فصل: سنة اثنين وثلاثين وسبعمائة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: السلوك لمعرفة دول الملوك (نسخة منقحة)



.سنة اثنين وثلاثين وسبعمائة:

المحرم أوله الجمعة: فيه قدم مبشرو الحاج، وأخبروا برخاء الأسعار وسلامة الحجاج، وأن الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي على خطة.
وفي سابع عشرة: توفي مغلطاي المذكور عند نزوله بسطح عقبة أيله، فصبر وحمل إلى القاهرة، فوصلها ليلة الخميس حادي عشريه، ودفن من غده بمدرسته قريباً من درب ملوخيا. واستقر عوضه في الأستادارية الأمير علاء الدين أقبغا عبد الواحد وخلع عليه يوم الثلاثاء سادس عشريه، وأقر ألطقش مملوك الأفرم على نيابة الأستادارية. ثم بعد أيام أضيف إلى الأمير أقبغا تقدمة المماليك السلطانية مع الأستادارية، من أجل أنه وجد بعض المماليك وقد نزل من القلعة إلى القاهرة، إذ تنكر السلطان لما حدث من نزول بعض المماليك من القلعة إلى القاهرة، وضرب كثيراً من طواشية الطاق، وطرد جماعة منهم، وأنكر على المقدم الكبير وهو يومئذ الطواشي شجاع الدين عنبر السحرتي تهاونه حتى وقع ما وقع، وصرفه بالأمير أقبغا. فضبط أفبغا طباق المماليك بالقلعة، وضرب عدة منهم ضرباً مبرحاً، وبالغ في إهانة الخدام أيضاً، فلم يجسر أحد من المماليك أن يتجاوز طبقته.
وفيها استقر الأمير سيف الدين بهادر الدمرداشي رأس نوبة الجمدارية، عوضاً عن الأمير أقبغا عبد الواحد، بحكم انتقاله إلى الأستدارية، وكان الأمير بهادر قد حظي عند السلطان حظوة مكينة.
وفي يوم الجمعة ثاني عشريه: دار نقيب الجيش والحاجب بجامع القلعة على الأمراء وهم ينتظرون الصلاة، وقبضوا على من معهم من مماليك دمرداش بن جوبان وسجنوهم. وذلك أن الأمير طرغاي الجاشنكير كان عنده جماعة، فبلغه من بعض مماليكه أنه سمع أحد مماليك دمرداش يقول لآخر: أقد درنا على الصبيان الجميع، واتفقنا على كلمة واحدة، فقم والبس قماشك، فميعادنا باب القلة عند خروجهم من الجامع. فنقل ذلك لمخدومه الأمير طرغاي فبادر وقبض على من عنده من مماليك دمرداش، ونهض إلى السلطان وأعلمه بالخبر، فسر بذلك. واستدعى السلطان نقيب الجيش والحاجب، وأسر إليهما أن يقبضا على من حضر من مماليك دمرداش بالجامع، ويتتبعا من غاب منهم، فقبض على الجميع قبل إقامة الصلاة. ثم جمع الأمراء بعد الصلاة عند السلطان، وعرفهم السلطان ما نقله الأمير طرغاي، وأمر السلطان أمير جندار بعقوبة من قبص عليه فعوقبوا، ثم قتل بعضهم وسجن باقيهم، فإنهم اعترفوا وهم في العقوبة بأنهم أرادوا أخذ ثأر استاذهم دمرداش وقتل الأمراء، لتصير لهم بذلك سمعة في بلاد المشرق. فخالف على نفسه الأمير بهادر الدمرداش وتحرز من السلطان.
شهر صفر أوله يوم الأحد: وفي يوم الإثنين، ثالث عشريه: استدعى السلطان الأمراء وأعلمهم أنه يريد أن يعهد إلى ولده الإمير ناصر الدين أنوك فأذعنوا لذلك كلهم، فرسم بركوبه بشعار السلطنة، وأحضرت الخلع لأرباب الوظالف. ثم انثنى عزم السلطان عن ذلك، وأبطل الجميع، ورسم أن يلبس آنوك شعار الأمراء، ولا يطلق عليه اسم السلطنة، فركب آنوك وعليه خلعة أطلس أحمر بطرز ذهب وشربوش مكلل مزركش. وخرج آنوك من باب القرافة والأمراء في خدمته حتى مر بسوق الخيل تحت القلعة، فباس الأرض، وطلع من باب الإسطبل إلى باب السر فطلع منه، ونثرت عليه الدنانير والدراهم. وخلع على الأمير ألماس الحاجب، والأمير بيبرس الأحمد والأمير أيدغمش أمير أخور خلع أطلس، وخلع أيضاً على بقية أرباب الوظائف، ومد لهم سماط عظيم، وعملت الأفراح الجليلة مدة أيام.
وكان قد رسم بعمل المهم لعقد الأمير آنوك على زوجته بنت بكتمر الساقي فعقد العقد بالقصر على صداق مبلغه من الذهب اثنا عشر ألف دينار، المقبوض منه عشرة ألاف دينار.
وفيه تقدم السلطان إلى الأمير علاء الدين بن هلال الدولة بجمع الدواوين، ليختار منهم من يستخدمه لآنوك، فإنه أنعم عليه بإقطاع الأمير مغلطاي الجمالي، فحضر من الغد عدة من الدواوين، فأخذ السلطان يسأل كلاً منهم ويتعرف خبره إلى أن وقع اختياره على شرف الدين النشو فإنه كان قد وقف بين يديه غير مرة في محاققة في خدمة الأمراء، فأعجبه كلامه ومحاققته، ورسم أن يكون من جلة المستوفين. فلما حضر النشو في هذا اليوم أشار السلطان لابن هلال الدولة أن يستخدمه بديوان الأمير آنوك، ويكون الأمير سيف الدين ألطنقش أستادارا له، وخلع عليهما ونزلا.
شهر ربيع الأول أوله يوم الإثنين: في سادسه: قدم الحاج أحمد بن سنقر رسولاً من الملك أبي سعيد، وعلى يده كتاب بسبب الخطة والمصاهرة. فأجيب بأن ذلك يحتاج إلى مهلة، وأخذ ما معه من الهدية. وهي جمال بخاتي ثلاثة قطر، وعشرة أرؤس من الخيل، وعشرة مماليك، وعشر جوار جنكيات، وعشرة دبابيس، وأعيد في ثاني عشريه.
وفيه كتب إلى الأمير تنكز نائب الشام أن يحضر ومعه نائب حماة، لحضور مهم الأمير أنوك على الأمير بكتمر الساقي، فشرع الأمراء في الاحتفال للمهم، وبعثوا إلى دمشق لعمل التحف.
شهر ربيع الآخر، أوله يوم الإثنين: في عاشره: قدم الملك الأفضل ناصر الدين محمد ابن الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل صاحب حماة بعد وفاة أبيه بها، وله من العمر نحو العشرين عاماً، فأكرمه السلطان وأقبل عليه. وكان والده لما توفي بحماة أخفى أهله موته، وسارت أم الأفضل إلى دمشق وترامت على الأمير تنكز نائب الشام، وقدمت له جوهراً رائعاً، وسألته في إقامه ولدها الأفضل مكان أبيه، فقبل تنكز هديتها، وكتب في الحال إلى السلطان بوفاة المؤيد، وتضرع إليه في إقامة ابنه مكانه. فلما قدم البريد بذلك تأسف السلطان على المؤيد، وكتب إلى الأمير تنكزلإجابة سؤاله وتجهيز ابن المؤيد إلى مصر، فجهزه تنكز إلى السلطان، فقابله من الإنعام وإدرار الأرزاق بنظير ما كان لأبيه.
وفي يوم الخميس خامس عشريه. ركب الأفضل من المدرسة المنصورية بين القصرين، وهو بشعار السلطنة وبين يديه الغاشية، وفد نشرت على رأسه الأعلام الثلاثة، منها واحد خليفتي أسود، واثنان سلطانيان أصفران، وعليه خلعة أطلس بطرز ذهب، وعلى رأسه شربوش، وفي وسطه حياصة ذهب بثلاثة بيكارات. وسار الأفضل في موكب جليل بالقاهرة إلى باب زويلة، وصعد إلى قلعة الجبل، وقبل الأرض بين يدي السلطان بالقصر. ثم جلس الأفضل فخلع على الأمراء الذين مشوا في خدمته: وهم الأمير ألماس الحاجب، والأمير بيبرس الأحمد والأمير علاء الدين أيدغمش أمير آخور، والأمير طغجي أمير سلاح، والأمير تمر رأس نوبة، وقد لبس كل منهم أطلسين. وخلع الأفضل، على الأمير شجاع الدين عنبر مقدم المماليك طرد وحش وخلع على جميع أرباب الوظائف أيضاً، وكان يوماً مشهوداً.
ولقبه السلطان يومئذ بالملك الأفضل وجهزه إلى بلاده.
وفي يوم السبت سابع عشر جمادى الأولى: خرجت التجريدة لكبس الإطفيحية، وفيها نحو خمسة عشر أميراً.
وفي أول شعبان: قدم تنكز نائب الشام، لحضور عرس الأمير آنوك ابن السلطان.
وفيه رسم بإحضار جميع من بالقاهرة ومصر من أرباب الملهى إلى الدور السلطانية. ووقع الشروع في عمل الإخوان فأقام المهم سبعة أيام بلياليها. واستدعى السلطان حريم جميع الأمراء إليه، فكان أمراً عظيماً.
فلما كمانت ليلة السابع منه: جلس السلطان على باب القصر، وتقدم الأمراء على قدر مراتبهم واحد بعد واحد، ومعهم الشموع، فإذا قدم الواحد ما أحضره من الشمع قبل الأرض وتأخر. ومازال السلطان بمجلسه حتى انقضت تقادمهم، فكانت عدتها ثلاثة ألاف وثلاثين شمعة، زنتها ثلاثة ألاف وستون قنطاراً، فيها ما عني به ونقش نقشاً بديعاً تنوع في تحسينه، فكان أبهجها وأحسنها شمع الأمير علم الدين سنجر الجاولي فإنه اعتنى بأمرها وبعث إلى عملها بدمشق، فجاءت من أبدع شيء.
ثم جلس السلطان في ليلة الجمعة حادي عشر شعبان وهي ليلة العرس على باب القصر، وأشعلت تلك الشموع بأسرها. وجلس ابنه الأمير آنوك تجاهه، وأقبل الأمراء جميعاً وكل أمير يحمل بنفسه شمعه وخلفه مماليكه تحمل الشمع، فتقدموا على قدر رتبهم، وقبلوا الأرض واحداً بعد واحد طول ليلهم، حتى إذا كان أخر الليل نهض السلطان وعبر إلى حيث مجتمع النساء، فقامت نساء الأمراء بأسرهن، وقبلن الأرض واحدة بعد أخر وهي تقدم ما أحضرت من التحف الفاخرة والنقوط حتى انقضت تقادمهن جميعاً. ورسم السلطان برقصهن عن آخرهن، فرقصن حسن أيضاً واحدة بعد واحدة، والمغاني تضربن بدفوفهن، وأنواع المال من الذهب والفضة وشقف الحرير يلقى على المغنيات، فحصل لهن ما يحل وصفه، ثم زفت العروس.
وجلس السلطان من بكرة الغد، وخلع على جميع الأمراء وأرباب الوظائف وأكابر الأمراء، ورسم لإمرأة كل أمير من الأمراء بعبية قماش على قدر منزلة زوجها، وخلع على الأمير تنكز نائب الشام، وجهز صحبته الخلع لأمراء الشام.
فكان هذا العرس من الأعراس المذكورة، ذبح فيه الغنم والبقر والخيل والأوز والدجاج ما يزيد على عشرين ألفاً، وعمل فيه من السكر برسم الحلوى والمشروب ثمانية عشر ألف قنطار، وبلغت قيمة ما حمله الأمير بكتمر الساقي مع ابنته من الشورة ألف ألف دينار مصرية.
وفي يوم الأربعاء رابع رجب: استقر الأمير صلاح الدين يوسف دوادار قبجق مهمندار، عوضاً عن شهاب الدين أحمد بن آقوش العزيزي بعد وفاته.
وفي يوم الإثنين سابع عشره: استقر شرف الدين موسى بن التاج اسحاق في نظر الجيش، بعد وفاة الفخر محمد بن فضل الله واستقر شرف الدين عبد الوهاب النشو في نظر الخاص، عوضاً عن شرف المذكور، في يوم الخميس تاسع عشره.
وكان الفخر لما اشتد به المرض بلغه عن موسى بن التاج إسحاق أنه سعى في نظر الجيش فشق عليه ذلك، وركب وقد انتهك من شدة المرض، ودخل على السلطان وقال: ما أزعجت نفسي إلا لنصحك، ولأوصيك بعائلتي وأولادي وعندي ذخيرة للسطان، فأما نصيحتى فهي أن أولاد التاج إسحاق تواصوا على أكل مال آل آص والدولة، والعمل على السلطان. وبالغ الفخر في الوقيعة فيهم، وعرف السلطان أنه ادخر عشرة ألاف دينار وشيئاً من الجواهر، وجميع ذلك للسلطان، فشكره السلطان، وأثر فيه كلامه في أولاد التاج إسحاق.
ثم قام الفخر وعاد إلى داره، ثم طلب بعد ثلاثة أيام الأمير علاء الدين بن هلال الدولة، ودفع إليه ورقة مختومة وأوصاه أن يدفعها إلى السلطان بعد موته، فأوقف ابن هلال الدولة السلطان عليها وتركها عنده. فمات الفخر من الغد، فنزل ابن هلال الدولة وأولاد التاج إسحاق وعدة من الأمراء إلى بيت الفخر وأحاطوا به. فوجدا فيه عشرة ألاف دينار، وهي التي عين الفخر، وموضعها للسلطان، ووجدوا معها جواهر.
فعادوا بذلك إلى السلطان، ومعهم لؤلؤ مملوك الفخر، فأمره السلطان أن يعرفه بما لأستاذه من الأموال، وهدده تهديداً كبيرا، فالتزم أنه لا يخفي شيئاً. ونزل لؤلؤ فكتب عدة أوراق اشتملت على أصناف من البضائع للتجارة، وعلى عدد بساتين ودواليب ومعاصر بأرض مصر وضياع بالشام كدمشق وحماة وحلب وغزة والقدس وغيرها منها ما وقفه ومنها ما هو غير وقف. فأوقع السلطان الحوطة على جميع موجوده بديار مصر، وكتب إلى نواب الشام بمثل ذلك، ورسم بيع الأصناف، فبلغت قيمة ما وجد له ألف ألف درهم سوى ما تركه السلطان لأولاده.
وكان النشو في ابتداء أمره يتخدم لابن هلال الدولة شاد الدواوين، ويتردد إليه كثيراً ويبالغ في خدمته، فاستخدمه ابن هلال الدولة في الأشغال، وقدمه إلى السلطان، وشكر من كتابته، إلى أن استخدمه السلطان مستوفياً، فصار النشو يعد من إنشاء ابن هلال الدولة. ثم إنه لما أسلم تسمى بعبد الوهاب، وتلقب بشرف الدين، فعندما استقر عند الأمير آنوك ابن السلطان صار يخلو بالسلطان ويحادثه في أمر الدولة. ويكثر من الوقيعة في الدواوين، حتى أثر كلامه في نفس السلطان، وتصور في ذهنه منه أنه يحصل له مالاً كثيراً فما هو إلا أن استقر في نظر الخاص حتى أخذ يغري السلطان بأولاد التاج إسحاق حتى غيره عليهم، فعزل السلطان شرف الدين موسى من نظر الجيش في نصف شعبان بعد عشرين يوماً من توليته، وولي مكين الدين إبراهيم بن قزوينة عوضه، وأمر بالقبض على شرف الدين موسى وعلم الدين إبراهيم ولدي التاج ومصادرتهما، فقبض عليهما في يوم الخميس سابع عشر شعبان.
وذلك أنه اتفق أن السلطان. استدعى ابن هلال الدولة، وأسر إليه أن الأمراء اذا دخلو إلى الخدمة وخرجوا يمضي ومعه الشهود وناظر بيت المال، ويحاط على بيوت أولاد التاج إسحاق. فلما جلس القضاة، ووقف الأمراء وأرباب الدولة بالخدمة وشرف الدين موسى بن التاج إسحاق فيهم- التفت السلطان إلى القضاة وأخذ في الثناء على شرف الدين، وقال في أخر كلامه: أنا ربيت هذا وعملته كاتبي فانفض أهل الخدمة وهم يستعظمون هذا من السلطان في حق ناظر الجيش، وحل موسى في أعينهم. فما هو إلا أن جلس موسى بديوان الجيش من القلعة حتى بلغه أن الحوطة قد وقعت على بيته، وأن رسل الديوان على باب ديوان الجيش، وبلغ الخبر أيضاً إلى أخيه علم الدين إبراهيم وهو جالس والدواوين بين يديه، فنظر فإذا جماعة من الرسل قد وقفوا مرسمين عليه، فأغلق كل منهما دواته، وجلس ينتظر الموت إلى العصر. ثم صعد ابن هلال الدولة بأوراق الحوطة، وهي تشتمل على شيء كثير جداً منها لزوحة علم الدين إبراهيم أربعمائة سروال. فسلم شرف الدين موسى وعلم الدين لإبراهيم بن هلال الدولة، وأحضرت المعاصير، وسئل موسى عن صندوق ذكر أنه أخذه من تركة أبيه، فيه من الجواهر والذهب ما يبلغ مائة ألف دينار صارت إلى أبيه من جهة المكين الترجمان بعد موته، فأنكر موسى ذلك وحلف عليه. فرق له ابن هلال الدولة ولم ينله بمكروه، فأنكر عليه شرف الدين النشو عبد الوهاب ترك عقوبته، فما زال ابن هلال الدولة يدافع عنه وهو يحمل المال من قبله ومن قبل أخيه شيئاً بعد شيء.
وفي ثاني شعبان: خلع السلطان على شرف الدين أبي بكر بن شمس الدين محمد بن الشهاب محمود، كاتب سر في كتابة السر بديار مصر، عوضاً عن القاضي محيي الدين ابن فضل الله. واستقر ابن الشهاب محمود محيي الدين في كتابة السر بدمشق، وخلع عليه بذلك بعدما طيب السلطان خاطره وأثنى عليه وشكره. وكان ابن الشهاب محمود قد قدم مع الأمير تنكز، ومثل بين يدي السلطان، فأعجب بشكله، وأخذ تنكز يثني عليه بأنه أمين مأمون الغائلة. وكان محيي الدين بن فضل الله قد ثقل سمعه، فوقع اختيار السلطان أن ينقله إلى دمشق، ويولي بين يديه عوضه ابن الشهاب محمود، فحدث السلطان الأمير تنكز في ذلك، فما وسعه إلا موافقة غرض السلطان فيما أحب.
وفيه رسم للأمير تنكز بالعود إلى دمشق، فتوجه من القاهرة يوم الثلاثاء خامس عشر شعبان.
وفي يوم الأحد عشريه: خلع السلطان على القاضي مكين الدين بن قزوينة واستقر في نظر الجيش، عوضاً عن شرف الدين موسى بن التاج ناظر الخاص، وقد نقل ابن قزوينة إليها من استيفاء الخاص ونظر ديوان ابن السلطان ونظر ديوان الأمير بشتاك.
وفيه أمر النشو ناظر الخاص وابن هلال الدولة شاد الدواوين بتجهيز السلطان إلى سفر الحجاز، فشرعا في طلب العربان وإعداد الإقامات من البقسماط والدقيق والشعير وغير ذلك.
وفيه رسم للملك الأفضل صاحب حماة بالتوجه إلى بلده صحبة الأمير تنكز.
وفي يوم الأربعاء ثاني شعبان: استدعى السلطان الأمير صلاح الدين يوسف المهمندار وخلع عليه، واستقر دوادارا عوضاً عن الأمير يوسف الجاي بعد موته، واستقر عوضه في المهمندارية الأمير سيف الدين جاريك مملوك قفجق الجوكندار.
وفيه وقع الجد في أمر السفر إلى الحجاز، وكتبت أوراق بأسماء الخواتين وبعض السراري وبعض الأمراء ليكونوا صحبة السلطان في سفره. وكتب إلى نواب الشام باستدعاء ما يحتاج إليه، فشرعوا في عمل ذلك وحملوه، وهو عدة أصناف وكثير من الهجن بسلاسل الذهب والفضة، وعدة من الخيول، وقدم أيضاً عامة أمراء مصر والشام تقادم جليلة على قدر مراتبهم وقدمت تقادم أمراء العربان من آل فضل وآل مهنا وآل عيسى وتنافسوا بأجمعهم في تقادمهم، وقصد كل أحد أن يمتاز على الآخر. واستدعى السلطان الأمير موسى بن مهنا ليسافر في الصحبة، وحشر جميع الصناع من القاهرة ومصر للعمل في هذا المهم.
وفيه نقل موسى بن التاج إسحاق وأخوه إبراهيم من عند ابن هلال الدولة إلى الأمير ناصر الدين محمد بن المحسني والي القاهرة. ورسم له بعقوبة موسى حتى يحضر الصندوق. فأمره النشو أن يبسط عليهما أنواع العذاب، ويضرب موسى بالمقارع، فاستأذن السلطان على ذلك، وعرفه ما أمره به النشو فمنعه السلطان من ضربه بالمقارع، لكنه يهدده ويضربه تحت رجليه نحو خمس عشرة ضربة. فبعث النشو عندما نزل من القلعة من يحضر ضرب موسى بالمقارع، غير أن ابن المحسني عمل بما أشار به السلطان، فأحضر موسى وهدده، وأمر به فبطح وضرب بالعصي نحو عشرين ضربة، فتنكر عليه النشو واشتد حنقه عليه.
وفي سادس رمضان: أفرج عن الأمير مغلطاي بعدما سجن عشرين سنة وخمسة أشهر وثلاثة أيام.
وفي شوال: خرج محمل الحاج إلى البركة على العادة، مع الأمير عز الدين أيدمر الخطيري أمير الركب، ورحل في عشريه. وكان السلطان قد ركب في ثامن عشره، تزل بسرياقوس ثم استقبل بالمسير إلى الحجاز في الإثنين خامس عشريه بعدما قدم حرمه صحبة الأمير طقتمر في عدة من الأمراء. واستناب السلطان على ديار مصر سيف الدين ألماس الحاجب، ورسم له أن يقيم في داره، وجعل الأمير أقبغا عبد الواحد داخل باب القلة، برسم حفظ الدور، وجعل الأمير جمال الدين أقوش نائب الكرك بالقلعة وأمره ألا ينزل منها حتى يحضر، وأخرج كل أمير من الأمراء المقيمين إلى إقطاعه، وتقدم إليهم ألا يعودوا منها حتى يرجع من الحجاز.
وتوجه مع السلطان إلى الحجاز الملك الأفضل صاحب حماة، وكان قد قدم يوم الأحد سادس عشرى شعبان ومن الأمراء جنكلي بن البابا، والحاج آل ملك وبيبرس الأحمد وبهادر المعزي وأيدغمش أمير أخور، وبكتمر الساقي وطقزدمر، وسنجر الجاولي وقوصون، وطايربغا، وطغاي تمر، وبشتاك، وأرنبغا، وطغجي وأحمد بن بكتمر الساقي وصوصون، وبهادر الناصر وجركتمر بن بهادر، وطيدمر الساقي وأقبغا آص الجاشنكير، وطقتمر الخازن، وطوغان الساقي وسوسن السلحدار، وبلك، وبيبغا الشمسي وبيغرا، وقماري وتمر الموسوي وأيدمر أمير جاندار وبيدمر البدري وطقبغا الناصري وأيتمش الساقي وأياز الساقي وألطقنش وأنس، وأيدمر ددقمان، وطبيغا المحمدي وجاريك، وقطز أمير آخور، وبنيدمر، وأيبك، وأيدمر العمري ويحيي ابن طايربغا، ومسعود الحاجب، ونوروز، وكجلي وبرلغي وبكجا ويوسف الدوادار، وقطلقتمر السلحدار، ونانق، وساطلمش وبغاتمر، ومحمد بن جنكل وعلي بن أيدغمش، وألجاي وأقسنقر الناصر وقرا، وعلاء الدين علي بن هلال الدولة، وتمربغا العقيلي وقماري الحسن وعلي بن أيدمر الخطيري وطقتمر اليوسفي وكل هؤلاء مقدمون وطبلخاناه، ومن أمراء العشرات علي بن السعيد وصاروجا النقيب، وآقسنقر الرومي وأياجي الساقي وسنقر الخازن، وأحمد بن كجكن، وأرغون العلائي وأرغون الإسماعيلي وبغا، ومحمد بن الخطير وأحمد بن أيدغمش، وطشبغا، وقليجي. وحج مع السلطان أيضاً قاضي القضاة جلال الدين محمد القزويني، وحج أيضاً عز الدين عبد العزيز بن جماعة، وموافق الدين الحنبلي وعز الدين بن الفرات الحنفي وفخر الدين النويري المالكي، وكانوا أربعتهم ينزلون في خيمة واحدة، فإذا تقدمت إليهم فتوي كتبوا عليها، وهذا من غريب الاتفاق. وقدم السلطان الأمير أيتمش إلى عقبة أيلة، ومعه مائة رجل من الحجارين حتى وسعها وأزال وعرها، ومن يومئذ سهل صعودها.
وفيها بلغ ماء النيل عشرة أصابع من تسعة عشر ذراعاً.
وفيها طلب الشيخ شمس الدين الأصفهاني من دمشق على البريد إلى القاهرة.
وفيها كملت عمارة جامع الأمير سيف الدين الحاج آل ملك، بالحسينية خارج القاهرة.
وفيها استقر علاء الدين علي بن منجا في قضاء الحنابلة بدمشق.
وفيها قبض على الصاحب شمس الدين غبريال، وأحيط بأمواله وأسبابه.
وكان وفاء النيل ستة عشر ذراعاً، وذلك في يوم الأربعاء حادي عشر ذي القعدة وهو ثاني عشر مسرى. وبلغ ثمانية عشر ذراعاً وإحدى عشر أصبعاً.

.ومات فيها من الأعيان:

الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي ويلقب خرز الوزير، عند نزوله من سطح العقبة، في يوم الأحد سابع عشر المحرم، وحمل إلى القاهرة، فدفن بخانكاته، في يوم الخميس حادي عشريه، وهو من المماليك الناصرية، نقله السلطان وهو شاب من الخاصكية إلى أمرة بهادر الإبراهيمي المعروف بربرابة نقيب المماليك، وبعثه في مهماته، ثم ولاه أستاداراً ووزيراً، وحكمه في جميع المملكة، وكان جواد عارفاً يميل إلى الخير حشماً، وانتفع به جماعة كثيرة في ولايته، لأنه كان يأخذ على ولاية المباشرات المال، فقصده الناس لذلك، وكان إذا ولي أحداً وجاء من يزيد عليه عزله وولي الذي زاد بعدما يعلم أنه قد استوفى ما قام له به من المال، ومن لم يستوف ذلك لا يعزله، ولم يصادر أحداً في مدة ولايته، ولا عرف أنه ظلم أحد، بل كانت أيامه مشكورة، وكان المستولي عليه مجد الدين إبراهيم بن لفيتة، وترك عدة أولاد من ابنة الأمير أسندمر كرجي نائب طرابلس، وإليه تنسب مدرسة الجمالية بالقرب من درب ملوخيا بالقاهرة.
وتوفي الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل بن الملك الأفضل علي بن المظفر محمود بن المنصور محمد بن المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن نجم الدين أيوب بن شادي صاحب حماة، في سابع عشرى المحرم، عن نحو ستين سنة، كان أولاً بدمشق من جملة أمرائها، ثم أعطاه السلطان مملكة حماة ولقبه بالملك الصالح، ثم لقبه بالملك المؤيد، وأركبه في القاهرة بشعار السلطنة والأمراء مشاة في خدمته حتى الأمير أرغون النائب وقام بجميع ما يحتاج إليه، وأمر نواب الشام أن يكاتبوه بتقبيل الأرض، وكتب هو إليه: أخوه محمد بن قلاوون، وكان كريماً فاضلاً في الفقه والطب وغير ذلك، وله عدة مصنفات، منها تاريخ جيد، وله شعر بديع.
وتوفي برهان الدين إبراهيم بن عمر بن إبراهيم الربيعي الجعبري شيخ القراءات في شهر رمضان.
وتوفي صدر الدين أحمد بن محمد بن عبدالله الدندري الشافعي في ليلة الجمعة ثامن جمادى الآخر. وكان من شيوخ القراءات وفضلاء الفقهاء بقوص.
وتوفي الأمير سيف الدين الجاي الدوادار، يوم الإثنين مستهل شعبان.
ومات الديستي والكنجار في يوم الأحد خامس شهر ربيع الأول.
وتوفي القاضي فخر الدين محمد بن فضل الله ناظر الجيش، يوم الأحد سادس عشر رجب.
وتوفي سونتاي نوين حاكم ديار بكر، عن نحو المائة سنة، وحكم بعده علي بادشاه خال بوسعيد.
وتوفي ياقوت بن عبدالله الحسني الشاذلي تلميذ أبي العباس المرسي ليلة الثامن عشر من جمادى الآخرة، وكان شيخاً صالحاً مباركاً ذا هيئة ووقار، لم يخلف في الإسكندرية مثله.
وتوفي الشيخ عبد العال خليفة أحمد البدوي بطنطا في ذي الحجة، وله شهرة بالصلاح، ويقصد للزيادة والتبرك به.
ومات الأمير علاء الدين مغلطاي المسعودي يوم السبت سابع ذي القعدة، بعد خروجه من السجن بقليل.

.سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة:

في ثامن المحرم: قدم الأمير بلك الجمدار المظفري مبشراً بسلامة السلطان، فدقت البشائر، وخلعت عليه خلع كثيرة، واطمأن الناس بعدما كانت بينهم أراجيف، وعينت الإقامات للسلطان والأمراء.
وكان السلطان لما قرب في مسيره من عقبة أيلة بلغه اتفاف الأمير بكتمر الساقي على الفتك به مع عدة من المماليك، فتمارض وعزم على الرجوع إلى مصر، فوافقه الأمراء على ذلك إلا بكتمر الساقي فإنه أشار بإتمام السفر، وشنع عوده قبل الحج. فسير السلطان ابنه آنوك وأمه إلى الكرك، صحبة الأمير ملكتمر السرجواني نائب الكرك وكان قدم إلى العقبة، ومعه ابنا السلطان أبو بكر وأحمد ثم مضى السلطان في يوم هو محترز غاية التحرز، بحيث أنه ينتقل في الليل عدة مرات من مكان إلى أخر، ويخفي موضع مبيته من غير أن يظهر أحداً على ما نفسه مما بلغه، إلى أن وصل إلى ينبع. فتلقاه الأشراف من أهل المدينة بحريمهم، وقدم عليه الشريف أسد الدين رميثة من مكة ومعه قواده وحريمه، فأكرمهم السلطان وأنعم عليهم، وساروا معه إلى أن نزل خليص في ثلاثين مملوكاً إلى جهة العراق.
فلما قدم السلطان مكة أكثر بها من الإنعام على الأمراء، وأنفق في جميع من معه من الأجناد والمماليك ذهباً كثيراً وعم بصدقاته أهل الحرم. فلما قضي النسك عاد يريد مصر، فلما وصل إلى المدينة النبوية هبت بها في الليل ريح شديدة جداً ألقت الخيم كلها، وتزايد اضطراب الناس، وفر منهم عدة من المماليك، واشتدت ظلمة الجو، فكان أمراً مهولاً. فلما كان النهار سكن الريح، فظهر أمير المدينة بمن فر من المماليك، فخلع السلطان عليه، وأنعم عليه بجميع ما كان مع المماليك من مال وغيره. وبعث السلطان بالمماليك إلى الكرك، وكان أخر العهد بهم.
وقدم السلطان إلى القاهرة في يوم السبت ثامن عشر المحرم، بعدما ورد الخبر بموت بكتمر الساقي وولده وكثرت الإشاعات. وقد خرج معظم الناس في لقائه، بحيث غلقت أسواق القاهرة ومصر، وخرج شرف الدين النشو، فبسط الشقاق الحرير والزر بفت التي جباها من الأمراء المقيمين وأرباب الدولة من بين العروستين إلى باب الإصطبل. فلما توسط السلطان بين الجبلين صاحت العامة: هوإياه؟ ما هوإياه؟ بالله اكشف لثامك وأرنا وجهك. وكان السلطان قد تلثم، فحسر اللثام عن وجهه، فصاحوا بأجمعهم: الحمد لله على السلامة، وبالغوا في إظهار الفرج به والدعاء له، فسره ذلك منهم. وصعد السلطان القلعة، فدقت البشائر وعملت الأفراح ثلاثة أيام. وكانت حجة السلطان هذه يضرب بها الأمثال: أبيع بمكة فيها الأردب من الشعير من عشرة دراهم إلى عشرين درهماً، وأبيع البقسمات بالعدل، فكان يقف كل رطل منه بفلس واحد، وأبيع السكر كل رطل بدرهمين، والعلبة الحلوى بثلاثة دراهم. وقدمت تنكز نائب الشام افي خليص، فعمت الناس وأنعم السلطان على جميع أهل مكة، وكان إنعامه على الشريف رميثة بخمسة ألاف دينار، وعلى زوجته بخمسمائة دينار، وذلك سوى ما أنعم به على البنات وغيرها. فقدم له رميثة مائة فرس، وألف رأس من الغنم، فرد الجميع وأخذ منها فرسين لا غير.
وفي يوم الإثنين عشريه: جلس السلطان بدار العدل، وخلع على جميع الأمراء والمقدمين، وأنعم عليهم إنعامات كثيرة.
وفيه منع السلطان النشو من التعرض لمباشري بكتمر الساقي وسائر ألزامه، وطلب المهذب كاتب بكتمر، وألزمه بكتابة ما خلفه، فوجد له ستة وثلاثون ألف أردب غلة، ومن السلاح والجوهر وغيره ما زادت قيمته على مائة ألف دينار، واتهم موسى الصير في أنه خصه مما سرقه مباشروه خمسة وعشرون ألف دينار. ثم عرض السلطان مماليك بكتمر، وأخذلهم جماعة، وأنعم على الأمير بشتاك بإقطاع بكتمر وجميع حواصله ومغله، ثم زوجه زوجته بعد وفاء عدتها.
وفي ثالث عشريه: سافر الأفضل صاحب حماة.
وفيه قدم البريد من تنكز نائب الشام بتهنئة السلطان بقدومه سالماً، وطلب الإذن له في القدوم إلى القاهرة، وشكا تنكز من الأمير طينال نائب طرابلس، لترفعه عليه وخرق حرمته، وإعراضه عما يكاتبه فيه. فأجيب بالشكر والإذن له بالحضور، وعزل طينال واستقر الأمير قرطاي عوضه، ونقل طينال إلى نيابة غزة إهانة له. وركب الأمير يبغرا البريد لتقليد المذكورين، وقد أوصاه السلطان إلى رأي من طينال كراهة لنيابة غزة يقبضه ويحضر به مقيداً.
وفيه كتب بإضافة غزة إلى نيابة الشام، وأن نائبها يكاتب نائب الشام فيما يعن له من الأمور، ولا يكاتب السلطان.
وفي يوم الإثنين خامس صفر: قدم الصاحب أمين الدين عبدالله بن الغنام باستدعاء، وخلع عليه واستقر في نظر الشام ونظر الخاص بها وذظر الأوقاف، عوضاً عن الشمس غبريال، وكتب توقيعه من إنشاء الصلاح خليل بن أيبك الصفدي وسافر في حادي عشره.
وفيه أنعم على الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير جنكلي بن البابا بإمرة طبلخاناه، وأنعم بعشرة على أخيه.
وفي هذا الشهر: كثرت مصادرات النشو للناس: فأقام من شهد على التاج إسحاق أنه تسلم من المكين الترجمان صندوقاً فيه ذهب وزمرد وجوهر مثمن، فرسم لابن المحسني بعقوبة موسى بن التاج إسحاق حتى يحضر الصندوق. وطلب النشو ولاة الأعمال وألزمهم بحمل المال، وبعث أخاه لكشف الدواليب بالصعيد وتتبع حواشي ابن التاج إسحاق، فقدم قنغلي والي البهنسا وقتشمر والي الغربية، وفخر الدين إياس متولي المنوفية، وعدة من المباشرين، فتسلمهم ابن هلال الدولة ليستخلص منهم الأموال.
وفي يوم الثلاثاء رابع ربيع الأول: توجه الأمير سيف الدين بيغرا لتقليد الأمير شهاب الدين قرطاي نيابة طرابلس، عوضاً عن طينال، وقد نقل قرطاي إليها من أمرة بدمشق، واستقر طينال في نيابة غزة.
وفي يوم الثلاثاء تاسع عشرى جمادى الأولى: قدم الأمير تنكز نائب الشام، فأكرمه السلطان إكراماً زائداً على عادته.
وفيه تفاوض شرف الدين أبو بكر محمد بن الشهاب محمود كاتب السر والأمير صلاح الدين يوسف الدوادار، حتى توحش ما بينهما، وارتفعا إلى السلطان. فسأل كاتب السر أن يعود إلى الشام، فأجيب إلى ذلك، وكتب بطلب محيي الدين يحيى بن فضل الله كاتب السر بدمشق، ليستقر في كتابة السر.
وفيه قدم البريد بموت قطب الدين موسى ابن شيخ السلامية ناظر الجيش بدمشق، فتروى السلطان أياماً فيمن يولى عوضه، إلى أن تعين فخر الدين محمد بن بهاء الدين عبدالله بن أحمد بن علي بن الحلي، فخلع عليه في أول صفر، وسافر إليها في تاسع عشر صفر.
وفي تاسع جمادى الآخرة: خلع على الأمير تنكز خلعة السفر، وتوجه إلى دمشق، وصحبته ابن الحلي ناظر الجيش، وشرف الدين بن الشهاب محمود كاتب السر.
وفي سلخ جمادى الآخرة: قدم محيي الدين يحيى بن فصل الله العمري من دمشق بأولاده، فخلع عليه، واستقر في كتابة السر عوضاً عن ابن الشهاب محمود، وخلع على أولاده.
وفيه قدم ناظر حلب وعامة مباشريها، فتسلمهم ابن هلال الدولة لعمل الحساب وسبب ذلك أنه لما مات فندش ضامن دار الطعم وعداد الأغنام بحلب، قام بعده من ضمن الجهتين فسعى بدر الدين لؤلؤ الحلبي مملوك فندش في الضمان، فلم يجب إليه لسوء سيرته، فكتب إلى السلطان بأنه يعين في جهة مباشري حلب أموالاً عظيمة أهملوها وصالحوا عليها فطلبوا لذلك. وكان لؤلؤ قد حضر إلى القاهرة، فعينه السلطان شاد الدواوين بحلب، فسافر إليها صحبه الأمير سيف الدين جركتمر الناصر وأخذ في كشف أحوال المباشرين ومحاققتهم بناء عن أمر السلطان.
وفيه قدم المخلص أخو النشو من كشف الدواليب والزراعات بالوجه القبلي فأغرى النشو السلطان بمباشري الوجه القبلي وأنهم فرطوا في مباشراتهم، وأتلفوا عدة أموال للسلطان. فكتب بالحوطة على جميع مباشري الوجه القبلي شاديه وعماله وشهوده والمتحدثين، وحملهم وحمل الأمير أحمر عينه وإيقاع الحوطة على موجوده كله وكان قديم المباشرة في الدواليب، وله سعادة جليلة وحمل عز الدين أيبك شاد الدواليب وكان أيضاً صاحب أموال جزيلة فأوقعت الحوطة على أموال الجميع، وحملوا إلى القاهرة.
وفيه طلب النشو تجار القاهرة ومصر، وطرح عليهم عدة أصناف من الخشب والجوخ والقماش بثلاثة أمثال قيمته، وركب إلى دار القند، واعتبر أوزان القنود الواصلة إلى الأمراء من معاصرهم وغيرها، وكانت شيئاً كثيراً. وكان السلطان قد رسم للأمراء بمسامحتهم بمما عليها للديوان، فألزم النشو مباشريهم بما عليهم للديوان عنها، ولم يمتثل ما في المراسيم السلطانية من مسامحتهم. ثم ركب النشو إلى السلطان، وعرفه بأن الذي للديوان على القنود التي اعتبرها في يومه مبلغ ستة ألاف دينار، وأنه كل قليل يرد للأمراء من القنود مثل ذلك وأكثر منه، وأن مال السلطان يذهب في هذا وأمثاله، فإن الدواوين تسرق بحجة مسامحة الأمراء شيئاً كثيراً. فأثر ذلك في نفس السلطان، ومكن النشو من عمل ما يختاره، وألا يسامح أحداً بشيء مما عليه للديوان فشق ذلك على الأمير قوصون، وحدث السلطان في إمضاء ما رسم له به من المسوح عن القند فلم يجبه السلطان إلى ذلك، ووعده أنه يعوضه عليه بأكثر منه. فانكفت الأمراء عن السؤال، وعظم النشو بهذا في أعين الناس.
واستدعى النشو ابن الأزرق ناظر الجهات وكان ظلوماً غشوماً فكتب له أسماء أرباب الأموال من التجار، وطرح عليهم قماشاً استدعي به من الإسكندرية بثلاثة أمثال قيمته، وأخرق بمن عارضه منهم، وحمل النشو للسلطان من هذا وشبهه أموالاً عظيمة.
وفيه قدم الصاحب شمس الدين عبدالله غبريال بن أبي سعيد بن أبي السرور من دمشق فألزم بحمل أربعين ألف دينار وضعها كريم الدين عنده ليتجر له بها، وحمل ما أخذه في مباشرته من مال السلطان، وكان ذلك بإغراء النشو. فقام في أمره الأمير بتشاك والأمير قوصون حتى يقرر عليه ما يحمله من غير أهنة، فحمل ألف ألف درهم.
وعمت مضرة النشو الناس جميعاً، وانتمى إليه عدة من الأشرار، ونموا على الكافة من أهل القبلي والوجه البحري ودلوه على من عنده شيء من الجواري المولدات لشغف السلطان بهن، فحملت إليه عدة منهن بطلبهن من أربابهن، وسعوا عنده بأرباب الأموال أيضاً، فدهى الناس منه بلاء عظيم.
وفى سلخ شوال: أخرج صلاح الدين الدوادار على البريد منفياً إلى صفد، وخلع على سيف الدين بغا الدوادار الصغير عوضه، وسبب ذلك أنه كان مترفعاً، يعامل رفقاءه بشمم وتكبر. وكان شهاب الدين أحمد بن محيي الدين يحيي بن فضل الله كاتب السر يباشر عن أبيه وعن جده في مزاحة وقوة نفس فسلك صلاح الدين معه مسلكه مع ابن الشهاب محمود، فلم يحتمل شهاب الدين ذلك منه، وصار بينهما شنان، إلى أن اتفق في بعض الأيام ذكر السلطان الفخر ناظر الجيش، فترحم عليه، فقال صلاح الدين: يا خوند لا تترجم على ذلك، فإنه ما كان مسلماً. فغضب السلطان من معارضته له، وقال: والله يا صلاح الدين هو أيضاً كان يقول عنك أنك لست بمسلم، وتبين في وجه السلطان الغضب، وانفض المجلس. فذكر بعد ذلك صلاح الدين عند السلطان فقال عنه: ذاك ما يتحدث عن أحد بخير، فانتهز ابن فضل الله الفرصة في صلاح الدين، ومازال به حتى أبعده السلطان وعزله في يوم الأربعاء حادي عشر رمضان، وأقام سيف الدين بغا دوادارا عوضه، ثم أخرج صلاح الدين أميراً بصفد في سلخ شوال.
وفي هذه السنة: أخذ الأمير قوصون دار الأمير بيسري بالقاهرة وكانت وقفاً فعمل محضر بشهود القيمة أن قيمتها مبلغ مائة وتسعين ألف درهم وتكون الغبطة للأيتام عشرة ألاف درهم، فكملت مائتان ألف فحكم القاضي شرف الدين الحراني الحنبلي ببيعها وشراء عقار بثمنها. وهذا بعد أن كان كتاب وقف بيسري لها فيه من الشهود عدة اثنين وسبعين عدلاً، منهم تقي الدين ابن دقيق العيد، وتقي الدين بن رزين، وتقي الدين ابن بنت الأعز، وذلك قبل بلوغهم درجة القضاء، فكان هذا مما شنع ذكره، فإنها دار يجل وصفها ويتعذر وجود مثلها.
وفيها عمل السلطان باب من خشب السنط الأحمر، وصفحه بفضة زنتها خمسة وثلاثون ألف درهم وثلاثمائة درهم ومضى به الأمير سيف الدين، برسبغا الساقي إلى مكة، فقلع باب الكعبة العتيق، وركب هذا الباب وأخذ بنو شيبة الباب العتيق، وكان من خشب الساسم المصفح بالفضة، فوجدوا عليه ستين رطلاً من فضة تقاسموها، وترك خشب ذلك داخل الكعبة، وعليه اسم صاحب اليمن في الفردتين، واحدة عليها: اللهم يا ولي يا علي اغفر ليوسف بن عمر بن علي.
وفي يوم الأربعاء حادي عشرى ذي القعدة وحادي عشر مسرى: كان وفاء النيل، وبلغ سبعة عشر ذراعاً وثماني أصابع.
وفيها هدمت قاعة الصاحب وقاعة الإنشاء بقلعة الجبل، ورسم أن تكون دار الوزارة وقاعة الإنشاء بدار التيابة. وكانت دار الوزارة قد عمرت في الأيام الأشرفية برسم ابن السلعوس.
وفي عشرى ذي الحجة: قبض الأمير ألماس الحاجب وأخوه قرا، وسجنا مقيدين، ثم أخرج قرا إلى الإسكندرية في رابع عشريه.
وفي حادي عشريه: خلع على الأمير بدر الدين مسعود بن خطير، واستقر حاجباً عوضاً عن ألماس.

.ومات فيها من الأعيان:

ناظر الجيش بدمشق قطب الدين بن موسى بن أحمد بن الحسن المعروف بابن شيخ السلامية عن اثنتين وتسعين سنة.
ومات الأمير شمس الدين سنقر المرزوقي في يوم الأربعاء ثامن عشر رمضان.
وتوفي قاضي القضاة بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعدالله بن جماعة الحموي الشافعي في حادي عشر جمادى الأولى وهو معزول، بعدما عمي.
وتوفي شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب بن أحمد بن عبد الوهاب بن عبادة البكري النويري الشافعي صاحب كتاب التاريخ، في الحادي والعشرين من رمضان.
ومات الأمير أحمد بن بكتمر الساقي بوادي عنتر من طريق الحجاز في المحرم، واتهم السلطان بأنه سمه، فحمل مصبراً.
ومات الآمير بكتمر الساقي بعد موت ولده بثلاثة أيام، وكان موت ولده الأمير أحمد في ليلة الثلاثاء سابع المحرم ورحل إلى نخل فدفن بها وموت الأمير بكتمر يوم الجمعة عاشر المحرم وقد حمل إلى عيون القصب، فدفن بها ثم نقل بكتمر وولده إلى خانكاته من القرافة بالقاهرة، فدفنا بها يوم الأحد سابع ربيع الآخر واتهم السلطان بأنه سم بكتمر أيضاً، وذلك أنه كان قد عظم أمره بحيث أن السلطان في هذه الحجه كان معه ثلاثة ألاف ومائة عليقة، وكان مع بكتمر ثلاثة ألاف عليقة، وبلغت عدة خيوله مائة طوالة بمائة سايس بمائة سطل، وكان عليق خيله دائماً ألفاً ومائة عليقة كل يوم. فلما توجه مع السلطان إلى الحج وشي به أنه يريد قتل السلطان، فتحرز السلطان على نفسه غاية التحرز، وكان فيه من الدهاء والمكر ما لا يوصف، فأخذ يدبر على بكتمر ويلازمه بحيث عجز بكتمر أن ينظر إلى زوجته، فإنه كان إذا ركب أخذ يسايره بجانبه، وإذا نزل جلس معه، فإن مضى إلى خيامه بعث في طلبه، بحيث إنه استدعي به وهو يتوضأ بواحد بعد الآخر من الجمدارية، حتى كمل عنده عدة اثنى عشر جداراً. فلما ثارت الريح بالمدينة قصد السلطان في تلك الليلة اغتيال بكتمر وولده، وأعد لذلك جماعة، فهجموا على أحمد بن بكتمر فلم يتمكنوا منه، واعتذروا بأنهم رأوا حرامية وقد أخذوا لهم متاعاً، فمروا في طلبهم فداخل الصبي منهم فزع كثير غشي عليه منه. وزاد احتراز السلطان على نفسه، وتقدم بأن تنام الأمراء بمماليكهم على بابه. وسار السلطان من المدينة، فيقال إنه سقى الصبي ماء باردا في مسيره كانت فيه منيته، ثم بعد قليل سقي بكتمر بعد موت ولده مشروباً، فلحق به. واشتهر ذلك، حتى أن زوجة بكتمر لما مات صاحت، وقالت للسلطان بصوت سمعه كل من حضر: ياظالم أين تروح من الله، ولدي وزوجي، زوجي كان مملوكك، ولدي إيش كان بينك وبينه، وكررت هذه مراراً، فلم يجبها. وقد ذكرنا ترجمته في كتابنا الكبير المقفي بما فيه كفاية، إذ هو كتاب تراجم ووفيات، كما أن هذا كتاب حوادث وماجريات.
ومات علم الدين المشطوب، يوم الأحد تاسع عشرى ذي القعده.
ومات جمال الدين أبو الحسين بن محمود بن أبي الحسين محمود بن أبي سعيد بن أبي الفضل بن أبي الرضا الربعي البالسي إمام السلطان، في سابع عشر رمضان، ومولده سابع عشر رجب سنة ست وأربعين وستمائة، واسمه كنيته، وكان فاضلا، كتب بخطه كتباً كثيرة.
ومات جدي الشيخ محيي الدين أبو محمد عبد القادر بن محمد بن إبراهيم بن محمد ابن تميم بن عبد الصمد بن أبي الحسن بن عبد الصمد بن تميم المقريزي بدمشق في ثامن عشرى ربيع الأول وكان فقيهاً حنبلياً محدثاً جليلاً، سمع بعلبك من زينب بنت كندي وبدمشق من عمر بن القواس وجماعة وحدث وكتب بخطه كثيراً وقرأ كثيراً وقدم القاهرة، وعد من أعيان الفقهاء المحدثين.