال والرابع عن الخضر عليه السلام صافحته سبعًا وثلاثين مرة آخر مرة منها في مقام الشيخ معروف الكرخي ‏(‏ـ رضي الله عنه ـ‏)‏ ببغداد عصر يوم جمعة فقال صافحت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال لي صافحت كفي هذه سرادقات عرش ربي عز وجل‏"‏ انتهى ‏(‏المجموعة النادرة ص230،231‏)‏‏.‏

وهذا اعتراف صريح لعقيدة الشيعة في الأئمة الاثني عشر، وبالإمام الغائب المزعوم‏.‏ فأي صلة أكبر من هذا بين الطريقة الرفاعية والتشيع‏.‏

 وحدة الشعار بين الرفاعية والشيعة

وتلتقي الطريقة الرفاعية أيضًا في شعار واحد مع التشيع وهو السواد، ولبس العمامة السوداء‏.‏‏.‏ يقول محمد مهدي الصيادي الرفاعي في كتاب قذلكة الحقيقة في أحكام الطريقة‏:‏

‏"‏المادة التاسعة عشرة في المائة الثالثة‏:‏

لبس العمامة السوداء، ولبس العمامة البيضاء وكلاهما سنة من سنن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولهذا كان زي إمامنا في طريقتنا السيد أحمد الرفاعي ـ رضي الله عنه ـ وعنا به العمامة السوداء فهي خرقته المباركة‏"‏‏!‏‏!‏ ‏(‏الطريقة الرفاعية ص126‏)‏‏.‏

فاختيار اللون الأسود ليكون الخرقة والشعار لا شك أنه توافق ظاهر آخر مع الشيعة الذين جعلوا هذا اذللون شعارًا لهم‏.‏

 الخلوة الأسبوعية

ومن مشاعر الطريقة الرفاعية الخاصة الخلوة الأسبوعية في كل عام، وابتداء دخلوها في اليوم الثاني من عاشوراء يعني الحادي عشر من محرم، وقد جعلوها شرطًا لكل من انتسب إلى هذه الطريقة، وطعامها خال من كل ذي روح ‏(‏الطريقة الرفاعية ص115‏)‏‏.‏

ولا شك أن هذا التوقيت السنوي ليس اختياره عبثًا، لأنه يأتي بعد المشاعر الخاصة للشيعة رأسًا‏.‏

 ادعاء الاختصاص بالرحمة

يدعي الصياد وهو المؤسس الثاني للطريقة الرفاعية أنه مختص برحمة الله، ووارث رسول الله، والمختار من الله الذي كشف له الغيب، وعرف أسرار الرموز القرآنية، وباطن القرآن، وأنه كنز الفيوضات المحمدية، وأنه إمام الوقت، والإمامية تظل فيه وفي أعقابه إلى يوم القيامة‏.‏‏.‏ وهذه الدعاوي جميعًا هي من دعاوي الشيعة في أئمتهم وهذه بعض نصوص عباراته في ذلك‏:‏

يقول الصيادي الرفاعي‏:‏

‏"‏فأهل الاختصاص جذبتهم يد المشيئة الربانية، بمحض الفضل والعناية الصمدانية، إلى أقصى المراتب العلية، وهذا المنح الباهر، والفضل الوافر، هو يوم حصتي، ومنصته منصتي، أقامني الله في هذه المنزلة إمامًا، واختارني لرتبة هذه الخصوصية ختامًا، وكشف لي مخبآت الغيب باطلاع من كرمه، وجليل نعمه، ففهمت أسرار الرموز الفرقانية، وسبرت خفايا دقائق البطون القرآنية ولم تبرح تترقى همتي بكشف تلك الحجب اللطيفة، وبشق ديباجات هاتيك المحاضر الشريفة، فأنا اليوم ولربي الحمد والشكر وله الإحسان والبر، كنز الفيوضات الطاهرة المحمدية، وسجل العلوم المقدسة النبوية، وهذه النوبة نوبتي، تتقلب في ورّاث منزلتي، وخدام قدمي إلى ما شاء الله، بهذا بشرت من صاحب الوعد الصادق، وقرأته في صحف الرموزات العلوية التي طفحت بفائق الحقائق، سينشر علم ظهور حالي بعد هذا الخفاء في الأكوان، ويبرز بروز الشمس من بطن ليل الطمس للعيان، وتعكف على بابي القلوب والأرواح، ويسري سر إرشادي في الجبال والأودية والبطاح، ولم يمسس شأن نهجي المبارك غبار دنيوي، ولم يرجع منه حرف إلى قصد نفساني، بل كله لله، على منهاج رسول الله، عليه صلوات الله، لا يعبأ معناه بحال من أحوال هذه الدنيا الدنية، ولا يلتفت قائد حاله إلى مظاهرها الزائلة المطوية، وقد تفرغ رجال وراثتي حال النبي في الأمة، وتقوم بأطوار السادة القادة الأئمة، ومن رجالي وجه مولاي علي أمير المؤمنين، صهر النبي الأمين، الأسد البطين، ليث العرين، ولي هذا الخط الذي سيبرز، وكأني أراه على يد عبد يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله، من البيت الفاطمي، والفرع الأمدي، خزامي الفصيلة، خالدي القبيلة، يجدد المجد العلوي، ويرفع قواعد البيت الرفاعي، ويمهد فخار العنصر الصيادي، ينبلج شارق طالعه قرب متكين، فيقوم كما أنا حيرة للمفتونين، وجاذبة للموفقين، ويترعرع مجده في ساحة الظهور، فيرتقي إلى الشهباء، ثم إلى فروق، وبها تظهره لوامع بروق، وفي بحبوحة تلك الترقيات، وسمو هاتيك المنصات، فالمفتون قادح، والمأمون مادح ونور الله ساطع، وفي فضاء الوجودات لامع، وما النصر إلا من عند الله، يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله، ويقبل عليه من ارتضيناه وأعناه، وأسعفناه بمدد واجتذبناه، ولا يزال الأمر منبلج المظهر، ولذكر الله أكبر‏"‏ ا‏.‏هـ‏.‏ منه بلفظه‏.‏

ولا يخفى على القارئ اللبيب كلمات هذا الصيادي أن وارثه سيجدد المجد العلوي، وأنه من البيت الفاطمي‏.‏‏.‏ فكلها عبارات تنبئ عن المقصد والمعتقد‏.‏

* ولعلنا لا نستغرب بعد ذلك ممن ترجم لهذا الصيادي الرفاعي بعد موته فقال عنه‏:‏

‏"‏قام السيد أبو الهدىرحمه الله مدة حياته الكريمة بأعمال جليلة نافعة ومآثر حميدة طيبة تبقى شافعة له عند ربه يوم اللقاء، وأعماله كانت منصبة على تعمير الأضرحة لآل البيت الكرام‏"‏ ‏(‏المجموعة النادرة ص37،38‏)‏‏.‏

 الفصل الخامس‏:‏ مناظرة شيخ الإسلام أحمد بن عبدالحليم بن تيمية للبطائحية الرفاعية

بعد أن استكملنا بحمد الله الخطوط العريضة للطرق الصوفية قديمًا وحديثًا نتبع هذا البيان بمناظرة شيخ الإسلام ابن تيمية لمن عاصروه من الرفاعية البطائحية فقد زعم الرفاعية أن الله قد ألان لهم الحديد وأزال لهم فاعلية السموم والنيران، وأخضع لهم طغاة الجن، وما زالوا منذ ذلك اليوم يمخرقون بمثل هذا على الناس إلى يومنا هذا‏.‏ وقد وقعت مناظرة بين شيخ الإسلام والرفاعية حول هذه الأمور التي يدعونها‏.‏ فتحداهم شيخ الإسلام فيها وبين لهم أن ما يدعونه كذب وتمويه ودجل وليس من الولاية في شيء، وقد أثبت هذه المناظرة بكاملها بقلم الشيخ ابن تيمية لما فيها من القواعد العظيمة والجليلة، ولمناسبتها لما نحن في صددها من بيان الحق فيما عند الصوفية من الزيغ والباطل والله المستعان‏.‏

قال شيخ الإسلام قدس الله روحه‏:‏

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله رب السماوات والأرضين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خاتم النبيين، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تسليمًا دائمًا إلى يوم الدين ‏(‏مناظرة ابن تيمية لدجاجلة البطائحية‏)‏‏.‏

‏(‏أما بعد‏)‏ فقد كتبت ما حضرني ذكره في المشهد الكبير بقصر الإمارة والميدان بحضرة الخلق من الأمراء والكتاب والعلماء والفقراء العامة وغيرهم في أمر ‏(‏البطائحية‏)‏ يوم السبت تاسع جمادي الأولى سنة خمس ‏(‏أي بعد السبعمائة‏)‏ لتشوف الهمم إلى معرفة ذلك وحرص الناس على الإطلاع عليه‏.‏ فإن من كان غائبًا عن ذلك قد يسمع بعض أطراف الواقعة، ومن شهدها فقد رأى وسمع ما رأى وسمع، ومن الحاضرين من سمع ورأى ما لم يسمع غيره ويرى لانتشار هذه الواقعة العظيمة، ولما حصل بها من عز الدين، وظهور كلمته العليا، وقهر الناس على متابعة الكتاب والسنة، وظهور زيف من خرج عن ذلك من أهل البدع المضلة والأحوال الفاسدة والتلبيس على المسلمين‏.‏

وقد كتبت في غير هذا الموضع صفة حال هؤلاء ‏(‏البطائحية‏)‏ وطريقتهم وطريق ‏(‏الشيخ أحمد بن الرفاعي‏)‏ وحاله، وما وافقوا فيه المسلمين وما خالفوهم‏.‏ ليتبين ما دخلوا فيه من دين الإسلام وما خرجوا فيه عن دين الإسلام، فإن ذلك يطول وصفه في هذا الموضع، وإنما كتبت هنا ما حضرني ذكره من حكاية هذه الواقعة المشهورة في مناظراتهم ومقابلتهم‏.‏

وذلك أني كنت أعلم من حالهم بما قد ذكرته في غير هذا الموضع ـوهو أنهم وإن كانوا منتسبين إلى الإسلام، وطريقة الفقر والسلوك، ويوجد في بعضهم التعبد والتأله والوجد والمحبة والزهد والفقر والتواضع ولين الجانب والملاطفة في المخاطبة والمعاشرة والكشف والتصرف ونحو ذلك ما يوجد ـ فيوجد أيضًا في بعضهم من الشرك وغيره من أنواع الكفر، ومن الغلو والبدع في الإسلام والإعراض عن كثير ما جاء به الرسول، والاستخفاف بشريعة الإسلام، والكذب والتلبيس وإظهار المخارق الباطلة وأكل أموال الناس بالباطل، والصد عن سبيل الله ما يوجد‏.‏‏.‏

وقد تقدمت لي معهم وقائع متعددة بينت فيها لمن خاطبته منهم ومن غيرهم بعض ما فيهم من حق وباطل، وأحوالهم التي يسمونها الإشارات، وتاب منهم جماعة، وأدب منهم جماعة من شيوخهم، وبينت صورة ما يظهرونه من المخاريق‏:‏ مثل ملابسة النار والحيات، وإظهار الدم، واللاذن والزعفران وماء الورد والعسل والسكر وغير ذلك، وأن عامة ذلك عن حيل معروفة وأسباب مصنوعة، وأراد غير مرة منهم قوم إظهار ذلك فلما رأوا معارضتي لهم رجعوا ودخلوا على أن أسترهم فأجبتهم إلى ذلك بشرط التوبة، حتى قال لي شيخ منهم في مجلس عام فيه جماعة كثيرة ببعض البساتين لما عارضتهم بأني أدخل معكم النار بعد أن نغتسل بما يذهب الحيلة، ومن احترق كان مغلوبًا، فلما رأوا الصدق أمسكوا عن ذلك‏.‏

وحكى ذلك الشيخ أنه كان مرة عند بعض أمراء التتر بالمشرق، وكان له صنم يعبده، قال‏:‏ فقال‏:‏ هذا الصنم يأكل من هذا الطعام كل يوم ويبقى أثر الأكل في الطعام بينًا يرى فيه‏!‏‏!‏ فأنكرت ذلك، فقال لي إن كان يأكل أنت تموت‏؟‏ فقلت نعم، قال‏:‏ فأقمت عنده إلى نصف النهار ولم يظهر في الطعام أثر‏!‏ فاستعظم ذلك التتري وأقسم بأيمان مغلظة أنه كل يوم يرى فيه أثر الأكل، لكن اليوم بحضورك لم يظهر ذلك‏.‏ فقلت لهذا الشيخ‏:‏ أنا أبين لك سبب ذلك‏.‏ ذلك التتري كافر مشرك، ولصنمه شيطان يغويه بما يظهره من الأثر في الطعام، وأنت كان معك من نور الإسلام وتأييد الله تعالى ما أوجب انصراف الشيطان عن أن يفعل ذلك بحضورك، وأنت وأمثالك بالنسبة إلى أهل الإسلام الخالص كالتتري بالنسبة لأمثالك‏.‏ فالتتري وأمثاله سود، وأهل الإسلام المحض بيض، وأنتم بلق فيكم سواد وبياض‏.‏ فأعجب هذا المثل من كان حاضرًا‏!‏‏!‏‏!‏

وقلت لهم في مجلس آخر لما قالوا تريد أن تظهر هذه الإشارات‏؟‏ قلت‏:‏ إن عملتموها بحضور من ليس من أهل الشأن‏:‏ من الأعراب والفلاحين، أو الأتراك أو العامة أو جمهور المتفقهة والمتفرقة والمتصوفة لم يحسب لكم ذلك‏.‏ فمن معه ذهب فليأت به إلى سوق الصرف إلى عند الجهابذة الذين يعرفون الذهب الخالص من المغشوش ومن الصفر، لا يذهب إلى عند أهل الجهل بذلك‏.‏ فقالوا لي‏:‏ لا نعمل هذا إلا أن تكون همتك معنا، فقلت‏:‏ همتي ليست معكم، بل أنا معارض لكم مانع لكم، لأنكم تقصدون بذلك إبطال شريعة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإن كان لكم قدرة على إظهار ذلك فافعلوا‏.‏ فانقلبوا صاغرين‏.‏

فلما كان قبل هذه الواقعة بمدة كان يدخل منهم جماعة مع شيخ لهم من شيوخ البر‏.‏ مطوقين بأغلال الحديد في أعناقهم، وهو وأتباعه معروفون بأمور، وكان يحضر عندي مرات فأخاطبه بالتي هي أحسن؛ فلما ذكر الناس ما يظهرونه من الشعار المبتدع الذين يتميزون به عن المسلمين‏.‏ ويتخذونه عبادة ودينًا يوهمون به الناس أن هذا لله سر من أسرارهم، وأنه سيماء أهل الموهبة الإلهية السالكين طريقهم ـأعني طريق ذلك الشيخ وأتباعهـ خاطبته في ذلك بالمسجد الجامع، وقلت هذا بدعة لم يشرعها الله تعالى ولا رسوله، ولا فعل ذلك أحد من سلف هذه الأمة ولا من المشايخ الذين يقتدي بهم، ولا يجوز التعبد بذلك، وإلا التقرب به إلى الله تعالى لأن عبادة الله بما لم يشرعه ضلالة، ولباس الحديد على غير وجه التعبد قد كرهه من كرهه من العلماء للحديث المروي في ذلك وهو أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رأى على رجل خاتمًا من حديد فقال‏:‏ ‏(‏مالي أرى عليك حلية أهل النار‏)‏‏.‏ وقد وصف الله تعالى أهل النار بأن في أعناقهم الأغلال، فالتشبه بأهل النار من المنكرات‏.‏ وقال بعض الناس قد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديث الرؤيا قال في آخره ‏[‏أحب القيد وأكره الغل‏.‏ القيد ثبات في الدين‏]‏ فإذا كان مكروهًا في المنام فكيف في اليقظة‏؟‏‏!‏

فقلت له في ذلك المجلس ما تقدم من الكلام أو نحوًا منه مع زيادة، وخوفته من عاقبة الإصرار على البدعة، وأن ذلك يوجب عقوبة فاعله، ونحو ذلك من الكلام الذي نسيت أكثره لبعد عهدي به‏.‏ وذلك أن الأمور التي ليست مستحبة في الشرع لا يجوز التعبد بها باتفاق المسلمين، ولا التقرب بها إلى الله ولا اتخاذها طريقًا إلى الله وسببًا لأن يكون الرجل من أولياء الله وأحبائه، ولا اعتقاد أن الله يحبها أو يحب أصحابها كذلك، أو أن اتخاذها يزداد به الرجل خيرًا عند الله وقربة إليه، ولا أن يجعل شعارًا للتائبين المريدين وجه الله الذين هم أفضل ممن ليس مثلهم‏.‏

فهذا أصل عظيم تجب معرفته والاعتناء به، وهو أن المباحات إنما تكون مباحة إذا جعلت مباحات، فأما إذا اتخذت واجبات أو مستحبات كان ذلك دينًا لم يشرعه الله، وجعل ما ليس من الواجبات والمستحبات منها بمنزلة جعل ما ليس من المحرمات منها، فلا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دين إلا ما شرعه الله؛ ولهذا عظم ذم الله في القرآن لمن شرع دينًا لم يأذن الله به، ولمن حرم ما لم يأذن الله بتحريمه فإذا كان هذا في المباحات فكيف بالمكروهات أو المحرمات‏؟‏ ولهذا كانت هذه الأمور لا تلزم بالنذر، فلو نذر الرجل فعل مباح أو مكروه أو محرم لم يجب عليه فعله كما يجب عليه إذا نذر طاعة الله أن يطيعه؛ بل عليه كفارة يمين إذا لم يفعل عند أحمد وغيره، وعند آخرين لا شيء عليه‏.‏ فلا يصير بالنذر ما ليس بطاعة ولا عبادة طاعة وعبادة‏.‏

ونحو ذلك العهود التي تتخذ على الناس لالتزام طريقة شيخ معين كعهود أهل ‏(‏الفتوة‏)‏ و ‏(‏رماة البندق‏)‏ ونحو ذلك ليس على الرجل أن يلتزم من ذلك على وجه الدين والطاعة لله إلا ما كان دينًا وطاعة لله ورسوله في شرع الله؛ لكن قد يكون عليه كفارة عند الحنث في ذلك؛ ولهذا أمرت غير واحد أن يعدل عما أخذ عليه من العهد بالتزام طريقة مرجوحة أو مشتملة على أنواع من البدع إلى ما هو خير منها من طاعة الله ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ واتباع الكتاب والسنة؛ إذا كان المسلمون متفقين على أنه لا يجوز لأحد أن يعتقد أو يقول عن عمل‏:‏ إنه قربة وطاعة وبر وطريق إلى الله واجب أو مستحب إلا أن يكون مما أمر الله به ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذلك يعلم بالأدلة المنصوبة على ذلك، وما علم باتفاق الأمة أنه ليس بواجب ولا مستحب ولا قربة لم يجز أن يعتقد أو يقال إنه قربة وطاعة‏.‏

فكذلك هم متفقون على أنه لا يجوز قصد التقرب به إلى الله، ولا التعبد به ولا اتخاذه دينًا ولا عمله من الحسنات، فلا يجوز جعله من الدين لا باعتقاد وقول، ولا بإرادة وعمل‏.‏

وبإهمال هذا الأصل غلط خلق كثير من العلماء والعباد يرون الشيء إذا لم يكن محرمًا لا ينهى عنه، بل يقال إنه جائز ولا يفرقون بين اتخاذه دينًا وطاعة وبرًا، وبين استعماله كما تستعمل المباحات المحضة، ومعلوم أن اتخاذه دينًا بالاعتقاد أو الاقتصاد أو بهما أو بالقول أو بالعمل أو بهما من أعظم المحرمات وأكبر السيئات، وهذا من البدع المنكرات التي هي أعظم من المعاصي التي يعلم أنها معاص وسيئات‏.‏