فصل: باب اللعان

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر الرائق شرح كنز الدقائق ***


باب اللعان

مصدر لاعن ملاعنة ولعانا يقال لاعن امرأته ملاعنة ولعانا، وتلاعنا والتعنا لعن بعض بعضا، ولاعن الحاكم بينهما لعانا حكم، والتلعين التعذيب ولعنه كجعله طرده وأبعده فهو لعين وملعون والجمع ملاعين والاسم اللعان واللعانية واللعن بالضم من يلعنه الناس واللعنة كهمزة الكثير اللعن لهم واللعين من يلعنه كل واحد كالملعن والشيطان والممسوخ والمشئوم والمسيب وما يتخذ في المزارع كهيئة الرجل والمخزى المهلك كذا في القاموس‏.‏ والأصل فيه الآيات التي في سورة النور وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم‏}‏ وقد اختلف في سبب نزولها فروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ «أن هلال بن أمية قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم البينة وإلا حد في ظهرك فقال يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول البينة وإلا حد في ظهرك فقال هلال والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله تعالى ما يبرئ ظهري من الحد فنزل جبريل فأنزل الله ‏{‏والذين يرمون أزواجهم‏}‏ حتى بلغ ‏{‏إن كان من الصادقين‏}‏‏.‏ فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما فجاء هلال فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وعظها وقال إنها موجبة فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت فقال النبي صلى الله عليه وسلم أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين شائع الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء فجاءت به كذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم لولا ما مضى من كتاب الله تعالى لكان لي ولها شأن»‏.‏ في المصباح خدلج أي‏:‏ ضخم وأخرج البخاري أيضا عن سهل بن سعد قال‏:‏ «جاء عويمر إلى عاصم بن عدي فقال سل رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتله أيقتل به أم كيف يصنع‏؟‏ فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيه عويمر فقال‏:‏ ما صنعت إنك لم تأتني بخير سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاب السائل فقال عويمر والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأسألنه فأتاه فوجده قد أنزل عليه فدعا بها فلاعن بينهما فقال عويمر إن انطلقت بها يا رسول الله فقد كذبت عليها ففارقها قبل أن يأمره النبي صلى الله عليه وسلم فصارت سنة للمتلاعنين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصروها فإن جاءت به أسحم العينين عظيم الأليتين فلا أراه إلا قد صدق وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة فلا أراه إلا كاذبا فجاءت به مثل النعت المكروه» وذكر البقاعي أنه لا يمتنع أن يكون للآية الواحدة عدة أسباب معا أو متفرقا ا هـ‏.‏ وتمام الروايات باختلاف طرقها في الدر المنثور للجلال الأسيوطي رحمه الله تعالى‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ هي شهادات مؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن قائمة مقام حد القذف في حقه ومقام حد الزنا في حقها‏)‏، وهذا بيان للركن فدل على اشتراط أهليتهما للشهادة في حق كل منهما كما سيصرح به لا أهلية اليمين كما ذهب إليه الشافعي ودل على أنهما لو التعنا عند قاض فلم يفرق بينهما حتى مات أو عزل فإن الثاني يعيد اللعان كما لو شهدا عنده فمات أو عزل قبل القضاء كذا في البدائع والمراد بكونه قائما مقام حد القذف في حقه أن يكون بالنسبة إليها لا مطلقا؛ إذ لو كان مطلقا لم تقبل شهادته أبدا مع أنها مقبولة كما ذكره الشارح في حد القذف وفي الاختيار لا تقبل شهادته بعد اللعان أبدا‏.‏ ولو قذف بكلمة أو بكلمات أربع زوجات له بالزنا لا يكفيه لعان واحد لهن بل لا بد من أن يلاعن كلا منهن على حدة بخلاف ما إذا قذفها مرارا حيث يجب لعان واحد كما لو قذف أجنبية مرارا أو أجنبيات بكلمة أو كلمات يجب حد واحد لحصول المقصود وهو دفع العار عنهن ولا يحصل ذلك في اللعان إلا بالنسبة إلى كل واحدة، ولو قذفهن ولم يكن من أهل اللعان اكتفي بحد واحد للكل للتداخل كذا في البدائع والمراد بكونه قائما مقام حد الزنا في حقها أن يكون بالنسبة إلى الزوج حتى لا يثبت اللعان بالشهادة على الشهادة ولا بكتاب القاضي إلى القاضي ولا بشهادة النساء وإذا قذفها إنسان بعد اللعان إن رماها زوجها بالزنا ثم قذفها هو أو غيره حد؛ لأن لعانه كحده مؤكد لعفتها‏.‏

وإن قذفها بنفي الولد ثم قذفها هو أو غيره لا يحد لوجود أمارة الزنا وإن أكذب نفسه بعد اللعان ثم قذفها هو أو غيره حد القاذف سواء كان اللعان بالزنا أو بنفي الولد وسببه قذفه لزوجته يوجب الحد في الأجنبية وأهله أهل الأداء للشهادة‏.‏

وحكمه حرمة الوطء بعد التلاعن ولو قبل التفريق بينهما، ووجوب التفريق بينهما ووقوع البائن بالتفريق واستفيد من كونه قائما مقام الحد سواء كان بالنسبة إليه أو إليها أنه لا يحتمل العفو والإبراء والصلح على مال حتى لو صالحها على الترك بمال ردت المال ولها المطالبة بعد العفو وأنه لا يحتمل التوكيل إلا في إثباته على قول الإمام كالحدود، كذا في البدائع واعلم أنه ليس المراد أن اللعان قائم مقام الحدين في حالة واحدة وإنما المراد أنه قائم مقام حد القذف في حقه إن كان كاذبا وهي صادقة وقائم مقام حد الزنا في حقها إن كانت كاذبة وهو صادق فافهم‏.‏

وفي البدائع، وأما شرائط وجوب اللعان فبعضها يرجع إلى القاذف خاصة وبعضها إلى المقذوف خاصة وبعضها إليهما جميعا وبعضها إلى المقذوف به وبعضها إلى المقذوف فيه وبعضها إلى نفس القذف أما الأول فواحد وهو عدم إقامة البينة على صدقه، وأما الثاني فإنكارها وجود الزنا منها وعفتها عنه، وأما الثالث فالزوجية بينهما والحرية والعقل والإسلام والبلوغ والنطق وعدم الحد في قذف فلا لعان في قذف المنكوحة فاسدا ولا يقذف المبانة، ولو واحدة بخلاف قذف المطلقة رجعيا، ولو قذف زوجته بزنا كان قبل الزوجية وجب اللعان ولا لعان بقذف زوجته الميتة، وقال الشافعي يلاعن على قبرها، وأما ما يرجع إلى المقذوف به فهو الزنا، وأما المقذوف فيه فدار الإسلام، وأما نفس القذف فالرمي بصريح الزنا وسيأتي في الحدود‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ ولو قذف زوجته بالزنا وصلحا شاهدين وهي ممن يحد قاذفها أو نفى نسب الولد وطالبته بموجب القذف وجب اللعان‏)‏ أي‏:‏ بصريح الزنا الموجب للحد في الأجنبية فلو قذفها بعمل قوم لوط فلا لعان عنده وعندهما يجب اللعان بناء على الحد كما في البدائع، وفي التتارخانية رجل قذف امرأة رجل فقال الزوج صدقت هي كما قلت كان قاذفا حتى يلاعن، ولو قال صدقت مطلقا من غير زيادة لم يكن قاذفا ا هـ‏.‏ وضمير صلحا للزوجين وأطلقها فشمل غير المدخولة والمراد صلاحيتهما لأدائها على المسلم لا للتحمل فلا لعان بين كافرين وإن قبلت شهادة بعضهم على بعض عندنا؛ لأن اللعان شهادات مؤكدات بالأيمان فلا يكتفى بأهلية الشهادة بل لا بد معها من أهلية اليمين والكافر ليس من أهل الكفارة كذا في البدائع ولا بين كافرة ومسلم ولا بين مملوكين ولا إذا كان أحدهما مملوكا أو صبيا أو مجنونا أو محدودا في قذف ولا يرد عليه لعان الأعمى والفاسق فإنه يجري بين الأعميين والفاسقين مع أنهما لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما من أهل الأداء إلا أنه لا تقبل للفسق في الفاسق ولعدم التمييز في الأعمى حتى لو قضى قاض بشهادة الفاسق والأعمى صح قضاؤه بخلاف ما إذا قضى بشهادة المملوك أو الصبي فإنه لا يصح ولم يحتج إلى التمييز؛ لأن المشهود عليه الزوجية وهو قادر على أن يفصل بين نفسه وامرأته وروى ابن المبارك عن الإمام أن الأعمى لا يلاعن وقيد بكونها ممن يحد قاذفها احترازا عما لو كانت وطئت بنكاح فاسد أو كان لها ولد وليس له أب معروف أو زنت في عمرها، ولو مرة أو وطئت وطئا حراما، ولو مرة بشبهة لا يجري اللعان‏.‏

وتفرع على هذا الشرط لو قذفها فتزوجت غيره فادعى الأول الولد لزمه وحد للقذف وإن ولدت من الثاني لا شيء عليه إن كان قبل إكذاب الأول وإن كان بعد الإكذاب لاعن كما في التتارخانية ولما كانت المرأة هي المقذوفة دونه اختصت باشتراط كونها ممن يحد قاذفها بعد اشتراط أهلية الشهادة ولما كان الزوج ليس مقذوفا وإنما هو شاهد اشترط في حقه كما اشترط في حقها أهلية الشهادة ولم تشترط عفته؛ لأنه لو كان فاسقا بالزنا جرى اللعان بينه وبينها وإن كان لا يحد قاذفه لما قدمناه من جريانه بين الفاسقين فهذا وجه تخصيصها بهذا الشرط كما حققه الشارح ردا على صاحب النهاية وأراد بكونها ممن يحد قاذفها أن تكون عفيفة عن الزنا فقط؛ لأن كونها من أهل الشهادة يدل على اشتراط الحرية والتكليف والإسلام فلم يبق من شرائط الإحصان إلا العفة كما أفاده في شرح الوقاية‏.‏ وأراد بنفي نسب الولد نفي نسب ولدها وأطلقه فشمل ولدها منه أو من غيره بأن يقول هذا الولد من الزنا أو هذا الولد ليس مني وما إذا صرح معه بالزنا أو لم يصرح على مختار صاحب الهداية والشارح خلافا لما في المحيط والمبتغى والحق الإطلاق؛ لأن قطع النسب من كل وجه يستلزم الزنا فلا عبرة باحتمال كون الولد من غيره بوطء بشبهة ولهذا قال في البدائع هذا الاحتمال ساقط بالإجماع للإجماع على أنه إن نفاه عن الأب المشهور بأن قال له لست لأبيك يكون قاذفا لأمه حتى يلزمه حد القذف مع وجود هذا الاحتمال وقد ظهر لي أن قول من قال لا يجب حد ولا لعان بنفي الولد عن أبيه إذا لم يصرح بالزنا محمول على حالة الرضا وقول من أوجبه وإن لم يصرح به محمول على حالة الغضب وبه يندفع إلزام التناقض على صاحب الهداية والدراية وإنما حملناه على ذلك لتصريحهم بالتفصيل في باب حد القذف والله الموفق‏.‏

بخلاف قوله وجدت معها رجلا يجامعها فإنه ليس بقذف؛ لأن الجماع لا يستلزم الزنا وقيد بطلبها؛ لأنها لو لم تطالبه فلا لعان؛ لأنه حقها لدفع العار عنها فيشترط طلبها ولا بد من كونه في مجلس القاضي كذا في البدائع ومراده طلبها إذا كان القذف بصريح الزنا إما بنفي الولد فالطلب حقه أيضا لاحتياجه إلى نفي من ليس ولده عنه وأشار بعدم اشتراط الفور في الطلب إلى أن سكوتها لا يبطل حقها وإن طالت المدة؛ لأن تقادم الزمان لا يوجب بطلان الحق في القذف والقصاص كما ذكره الإسبيجابي وزاد في الجوهرة وحقوق العباد، وفي خزانة الفقه، ولو سكتت ولم ترفع إلى الحاكم كان أفضل وينبغي للحاكم أن يقول لها اتركي وأعرضي عن هذا؛ لأنه دعاء إلى الستر فإن تركت مدة ثم خاصمت فلها ذلك كما في البدائع ولا يخفى أن وجوب اللعان مقيد بعجزه عن إقامة البينة على زناها وعدم إكذاب نفسه بعده وعدم تصديقها له‏.‏

فإن أقام بينة على زناها فإن كانوا أربعة رجال رجمت لو محصنة وجلدت لو غير محصنة وإن كانا رجلين فقط على إقرارها بالزنا يندرئ اللعان ولا تحد المرأة، وكذا لو كانا رجلا وامرأتين شهدوا على تصديقها فلا حد عليهما ولا لعان، وهذا كله إذا أقر بالقذف فإن أنكره فأقامت رجلين وجب اللعان لا رجلا وامرأتين وإن لم يكن لها بينة لا يستحلف الزوج ذكره الإمام الإسبيجابي رحمه الله وتقبل شهادة الزوج على زناها مع ثلاثة إن لم يكن قذفها وإلا فلا تقبل وتحد الثلاثة حد القذف ويلاعن الزوج، ولو لم يقذفها وشهد مع ثلاثة غير عدول فلا حد عليه ولا على الثلاثة ولا لعان كذا في المحيط وفيه أيضا، ولو شهدا على أبيهما أنه قذف ضرة أمهما لا تقبل؛ لأنهما بشهادتهما يشهدان لأمهما بخلوص الفراش لها؛ لأن اللعان سبب الفرقة حتى لو كان أبوهما محدودا في قذف تقبل؛ لأن هذا القذف موجب للحد دون اللعان‏.‏ قال ولا بد في وجوب اللعان من أن لا يقذف أمها فلو قال لها يا زانية بنت الزانية وجب الحد لقذف أمها واللعان لقذفها فإن اجتمعا على المطالبة بدأ بحده ليسقط اللعان بخروجه عن أهلية الشهادة وإن لم تطالب الأم وطالبته المرأة وجب اللعان ويحد للأم بطلبها بعده في ظاهر الرواية وذكر الطحاوي أنه لا يحد بعد اللعان، وهذا غير سديد لعدم المانع من إقامته وإن كانت أمها ميتة فلها المطالبة بهما فإن خاصمته فيهما بدأ بالحد ليسقط اللعان وإن بدأت بالخصومة لنفسها وجب اللعان ثم لها المطالبة بقذف أمها فيحد له وعلى هذا التفصيل لو قذف أجنبية بالزنا ثم نكحها ثم قذفها فلها المطالبة باللعان والحد كذا في البدائع‏.‏ والحاصل أنه إذا اجتمع قذفان، وفي تقديم موجب أحدهما إسقاط الآخر بدأ بالمسقط كما إذا قذفها وقذفته فإنه يبدأ بحدها ليسقط اللعان كما سيأتي في باب حد القذف‏.‏

وفي المحيط لو قال لها أنت طالق ثلاثا يا زانية وجب الحد ولا لعان، ولو قال يا زانية أنت طالق ثلاثا فلا حد ولا لعان ا هـ‏.‏

ولو قال قذفتك قبل أن أتزوجك أو قد زنيت قبل أن أتزوجك فهو قذف في الحال فيلاعن وما في خزانة الأكمل من أنه يلاعن في قوله زنيت ويحد في قوله قذفتك قبل أن أتزوجك أوجه كذا في فتح القدير‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ فإن أبى حبس حتى يلاعن أو يكذب نفسه فيحد‏)‏؛ لأنه حق مستحق عليه وهو قادر على إيفائه فيحبس حتى يأتي بما هو عليه أو يكذب نفسه ليرتفع السبب في اللعان وهو التكاذب هكذا قالوا والتحقيق أن القذف هو السبب فإن التكاذب شرط قيد وجوب الحد بالإكذاب لعدم وجوبه بمجرد الامتناع من اللعان، وهذا هو المذكور في ظاهر الرواية كما نص عليه الحاكم في الكافي وبه علم أن ما ذكره الولوالجي من وجوب الحد عليه بمجرد امتناعه سهو ليس مذهبا لأصحابنا وحمله في غاية البيان على أنه قول بعض المشايخ بعيد لتوقفه على النقل ولأن الولوالجي ذكر أنها لو امتنعت بعد لعانه تحد حد الزنا ولم يقل به أحد من أصحابنا كما سنوضحه‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ فإن لاعن وجب عليها اللعان‏)‏ لما قدمناه أفاد أن لعانها مؤخر عن لعانه؛ لأنه في حكم الشاهد عليها بقذفه وهي مسقطة بشهادتها ما حققه عليها من الزنا فلا يصح أن تبتدئ المرأة كما لا يصح أن يبتدئ المدعى عليه بما يسقط الدعوى عن نفسه كذا في شرح الأقطع، وفي الاختيار فإن التعنت المرأة أولا ثم الزوج أعادت ليكون على الترتيب المشروع فإن فرق بينهما قبل الإعادة جاز؛ لأن المقصود تلاعنهما وقد وجد‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ فإن أبت حبست حتى تلاعن أو تصدقه‏)‏ لما قدمناه ولم يقل أو تصدقه فتحد للزنا كما وقع في بعض نسخ القدوري لكونه غلطا؛ لأن الحد لا يجب بالإقرار مرة فكيف يجب بالتصديق مرة وهو لا يجب بالتصديق أربع مرات؛ لأن التصديق ليس بإقرار قصدا فلا يعتبر في حق وجوب الحد ويعتبر في درئه ليندفع به اللعان ولا يجب به الحد، ولو صدقته في نفي الولد فلا حد ولا لعان وهو ولدهما؛ لأنهما لا يملكان إبطال حقه قصدا والنسب إنما ينتفي باللعان ولم يوجد وبهذا ظهر أن ما قاله في شرح الوقاية وتبعه شارح النقاية من أنها إذا صدقته ينتفي نسب ولدها منه غير صحيح كما نبه عليه في شرح الدرر والغرر ولم يذكر المؤلف حكم ما إذا امتنعا من اللعان بعد ما ترافعا‏.‏ وصرح الإسبيجابي في شرح الطحاوي أنهما يحبسان إذا امتنعا من اللعان بعد الثبوت وينبغي حمله على ما إذا لم تعف المرأة أما إذا عفت فإنه لا يحبسهما كما لو عفا المقذوف فإنا، وإن قلنا‏:‏ لا يصح العفو في حد القذف واللعان إلا أنهما لا يقامان إلا بطلب كما سنوضحه في باب حد القذف فإن قلت ظاهر الآية يشهد للشافعي القائل بأنها إذا امتنعت من اللعان تحد حد الزنا وهي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويدرأ عنها العذاب أن تشهد‏}‏ أي‏:‏ الحد؛ لأن اللام للعهد الذكري أي‏:‏ العذاب المذكور السابق وهو الحد قلنا‏:‏ المراد منه الحبس كقوله تعالى في آية الهدهد ‏{‏لأعذبنه‏}‏ ورد في التفسير لأحبسنه والاختلاف مبني على أن الأصل في قذف الزوجات عند الشافعي الحد عملا بالآية الأولى وهي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم‏}‏ الآية وبين بآية اللعان أن القاذف إذا كان زوجا له أن يدفع الحد عنه باللعان وإذا كان المقذوف زوجة القاذف لها أن تدفع حد الزنا عنها بلعانها فأيهما امتنع عن اللعان وجب الأصل وهو الحد‏.‏ وعندنا آية اللعان ناسخة للأولى في حق الزوجات؛ لأن الخاص المتأخر عن العام ينسخ العام بقدره فلم تبق الآية الأولى متناولة للزوجات فصار الواجب بقذف الزوجة اللعان فأيهما امتنع عنه حبس حتى يأتي به كالمديون إذا امتنع عن إيفاء حق عليه ولذا «لما قذف هلال زوجته قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم البينة وإلا حد في ظهرك» فدل على أنه كان في الابتداء يوجب الحد كقذف الأجنبيات ثم لما نزلت آية اللعان انتسخ في حق الزوجات كما في البدائع والعناية‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ فإن لم يصلح شاهدا حد‏)‏؛ لأنه لما تعذر اللعان لمعنى من جهته لا من جهتها صير إلى الموجب الأصلي وهو حد القذف وعدم صلاحيته للشهادة بكونه عبدا أو محدودا في قذف أو كافرا بأن أسلمت ثم قذفها قبل عرض الإسلام عليه قيدنا به؛ لأن الزوج لو كان صبيا أو مجنونا فلا حد ولا لعان والأصل أن اللعان إذا سقط لمعنى من جهته فإن كان القذف صحيحا وجب الحد عليه وإن لم يكن القذف صحيحا فلا حد ولا لعان كذا في البدائع فلو قال فإن لم يصلح شاهدا وكان أهلا للقذف حد لكان أولى وفي الينابيع زوجان كافران أسلمت المرأة ولم يسلم الزوج ولم يعرض القاضي الإسلام عليه حتى قذفها بالزنا وجب عليه الحد فإن أقيم بعض الحد ثم أسلم فقذفها ثانيا‏.‏ قال أبو يوسف‏:‏ أقيم عليه بقية الحد ثم يلاعنا وقال زفر‏:‏ لا لعان بينهما، وفي النافع وإن كانا ذميين فأسلمت المرأة وقذفها قبل أن يعرض الإسلام عليه فلا لعان ويحد الزوج كذا في التتارخانية‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ وإن صلح وهي ممن لا يحد قاذفها فلا حد ولا لعان‏)‏؛ لأنها إن لم تكن عفيفة فهو صادق في قوله وإن كانت صغيرة أو مجنونة أو محدودة في قذف فلفقد أهليتها للشهادة، أما في الصغيرة والمجنونة فظاهر، وأما في المحدودة العفيفة فلأن قذفه مع أهلية اللعان إنما يوجب اللعان، فإذا امتنع لعدم أهليتها له امتنع الحد أيضا وإن كانت ممن يحد قاذفها فلو قال وإن صلح وهي ليست أهلا للشهادة لكان أولى ليدخل المحدودة في قذف ولم تدخل في عبارته؛ لأنها ممن يحد قاذفها كما لا يخفى ولم يتعرض صريحا لما إذا لم يصلحا لأداء الشهادة وقد فهم من اشتراطه أولا أنه لا لعان، وأما الحد فإن كانا صغيرين أو مجنونين أو كافرين أو مملوكين فلا يجب، وأما إذا كانا محدودين في قذف فإنه يجب الحد عليه؛ لأن امتناع اللعان لمعنى من جهته، وكذا إذا كان هو عبد أو هي محدودة في قذف يحد؛ لأن قذف العفيفة، ولو كانت محدودة موجب للحد مطلقا قيد بنفي الحد واللعان؛ لأن التعزير واجب؛ لأنه آذاها وألحق الشين بها فيجب حسما لهذا الباب كذا في الاختيار‏.‏ وفي الكافي وإن كانا محدودين في قذف فعليه الحد؛ لأن قذفه باعتبار حاله غير موجب للعان فيكون موجبا للحد ولا يجوز أن يقال امتناع جريان اللعان لكونها محدودة؛ لأن أصل القذف من الرجل وإنما يظهر حكم المانع في حقها بعد قيام الأهلية في جانبه فأما بدون الأهلية في جانبه معتبر بحالها ا هـ‏.‏ وتحقيقه كما في العناية أن المانع من الشيء إنما يعتبر مانعا إذا وجد المقتضي؛ لأنه عبارة عما ينفى به الحكم مع وجود المقتضي وإذا لم يكن الزوج أهلا للشهادة لم ينعقد قذفه مقتضيا للعان فلا يعتبر المانع والقذف في نفسه موجب للحد فيحد بخلاف ما إذا وجدت الأهلية من جانبه فإنه ينعقد قذفه مقتضيا له فإذا ظهر عدم أهليتها بطل المقتضي فلا يجب الحد؛ لأنه إنما انعقد اللعان وقد أبطله المانع ا هـ‏.‏ ثم الإحصان يعتبر عند القذف حتى لو قذفها وهي أمة أو كافرة ثم أسلمت أو أعتقت لا حد ولا لعان كذا ذكره الشارح، ثم اعلم أن اللعان بعد وجوبه يسقط بالطلاق ولا يجب الحد ولا يعود اللعان بتزوجها بعده؛ لأن الساقط لا يعود ويسقط بزناها ووطئها بشبهة وبردتها، وإن أسلمت بعده لا يعود بإكذابه نفسه ولا يحد بخلاف ما إذا أكذب نفسه بعد اللعان وبموت شاهد القذف وغيبته بخلاف ما لو عميا أو فسقا أو ارتدا كما في فتح القدير، ولو أسند الزنا بأن قال زنيت وأنت صبية أو مجنونة وهو معهود وهي الآن أهل فلا لعان بخلاف وأنت ذمية أو أمة أو منذ أربعين سنة وعمرها أقل تلاعنا لاقتصاره كما في فتح القدير أيضا‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ وصفته ما نطق به النص‏)‏ أي‏:‏ صفة اللعان ما دلت عليه آية اللعان من الابتداء بالزوج ثم بالزوجة بالألفاظ المخصوصة وظاهره أنه متعين وقدمنا أن المرأة لو بدأت ثم الزوج أعادت، ولو فرق القاضي قبل إعادتها صح، وفي الغاية تجب الإعادة وقد أخطأ السنة ورجحه في فتح القدير بأنه الوجه وهو قول مالك؛ لأن النص أعقب الرمي بشهادة أحدهم وشهادتها الدارئة للحد عنها بقوله ويدرأ عنها العذاب ولأن الفاء دخلت على شهادته على وزان ما قلنا في سقوط الترتيب في الوضوء من أنه أعقب جملة الأفعال للقيام إلى الصلاة وإن كان دخول الفاء على غسل الوجه فانظره ثمة ا هـ‏.‏ والظاهر أنه أراد بالصفة الركن كقولهم باب صفة الصلاة أي‏:‏ ماهيتها فيكون بيانا للشهادات الأربع وإنما أولناه بذلك؛ لأن صفته على وجه السنة لم ينطق به النص وإنما ورد في السنة فالذي نقله المشايخ أن القاضي يقيمهما متقابلين ويقول له التعن فيقول الزوج أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا، ويقول في الخامسة لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا يشير إليها في كل مرة ثم تقول المرأة أربع مرات أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا وتقول في الخامسة غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا وإنما ذكر الغضب في جانبها في الخامسة لأنهن يستعملن اللعن كثيرا كما في الحديث يكثرن اللعن فكان الغضب أردع لها هكذا ذكر المشايخ وذكر البقاعي في المناسبات أن الغضب أبلغ من اللعن الذي هو الطرد؛ لأنه قد يكون بسبب غير الغضب وسبب التغليظ عليها الحث على اعترافها بالحق لما يعضد الزوج من القرينة من أنه لا يتجشم فضيحة أهله المستلزم لفضيحته ألا وهو صادق ولأنها مادة الفساد وهاتكة الحجاب وخالطة الأنساب ا هـ‏.‏ وفي رواية الحسن إنه لا بد أن يقول إني لمن الصادقين فيما رميتك به من الزنا وهي تقول إنك لمن الكاذبين فيما رميتني به من الزنا بالخطاب؛ لأن في الغيبة شبهة واحتمالا، وفي ظاهر الرواية لم يعتبر هذا؛ لأن كل واحد منهما يشير إلى صاحبه والإشارة أبلغ أسباب التعريف كذا في الكافي‏.‏ هذا كله إذا كان القذف بالزنا وإن كان بنفي الولد ذكراه وإن كان بهما ذكراهما وزاد بعضهم بعد القسم الذي لا إله إلا هو والقيام ليس بشرط؛ لأنه إما شهادة وإما يمين والقيام ليس بشرط فيهما إلا أنه مندوب إليه «لقوله صلى الله عليه وسلم يا عاصم قم فاشهد وللمرأة قومي فاشهدي» ولأن الحدود مبناها على الشهر فإن قلت هل يشرع الدعاء باللعن على الكاذب المعين قلت قال في غاية البيان من العدة وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال من شاء باهلته أن سورة النساء القصرى نزلت بعد التي في سورة البقرة أي‏:‏ من شاء المباهلة أي‏:‏ الملاعنة باهلته وكانوا يقولون إذا اختلفوا في شيء بهلة الله على الكاذب منا قالوا هي مشروعة في زماننا أيضا ا هـ‏.‏ وقد سئلت في درس الصرغتمشية حين قرأت باب اللعان من الهداية أنهما لو تلاعنا ثم وجد الزوج بينة على صدقه هل تقبل فأجبت بأني لم أر فيها نقلا وينبغي أن لا تقبل؛ لأن القذف أخذ موجبه من اللعان وكأنها حدت للزنا فلا تحد ثانيا إلا أن يوجد نقل فيجب اتباعه‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ فإن التعنا بانت بتفريق الحاكم ولا تبين قبله‏)‏ أي‏:‏ الحاكم الذي وقع اللعان عنده حتى لو لم يفرق الحاكم حتى عزل أو مات فالحاكم الثاني يستقبل اللعان عندهما خلافا لمحمد كذا في الاختيار وأفاد أنه لو مات أحدهما قبل التفريق ورثه الآخر، وأنه لو زالت أهلية اللعان في الحال بما لا يرجى زواله بأن أكذب نفسه أو قذف أحدهما إنسانا فحد للقذف أو وطئت وطئا حراما أو خرس أحدهما لم يفرق بينهما بخلاف ما إذا جن قبل التفريق حيث يفرق بينهما؛ لأنه يرجى عود الإحصان وأنه لو ظاهر منها في هذه الحالة أو طلقها أو آلى منها صح لبقاء النكاح وأشار إلى أن القاضي يفرق بينهما، ولو لم يرضيا بالفرقة كما في شرح النقاية، وفي التتارخانية‏.‏ ولو تلاعنا فجن أحدهما يفرق، ولو تلاعنا فوكل أحدهما بالتفريق وغاب يفرق، ولو زنت لا يفرق لزوال الإحصان وإنما توقفت البينونة على التفريق؛ لأنه لما حرم الاستمتاع بينهما باللعان فات الإمساك بالمعروف فوجب عليه التسريح وإذا لم يسرح ناب القاضي منابه؛ لأنه نصب لدفع الظلم ويدل عليه أنه «عليه الصلاة والسلام لاعن بين عويمر وبين امرأته فقال عويمر كذبت عليها إن أمسكتها هي طالق ثلاثا فأوقع الثلاث بعد التلاعن ولم ينكر عليه صلى الله عليه وسلم»، وكذا في واقعة هلال قال الراوي فلما فرغ فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما فدل على قيام النكاح قبل التفريق وهي تطليقة بائنة وهو خاطب إذا أكذب نفسه عندهما وعند أبي يوسف هي حرمة مؤبدة كما سيأتي، وفي شرح النقاية، وأما قول البيهقي في المعرفة أن عويمرا حين طلقها ثلاثا كان جاهلا بأن اللعان فرقة فصار كمن شرط الضمان في السلف وهو يلزمه شرط أو لم يشرط بخلاف المظاهر ا هـ‏.‏ والجواب‏:‏ أن الاستدلال إنما هو بعدم إنكاره عليه السلام عليه لا بمجرد فعله كما لا يخفى ويقع في بعض الشروح زيادة الفاء في قوله هي طالق ثلاثا وهي من النساخ؛ لأن الواقع أن عويمرا نجز طلاقها لا أنه علقه بالإمساك، وفي التتارخانية

وإن أخطأ القاضي ففرق بينهما بعد وجود أكثر اللعان من كل واحد منهما وقعت الفرقة، ولو التعن كل واحد مرتين ففرق القاضي بينهما لم تقع الفرقة، ولو فرق بينهما بعد لعان الزوج قبل لعان المرأة نفذ حكمه لكونه مجتهدا فيه ا هـ‏.‏ وينبغي أن يقيد بغير القاضي الحنفي أما هو فلا ينفذ، وفي فتح القدير وطؤها حرام بعده قبل التفريق وإن كان النكاح قائما لقوله عليه السلام‏:‏ «المتلاعنان لا يجتمعان أبدا»، وفي التتارخانية ولها النفقة والسكنى ما دامت في العدة‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ وإن قذف بولد نفى نسبه وألحقه بأمه‏)‏؛ لأن المقصود من هذا اللعان نفي الولد فيوفر عليه مقصوده ويتضمنه القضاء بالتفريق، وفي البدائع، ولوجوب قطع النسب شرائط‏:‏ الأول‏:‏ التفريق، الثاني‏:‏ أن يكون بحضرة الولادة أو بعدها بيوم أو يومين، الثالث‏:‏ أن لا يتقدم منه إقرار به صريحا أو دلالة كسكوته عند التهنئة مع عدم رده، الرابع‏:‏ أن يكون الولد حيا وقت قطع النسب وهو وقت التفريق فلو نفاه بعد موته لاعن ولم ينقطع نسبه، وكذا لو جاءت بولدين أحدهما ميت فنفاهما يلاعن ولزماه، وكذا لو نفاهما ثم مات أحدهما أو قتل قبل اللعان لزماه‏.‏ وأما اللعان فذكر الكرخي أنه يلاعن ولم يذكر الخلاف وذكر ابن سماعة الخلاف فقال عند أبي يوسف يبطل وعند محمد لا يبطل، الخامس‏:‏ أن لا تلد بعد التفريق ولدا آخر من بطن واحد فلو ولدت فنفاه ولاعن الحاكم بينهما وفرق بينهما وألزم الولد أمه ثم ولدت آخر من الغد لزماه وبطل قطع نسب الأول ولا يصح نفيه الآن؛ لأنها أجنبية واللعان ماض؛ لأنه لما ثبت الثاني ثبت الأول ضرورة وإن قال الزوج هما ابناي لا حد عليه ولا يكون مكذبا نفسه لاحتمال الإخبار بما لزمه شرعا‏.‏ السادس‏:‏ أن لا يكون محكوما بثبوته شرعا فإن كان لا يقطع نسبه وقد ذكر الإمام محمد في الجامع الكبير خمس مسائل مسألتان في كتاب الشهادات من التلخيص إحداهما في كتاب المعاقل امرأة ولدت ولدا فانقلب هذا الولد على رضيع فمات الرضيع وقضي بديته على عاقلة الأب ثم نفى الأب نسبه يلاعن القاضي بينهما ولا يقطع نسب الولد منه؛ لأن القضاء بالدية على عاقلة الأب قضاء بكون الولد منه فلا ينقطع النسب بعده الثانية في الزيادات إذا قال لامرأتيه وقد دخل بهما إحداكما طالق ثلاثا ولم يبين حتى ولدت إحداهما لأكثر من سنتين من وقت الطلاق كانت الولادة بيانا لوقوعه على الأخرى؛ لأن الولد حصل من علوق حادث بعد الطلاق وتعينت التي ولدت للنكاح فإن نفى الولد لاعن القاضي بينهما ولا يقطع النسب؛ لأن حكم الشرع بكون الولد بيانا حكم بكونه منه وبعد الحكم به لا ينقطع باللعان وثلاث مسائل في كتاب الدعوى الأولى امرأة ولدت وزوجها غائب ففطمت ولدها وطلبت من القاضي أن يفرض لها النفقة وللولد وبرهنت ثم حضر الزوج ونفى الولد لاعن وقطع النسب مع أنه محكوم به حيث فرض القاضي نفقته الثانية لو أنكر الدخول بعد ما ولدت ثبت النسب ووجب لها كمال المهر فلو نفاه يلاعن ويقطع النسب مع أنه محكوم به حين قضى لها بكمال المهر، الثالثة المطلقة رجعيا إذا ولدت لأكثر من سنتين تكون رجعة، ولو نفاه لاعن وقطع نسبه مع أنه محكوم به وقد حكي أن عيسى بن أبان كتب إلى محمد بن الحسن حين كان بالرقة يستفرقه بين المسألتين الأولتين وبين الثلاث فكتب محمد رحمه الله أنه متى حصل القضاء بالنسب ضرورة القضاء بأمر ليس من حقوق النكاح فإنه يمنع قطع النسب باللعان وتمامه في شرح تلخيص الجامع من باب شهادة الملاعنة بالولد ومن المواضع المانعة من قطع النسب أن يقذفها أجنبي بنفي الولد ويحده القاضي لها فإنه حكم منه بثبوت نسبه فإذا نفاه بعده أبوه لا ينتفي كما في فتح القدير وسيأتي عن الذخيرة‏.‏ ثم إذا قطع النسب عن الأب وألحق الولد بالأم يبقى النسب في حق سائر الأحكام من الشهادة والزكاة وعدم القصاص على الأب بقتله ونحو ذلك من الأحكام إلا أنه لا يجري التوارث بينهما ولا نفقة على الأب؛ لأن النفي باللعان ثبت شرعا بخلاف الأصل بناء على زعمه وظنه مع كونه مولودا على فراشه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «الولد للفراش» فلا يظهر في حق سائر الأحكام ا هـ‏.‏ ويزاد السابع أن يكون النكاح صحيحا فلا لعان بالقذف بنفي الولد في النكاح الفاسد والوطء بشبهة ولا ينتفي النسب وقيد بالزوجية؛ لأنه لو نفى نسب ولد أم الولد فإنه ينتفي بمجرد قوله بلا لعان ويزاد الثامن أن يكون العلوق في حال يجري فيه اللعان حتى لو علق وهي كافرة لا ينتفي‏.‏

وفي شهادات الجامع ولدت توأمين فنفاهما ومات أحدهما عن أمه وأخيه وأخ منها فالسدس لها والثلث لهما والباقي يرد كأولاد العاهرة لانقطاع النسب وفيها اختلاف يعرف في موضعه ا هـ‏.‏ وفي تتمة الفتاوى من الفرائض ولد الملاعنة وولد الزنا في حكم الميراث بمنزلة ولد رشيدة ليس له أب ولا قرابة أب فلا يرث هذا الولد من الأب وقرابته ولا يرث الأب ولا قرابته من هذا الولد؛ لأن قوم الأب تبع له في قطع النسب وهو ولد الأم فيرث منها ومن قرابتها وترث الأم وقرابتها‏.‏ وأما ابن ابن الملاعنة فله أب وقوم الأب وهم الإخوة وليس له جد صحيح ولا قومه وهم الأعمام والعمات لأب وأم أو لأب فإذا ثبت حرمة المصاهرة بين الزوجين ثم حدث بينهما ولد ثم مات الأب اختلفوا في ميراث هذا الولد منه للاختلاف في هذه الحرمة فلم يكن كولد الزنا كما لو جاءت بولد بعد النكاح المعلق طلاقها الثلاث به فإن النسب فيه ثابت للاختلاف ا هـ‏.‏ باختصار‏.‏ وفي تلخيص الجامع لو ملك النافي الأم لا يجوز بيعها، وفي شرحه وصورته رجل نفى نسب ولد امرأته الحرة ولاعن القاضي بينهما وقطع نسب الولد ثم ارتدت والعياذ بالله تعالى عن الإسلام ثم سبيت وملكها الزوج النافي فإنه لا يجوز له بيعها؛ لأن نسب الولد ثابت حكما لقيام فراشها ولا تصح دعوة غير النافي لهذا الولد وإن صدقه الثاني وتصح دعوة النافي مطلقا، ولو كان المنفي كبيرا جاحدا للنسب من النافي‏.‏ وفي التتارخانية ولا ينتفي من أحكام النسب من جهة الزوج سوى التوارث وإيجاب النفقة وما عداهما من أحكام النسب من جهة الزوج قائمة، وفي الذخيرة وكل نسب ثبت بإقراره أو بطريق الحكم له ينتفي بعد ذلك وبيانه فيما روي عن أبي يوسف في رجل جاءت امرأته بولد فنفاه فلم يلاعنها حتى قذفها أجنبي بالولد فحد فقد ثبت نسب الولد ولا ينتفي بعد ذلك، ولو نفى ولد زوجته اللعان وهما مما لا لعان بينهما لا ينتفي سواء وجب الحد أو لم يجب، وكذا إذا كانا من أهل اللعان ولم يتلاعنا فإنه لا ينتفي، وكذا إذا كان العلوق في حال لا لعان بينهما ثم صارا بحال يتلاعنان نحو إن كانت المرأة أمة أو كتابية حالة العلوق فأعتقت أو أسلمت فإنهما لا يتلاعنان ولا ينتفي نسب الولد‏.‏ وفي السغناقي

ولو قال لامرأته يا زانية ولها ولد منه ثبت اللعان ولا يلزم نفي الولد فإن أكذب نفسه حده القاضي ا هـ‏.‏ ولذا قيد النفي بقذف الولد احترازا عما إذا قذفها بالزنا ولها منه ولد فإنه لا ينتفي نسبه ثم اعلم أن هذا الولد وإن قطع القاضي نسبه عن أبيه لم تصح دعوى أحد لنسبه وإن صدقه الولد كما في التتارخانية وهو مستفاد من قولهم إن قطع النسب لا يظهر إلا في مسألتين، وفي قوله نفى نسبه أي‏:‏ القاضي وألحقه بأمه إشارة إلى أن التفريق بينهما لا يكفي لنفي نسب الولد فلذا روي عن أبي يوسف إنه لا بد أن يقول قطعت نسب هذا الولد عنه بعد ما قال فرقت بينكما وفي المبسوط هذا هو الصحيح؛ لأنه ليس من ضرورة التفريق نفي النسب كما بعد الموت يفرق بينهما باللعان ولا ينتفي نسبه عنه كذا في النهاية، وفي المجمع، ولو ماتت بنته المنفية عن ولد فادعاه فنسبه غير ثابت منه أي‏:‏ عند الإمام وقالا يثبت قيد بموتها؛ لأنها لو كانت حية ثبت نسبها بدعوة ولدها اتفاقا وقيد بالبنت؛ لأن الولد المنفي لو كان ذكرا فمات وترك ولدا ثبت نسبه من المدعي وورث الأب منه اتفاقا لحاجة الولد الثاني إلى ثبوت النسب فبقاؤه كبقاء الأول وقيد بدعوة الولد؛ لأنه لو ادعى البنت المنفية حية ثبت نسبها اتفاقا وتمامه في شرحه‏.‏

وفي الذخيرة لا يشرع اللعان بنفي الولد في المجبوب والخصي ومن لا يولد له ولد‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ فإن أكذب نفسه حد‏)‏ لإقراره بوجوب الحد عليه أطلقه فشمل ما إذا اعترف به وما إذا أقيمت عليه بينة أنه أكذب نفسه؛ لأن الثابت بالبينة عليه كالثابت بإقراره كما في الولوالجية وشمل الإكذاب صريحا وضمنا ولهذا لو مات الولد المنفي عن مال فادعى الملاعن لا يثبت نسبه ويحد فإن كان قد ترك ولدا ثبت نسبه من الأب وورثه الأب لاحتياج الحي إلى النسب، ولو ترك بنتا ولها ابن فأكذب الملاعن نفسه يثبت نسب الولد منه عند الإمام خلافا لهما كذا في فتح القدير‏.‏ وظاهر ما في الكتاب أن الإكذاب بعد اللعان ووجوب الحد عليه ليس باعتبار قذفه الأول؛ لأنه أخذ بموجبه وهو اللعان بل باعتبار القذف الثاني الذي تضمنه كلمات اللعان كشهود الزنا إذا رجعوا فإنهم يحدون باعتبار ما تضمنته شهادتهم من القذف أما إذا أكذب نفسه قبل اللعان ينظر فإن لم يطلقها قبل الإكذاب حد أيضا وإن أبانها ثم أكذب نفسه فلا حد ولا لعان؛ لأن اللعان أثره التفريق بينهما وهو لا يتأتى بعد البينونة لحصوله بالإبانة وهو لا يصح بدون حكمه ولا يجب الحد؛ لأن قذفه وقع موجبا للعان فلا ينقلب موجبا للحد وعلى هذا لو قال يا زانية أنت طالق ثلاثا لا حد ولا لعان، ولو قال‏:‏ أنت طالق ثلاثا يا زانية حد أطلق في الإكذاب فشمل ما إذا أنكر الولد بعد ما ادعاه؛ ولذا قال أيضا في فتح القدير لو أقامت البينة على الزوج أنه ادعاه وهو ينكر يثبت النسب منه ويحد ا هـ‏.‏ وفي جامع الصدر الشهيد قذفها بنفي الولد ولاعن فتزوجت غيره فادعاه صح ويحد فإن ولدت من الثاني فنفاه لاعن وينتفي إن علق بعد إكذابه وقبله لا وينبغي أن لا يلاعن لاستناده نظيره زنيت وأنت صبية بخلاف وأنت ذمية أو رقيق أو منذ أربعين سنة وعمرها عشرون سنة وإن تردد يقطع استحسانا وقياسا لا نظيره أسلمت زوجته أو أعتقت ثم ولدت فنفاه ا هـ‏.‏ ثم اعلم أن ولد أم الولد إذا نفاه المولى وقلنا بصحته فإن حكمه حكم ولد المنكوحة إذا نفي في سائر الأحكام فلا تقبل شهادة أحدهما للآخر بعد إعتاق الولد ولا يضع أحدهما زكاته فيه وتحرم المناكحة بينهما ولا يرث أحدهما صاحبه بالقرابة لكن المولى يرث منه بالولاء إذا لم يكن عصبة أقرب منه وتجب نفقة على المولى بعد إعتاقه بحكم الملك كذا في شرح التلخيص من الشهادات‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ وله أن ينكحها‏)‏ أي‏:‏ الملاعن بعد التفريق أن يتزوجها إذا أكذب نفسه أطلقه فشمل ما إذا حد أو لم يحد فتقييد الشارح الحل بالحد اتفاقي، وكذا إذا أكذبت نفسها فصدقته فالحاصل أن الفرقة باللعان يزول بها ملك النكاح وتوجب حرمة الاجتماع والتزوج ما داما على حال اللعان فإن أكذب أحدهما نفسه جاز التناكح والاجتماع عند الإمام والثالث وقال الثاني إنها توجب حرمة مؤبدة كحرمة الرضاع والمصاهرة لقوله عليه السلام‏:‏ «المتلاعنان لا يجتمعان أبدا» ويقتضي قوله أن الفرقة لا تتوقف على القضاء كما أشار إليه في فتح القدير ولهما أن عويمرا طلق الملاعنة ثلاثا فصار سنة المتلاعنين؛ لأنه يجب عليه أن يطلقها فإن لم يفعل ناب القاضي منابه كما في العنين فكانت الفرقة طلاقا، وأما الحديث فلا يمكن العمل بحقيقته؛ لأن حقيقة المتفاعل المتشاغل بالفعل ولما فرغا منه زالت الحقيقة فانصرف المراد إلى الحكم وهو أن يكون حكمه باقيا وبعد الإكذاب لم يبق حكمه لبطلانه فلم يبق حقيقة ولا حكما فجاز اجتماعهما‏.‏ ونظيره قوله تعالى في قصة أصحاب الكهف ‏{‏إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا‏}‏ أي‏:‏ ما داموا في ملتهم ألا ترى إذا لم يفعلوا أفلحوا كذا هذا في البدائع وقد بحث المحقق ابن الهمام في فتح القدير بأنه لما لم تمكن الحقيقة وصير إلى المجاز كان له مجازان‏:‏ أحدهما‏:‏ ما ذكرتم من إرادة من بينهما تلاعن قائم حكما، والثاني‏:‏ من وجد بينهما تلاعن في الخارج وعلى هذا التقدير لا يجتمعان بعد الإكذاب بينهما؛ إذ ارتفاع حكمه لا يوجب ارتفاع كونه قد تحقق له وجود في الخارج ولكن بقي النظر في أي الاحتمالين أرجح وأظن أن الثاني أسرع إلى الفهم ا هـ‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ وكذا إذا قذف غيرها فحد أو زنت فحدت‏)‏ يعني له أن ينكحها أيضا إذا خرجا أو أحدهما عن أهلية اللعان أطلقه فشمل ما إذا خرسا أو أحدهما وأراد بالزنا الوطء الحرام وإن لم يكن زنا شرعيا كما ذكره الإسبيجابي لزوال عفتها، ولو قال‏:‏ وكذا إن قذف أحدهما فحد لكان أولى لشموله المتلاعنين، ولو أسقط فحد لكان أولى؛ لأن بمجرد زناها حلت له سواء حدت بأن وقع اللعان قبل الدخول ثم زنت فجلدت أو لم تحد لزوال العفة وإنما قيدنا بهذه الصورة؛ لأنه لو كان بعد الدخول كان حدها الرجم وهو إهلاك فلا يتصور القول بحلها بعده واستغنى بها عن تغيير الرواية بأنها زنت بالتشديد أي‏:‏ نسبت غيرها للزنا لمخالفته للرواية؛ لأنها بتخفيف النون، وفي فتح القدير واستشكل بأن زوال أهلية الشهادة بطرو الفسق مثلا لا يوجب بطلان ما حكم به القاضي عنها في حال قيام العدالة فلا يوجب بطلان ذلك اللعان السابق الواقع في حال الأهلية ليبطل أثره من الحرمة ا هـ‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ ولا لعان بقذف الأخرس‏)‏ لفقد الركن منه وهو التلفظ بالشهادات ولهذا لو قال أحلف مكان أشهد لا يجوز، ولو قال ولا لعان إذا كانا أخرسين أو أحدهما لكان أولى للعلة المذكورة إذا كانت خرساء ولاحتمال تصديقها لو كانت ناطقة وأشار إلى أنه لا يثبت بالكتابة كما لا يثبت بإشارة الأخرس للشبهة وإلى أنه لو خرس أحدهما بعد اللعان وقبل التفريق فلا تفريق ولا حد كما لو ارتد أو أكذب نفسه‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ ولا ينفي الحمل‏)‏؛ لأنه لا يتيقن بقيامه عند القذف لاحتمال أنه انتفاخ، ولو تيقنا بقيامه وقته بأن ولدت لأقل من ستة أشهر صار كأنه قال إن كنت حاملا فحملك ليس مني والقذف لا يصح تعليقه بالشرط، وهذا قول الإمام وعندهما يجري اللعان إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر للتيقن بقيامه وجوابه ما مر وأما الإرث والوصية فيتوقفان على الولادة فيثبتان للولد لا للحمل، وأما عتقه فكذلك لقبوله التعليق بالشرط، وأما رد المبيعة بعيب الحمل فلأن الحمل ظاهر واحتمال الريح شبهة والرد بالعيب لا يمتنع بالشبهة، وكذا النسب يثبت مع الشبهة، وأما وجوب النفقة للمطلقة إذا ادعت حملا فلقبول قولها في أمر عدتها والحق أن قول صاحب الهداية أن الأحكام لا تترتب عليه قبلها لا يراد به كل الأحكام وإنما يراد به بعضها كما في العناية وقد كتبنا في القواعد الفقهية مسائل أخرى تترتب عليه قبلها‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ وتلاعنا بزنيت، وهذا الحمل منه ولم ينف الحمل‏)‏ لوجود القذف بصريح الزنا ونفي الحمل غير صحيح؛ لأن قطع النسب حكم عليه ولا تترتب الأحكام عليه ولا له قبل الانفصال‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ ولو نفى الولد عند التهنئة وابتياع آلة الولادة صح وبعده لا ولاعن فيهما‏)‏ أي‏:‏ فيما إذا صح نفيه أو لم يصح لوجود القذف فيهما والتهنئة بالهمز من هنأته بالولد بالتثقيل والهمز كذا في المصباح فالتفصيل المذكور بين أن تقوم دلالة على إقراره بالولد أو لا إنما هو في صحة النفي وعدمه لا في اللعان كما في المتون والشروح وبه علم أن ما ذكره الولوالجي من أن اللعان إنما يجري إذا نفى بعد الولادة في مدة قصيرة أما بعد مدة طويلة فلا يصح سهو ودل كلامه على أنه لو أقر صريحا بالولد ثم نفاه لا يصح بالأولى كما قدمناه ولم يقدر مدة الولادة بوقت وهو ظاهر الرواية‏.‏ وقد قالوا إن الإقرار بالولد الذي ليس منه حرام كالسكوت لاستلحاق نسب من ليس منه وقد ذكر المصنف تبعا للهداية شيئين قبول التهنئة وشراء آلة الولادة وزاد في الاختيار ثالثا أن يقبل هدية الأهل فهي ثلاث لا يصح نفيه بعد واحدة منها والحق أنها أربع والرابع سكوته حتى مضى وقت التهنئة وشراء الآلة وهي ثلاثة أيام في رواية وسبعة في أخرى كما في الكافي وقبول التهنئة ذكر ما يدل على القبول مثل أحسن الله بارك الله جزاك الله رزقك الله مثله أو أمن على دعاء المهنئ كذا في فتح القدير، ولو كان غائبا لم يعلم بالولادة تعتبر المدة بعد قدومه‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ وإن نفى أول التوأمين وأقر بالثاني حد‏)‏؛ لأنه أكذب نفسه بدعوى الثاني، التوأم فوعل والأنثى توأمة والاثنان توأمان والجمع توائم وتؤام كدخان كذا في المصباح‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ وإن عكس لاعن‏)‏ بأن أقر بالأول ونفى الثاني؛ لأنه قاذف بنفي الثاني ولم يرجع عنه‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ وثبت نسبهما فيهما‏)‏ أي‏:‏ في المسألتين؛ لأنهما خلقا من ماء واحد والتوأمان ولدان بين ولادتهما أقل من ستة أشهر وفيه إشارة إلى أنه لو نفاهما ثم مات أحدهما قبل اللعان لزماه وقدمنا تفاريعه، ولو جاءت بثلاثة في بطن واحد فنفى الثاني وأقر بالأول والثالث يلاعن وهم بنوه، ولو نفى الأول والثالث وأقر بالثاني يحدوهم بنوه كذا في شرح النقاية اعلم أنه في صورة ما إذا أقر بالأول ونفى الثاني إذا قال بعده هما ابناي أو ليسا بابني فلا حد فيهما كذا في فتح القدير‏.‏ وفي شهادات الجامع للصدر الشهيد من باب شهادة ولد الملاعنة باع أحد التوأمين وقد ولدا في ملكه وأعتقه المشتري فشهد لبائعه تقبل فإن ادعى الباقي ثبت نسبهما وانتقض البيع والعتق والقضاء ويرد ما قبض أو مثله إن هلك للاستناد كتحويل العقد وإن كان القضاء قصاصا في طرف أو نفس فأرشه عليه دون العاقلة؛ لأنه بدعواه، ثم اعلم أنه إذا نفى نسب التوأمين ثم مات أحدهما عن توأمه وأمه وأخ لأمه فالإرث أثلاث فرضا وردا للأم السدس والأخوين الثلث والنصف يرد عليهم، وهذا يبين أن قطع النسب يجري في التوأم؛ لأنه لو لم يقطع نسبه عن أخته التوأم لكان عصبة يأخذ الثلثين وقطع النسب عن الأخ التوأم بالتبعية لأبيهما وقد قدمناه عن الجامع وتمامه في شرح التلخيص من باب شهادة ولد الملاعنة والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب‏.‏

باب العنين وغيره

يقال رجل عنين لا يقدر على إتيان النساء أو لا يشتهي النساء وامرأة عنينة لا تشتهي الرجال والفقهاء يقولون به عنة، وفي كلام الجوهري ما يشبهه ولم أجده لغيره ولفظه عن عن امرأته تعنينا بالبناء للمفعول إذا حكم عليه القاضي بذلك أو منع عنها بالسحر والاسم منه العنة وصرح بعضهم بأنه لا يقال عنين به عنة كما يقوله الفقهاء فإنه كلام ساقط قال والمشهور في هذا المعنى كما قال ثعلب وغيره رجل عنين بين التعنين والعنية وقال في البارع بين العنانة بالفتح قال الأزهري وسمي عنينا؛ لأن ذكره يعن بقبل المرأة عن يمين وشمال يعترض إذا أراد إيلاجه كذا في المصباح وجمعه عنن وأما عند الفقهاء فهو من لا يصل إلى النساء مع قيام الآلة لمرض به وإن كان يصل إلى الثيب دون البكر أو إلى بعض النساء دون بعض سواء كانت آلته تقوم أو لا كما في العناية‏.‏ ولذا قال في شرح المنظومة الشكاز بفتح المعجمة وكاف مشددة وبعد الألف زاي هو الذي إذا جذب المرأة أنزل قبل أن يخالطها ثم لا تنتشر آلته بعد ذلك لجماعها وهو من قبيل العنين لها المطالبة بالتفريق وإن كان يصل إلى الثيب دون البكر أو إلى بعض النساء دون بعض لضعف طبيعته أو لكبر سنه أو سحر فهو عنين في حق من لا يصل إليها لفوات المقصود في حقها فإن السحر عندنا حق وجوده وتصوره ويكون أثره كما في المحيط ولا يخرج عن العنة بإدخاله في دبرها خلافا لابن عقيل فإنه يقول الدبر أشد من القبل كذا في المعراج وفيه إذا أولج الحشفة فقط فليس بعنين وإن كان مقطوعها فلا بد من إيلاج بقية الذكر وينبغي أن يقال يكفي الإيلاج بقدر الحشفة من مقطوعها ولم أر حكم ما إذا قطعت ذكره وإطلاق المجبوب يشمله وهو في تحرير الشافعية لكن قولهم لو رضيت به فلا خيار لها ينافيه وله نظيران أحدهما لو خرب المستأجر الدار الثاني لو أتلف البائع المبيع قبل القبض‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ وجدت زوجها مجبوبا فرق في الحال‏)‏ وهو من استؤصل ذكره وخصيتاه يقال جببته جبا من باب قتل قطعته وهو مجبوب بين الجباب بالفتح والكسر كذا في المصباح وإنما لم يؤجل لعدم الفائدة ولما كان التفريق لفوات حقها توقف على طلبها ولم يذكره هنا اكتفاء بما ذكره في العنين وأشار إلى أنه لو جب بعد الوصول إليها مرة لا خيار لها كما إذا صار عنينا بعده ويلحق بالمجبوب من كان ذكره صغيرا جدا كالزر لا من كانت آلته قصيرة لا يمكن إدخالها داخل الفرج فإنها لا حق لها في المطالبة بالتفريق كذا في المحيط وظاهره أنه إذا كان لا يمكن إدخالها أصلا فإنه كالمجبوب لتقييده بالداخل وأطلق الزوج المجبوب فشمل الصغير والمريض بخلاف العنين حيث ينتظر بلوغه أو برؤه لاحتمال الزوال وأراد بالمرأة من لها حق المطالبة بالجماع؛ لأنها لو كانت صغيرة انتظر بلوغها في المجبوب والعنين لاحتمال رضاها بخلاف ما لو كان أحدهما مجنونا فإنه لا يؤخر إلى عقله في الجب والعنة لعدم الفائدة‏.‏ ويفرق بينهما للحال في الجب وبعد التأجيل في العنين؛ لأن الجنون لا يعدم الشهوة، بخصومة ولي إن كان وإلا فمن ينصبه القاضي، ولو جاء الولي ببينة في المسألتين على رضاها بعنته أو جبه أو على علمها بحاله عند العقد لم يفرق ولو طلب يمينها على ذلك تحلف وإن نكلت لم يفرق وإن حلفت فرق كذا في فتح القدير وقالوا لو جاءت امرأة المجبوب بولد بعد التفريق إلى سنتين يثبت نسبه ولا يبطل التفريق بخلاف العنين حيث يبطل التفريق؛ لأنه لما ثبت نسبه لم يبق عنينا ونظر فيه الشارح بأن الطلاق وقع بتفريقه وهو بائن فكيف يبطل ألا ترى أنها لو أقرت بعد التفريق أنه كان قد وصل إليها لا يبطل التفريق وجوابه أن ثبوت النسب من المجبوب باعتبار الإنزال بالسحق والتفريق بينهما باعتبار الجب وهو موجود بخلاف ثبوته من العنين فإنه يظهر به أنه ليس بعنين والتفريق باعتباره بخلاف ما استشهد به من إقرارها فإنها متهمة في إبطال القضاء لاحتمال كذبها فظهر أن البحث بعيد كما في فتح القدير، وفي الخانية من فصل العنين إذا شهد شاهدان بعد تفريق القاضي على إقرار المرأة قبل التفريق أنه وصل إليها يبطل تفريق القاضي، ولو أقرت بعد التفريق أنه قد وصل إليها لم تصدق على إبطال تفريق القاضي ا هـ‏.‏ والحاصل أن تفريق القاضي في العنين يبطل بمجيء الولد وإقامة البينة على إقرارها بالوصول وفي التتارخانية كان الزوج مجبوبا ولم تعلم بحاله فجاءت بولد فادعاه وأثبت القاضي نسبه ثم علمت بحاله وطلبت الفرقة فلها ذلك ا هـ‏.‏ وأطلق في المرأة ولا بد من تقييدها بأن لا تكون رتقاء فإن الرتقاء إذا وجدته مجبوبا لا خيار لها كما في الخانية وأن تكون حرة؛ لأن زوج الأمة إذا كان مجبوبا أو عنينا فالخيار إلى المولى في قول أبي حنيفة فإن رضي المولى لا حق للأمة وإن لم يرض كانت الخصومة له كما في العزل، وقال أبو يوسف الخيار إلى الأمة كقوله في العزل واختلفوا في قول محمد فقيل مع أبي يوسف ما في العزل وقيل مع الإمام هنا كذا في الخانية ولم يقيد التفريق بالطلب للحال؛ لأنها لو وجدته مجبوبا فأقامت معه زمانا وهو يضاجعها كانت على خيارها ولم يذكر حكم ما إذا اختلفا في كونه مجبوبا‏.‏ وحكمه أنه إذا كان يعرف حقيقة حاله بالمس من غير نظر يمس من وراء الثياب ولا تكشف عورته وإن كان لا يعرف إلا بالنظر أمر القاضي أمينا لينظر إلى عورته فيخبر بحاله؛ لأن النظر إلى العورة يباح عند الضرورة كذا في الخانية ولم يذكر المصنف صفة الفرقة هنا اكتفاء بما ذكره في العنين وهو طلاق بائن كفرقة العنين كما في الخانية‏.‏ والحاصل أن المجبوب كالعنين إلا في خصلة واحدة وهي أن العنين يؤجل والمجبوب لا كذا في التتارخانية ويزاد مسألة بطلان التفريق بمجيء الولد كما قد علمت والثالثة لا ينتظر بلوغه والرابعة لا تشترط صحته، وفي فتح القدير وما نقل عن الهندواني أنه يؤتى بطست فيه ماء بارد فيجلس فيه العنين فإن تقلص ذكره وانزوى علم أنه لا عنة به وإلا علم أنه عنين لو اعتبر هذا لزم أن لا يؤجل سنة؛ لأن التأجيل ليس إلا ليعرف أنه عنين على ما قالوا؛ إذ لا فائدة فيه إن أجل مع ذلك لكن التأجيل لا بد منه؛ لأنه حكمه ا هـ‏.‏ والحاصل أن طلبها التفريق في العنين له شرائط مختصة بهما فالمختص به أن يكون الزوج بالغا صحيحا لم يصل إليها مرة فالصبي لا يؤجل إلا بعد بلوغه والمريض بعد صحته والمختص بها أن تكون حرة بالغة غير رتقاء وقرناء غير عالمة بحاله قبل النكاح وغير راضية به بعده‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ وأجل سنة لو عنينا أو خصيا‏)‏ وهو من نزع خصيتاه وبقي ذكره وهو بفتح الخاء فعيل بمعنى مفعول مثل جريح وقتيل والجمع خصيان والخصيتان بالتاء البيضتان الواحدة خصية وبدون التاء الخصيان الجلدتان وجمع الخصية خصى كمدية ومدى وخصيت العبد أخصيه خصاء بالكسر والمد سللت خصيته وخصيت الفرس قطعت ذكره فهو مخصي ويجوز استعمال فعيل ومفعول فيهما كذا في المصباح ولا فرق هنا بين سلهما وقطعهما إذا كان ذكره لا ينتشر قيدنا به؛ لأن آلته لو كانت تنتشر لا خيار لها كما في المحيط وعلى هذا لا حاجة إلى عطفه على العنين؛ لأنه إن لم يكن عنينا فلا تأجيل وإلا فهو داخل فيه ولذا لم يصرح بالخنثى الذي يبول من مبال الرجال والصبي الذي بلغ أربع عشرة سنة والشيخ الكبير وحكم الثلاثة التأجيل كالعنين كما في الخانية لدخول الكل تحت اسم العنين قال في الخانية يؤجل الشيخ الكبير إن كان لا يصل إليها ا هـ‏.‏ والمراد من المؤجل الحاكم ولا عبرة بتأجيل غيره قال في الخانية أيضا وتأجيل العنين لا يكون إلا عند قاضي مصر أو مدينة فلا يعتبر تأجيل المرأة ولا تأجيل غيرها ا هـ‏.‏ وأما رضاها به عند غير الحاكم فمسقط لحقها كما في الخلاصة، ولو عزل القاضي بعد ما أجله بنى المتولي على تأجيل الأول وابتدأ السنة من وقت الخصومة واستفيد من وضع المسألة أن نكاح العنين صحيح فإن علمت بعنته وقت النكاح فلا خيار لها كما لو علم المشتري بعيب المبيع وإن لم تعلم به وقته وعلمت بعده كان لها الخصومة وإن طال الزمان كما في الخانية، وفي المحيط والإمام المتبع في أحكام العنين عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم ولم ينقل عن أقرانهم خلافه فحل محل الإجماع ولأن عدم الوصول قد يكون لعلة معترضة وقد يكون لآفة أصلية فلا بد من ضرب مدة لاستبانة العلة من العنة فقدر بسنة لاشتمالها على الفصول الأربع ا هـ‏.‏ وقد كتبنا في القواعد الفقهية في مذهب الحنفية أن قاضيا لو قضى بعدم تأجيل العنين لم ينفد قضاؤه ولم يقيد المرأة بشيء ولا بد من كونها حرة وغير رتقاء كما قدمناه في زوجة المجبوب وعلله في الاختيار بأن الرتقاء لا حق لها في الوطء فلا تملك الطلب، ولو اختلفا في كونها رتقاء يريها النساء كما في التتارخانية وأطلق الزوج فشمل المعتوه لما في الخانية والمعتوه إذا زوجه وليه امرأة فلم يصل إليها أجله القاضي سنة بحضرة الخصم عنه ولا بد من تقييد الزوج بكونه صحيحا كما سيأتي أن المريض لا يؤجل حتى يصح ولم يذكره محمد واختلفوا في تلك السنة فقيل شمسية وهي تزيد على القمرية بأحد عشر يوما قال في الخلاصة وعليه الفتوى وقيل قمرية وهي ثلثمائة وأربعة وخمسون يوما وصححه في الواقعات والولوالجية وهو ظاهر الرواية كما في الهداية فكان هو المعتمد؛ لأنه الثابت عن صاحب المذهب، وفي الخانية إذا ثبت عدم الوصول أجله القاضي طلب أو لم يطلب ويكتب التأجيل ويشهد على التاريخ وفي المجتبى إذا كان التأجيل في أثناء الشهر يعتبر بالأيام إجماعا كما ذكره في العدة‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ فإن وطئ وإلا بانت بالتفريق إن طلبت‏)‏ أي‏:‏ طلبا ثانيا فالأول للتأجيل والثاني للتفريق وذكر خجا مسكين أن قوله إن طلبت متعلق بالجميع وهو حسن وطلب وكيلها بالتفريق عند غيبتها كطلبها على خلاف فيه ولم يذكره محمد وأطلقه فشمل ما إذا طلبت على التراخي أولا وثانيا؛ ولذا لو خاصمته ثم تركت مدة فلها المطالبة، ولو طاوعته في المضاجعة تلك الأيام كما في الخانية ولما كانت هذه فرقة قبل الدخول حقيقة كانت بائنة ولها كمال المهر وعليها العدة لوجود الخلوة الصحيحة‏.‏ وأشار إلى أنه لو وطئها مرة لا حق لها في المطالبة لسقوط حقها بالمرة قضاء وما زاد عليها فهو مستحق ديانة لا قضاء كما في جامع قاضي خان، وفي فتاواه لو كان يأتيها فيما دون الفرج حتى ينزل وتنزل ولا يصل إليها في فرجها وقامت معه على ذلك زمانا وهي بكر أو ثيب ثم خاصمته إلى القاضي أجله القاضي سنة، ولو وطئها بعد التأجيل سقط حقها ولو حائضا أو نفساء أو صائمة أو محرمة كذا في المعراج وإلى أن الزوج لو طلب أن يؤجل بعد السنة، ولو يوما لا يجيبه القاضي إلا برضاها ولها الرجوع واختيار الفرقة كذا في الاختيار وقدمنا أن المراد بالزوجة الحرة أما الأمة فالخيار لمولاها لا لها كالإذن في العزل، وفي المحيط فرق بينهما ثم تزوجها ثانيا لا خيار لها لرضاها بالمقام معه، ولو تزوج أخرى عالمة بحاله لا خيار لها وعليه الفتوى، ولو كان له امرأة يصل إليها وولدت منه أولادا ثم أبانها ثم تزوجها ولم يصل في النكاح الثاني فهو عنين؛ لأنها باعتبار كل عقد يتجدد لها حق المطالبة ا هـ‏.‏ وفي المعراج ويؤهل الصبي هنا للطلاق في مسألة الجب؛ لأنه مستحق عليه كما يؤهل بعتق القريب ومنهم من جعله فرقة بغير طلاق والأول أصح ا هـ‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ فلو قال وطئت وأنكرت وقلن بكر خيرت وإن كانت ثيبا صدق بحلفه‏)‏ أطلقه فشمل ما إذا وقع الاختلاف في الابتداء بأن ادعى الوصول إليها وأنكرت أو في الانتهاء فإن قوله خيرت شامل لتخيير تأجيله سنة في الابتداء أو لاختيار الفرقة بعد التأجيل وحاصله أنه إن كانت ثيبا فالقول قوله في الوطء ابتداء وانتهاء مع يمينه فإن نكل في الابتداء يؤجل سنة ولا يؤجله إلا إذا ثبت عدم الوصول إليها وإن نكل في الانتهاء تخير للفرقة وإن كانت بكرا ثبت عدم الوصول إليها بقولهن فيؤجل في الابتداء ويفرق في الانتهاء وبهذا ظهر أن ما ذكره الشارح من أن المصنف لم يذكر كيفية ثبوت العنة في الابتداء وذكره في الانتهاء غفلة عما فهمته من كلامه لما قررنا أن التخيير شامل لهما والتقييد بقوله وقلن المفيد للجماعة اتفاقي أو لبيان الأولى للاكتفاء بقول الواحدة والاثنتان أحوط، وفي البدائع أوثق وفي الإسبيجابي أفضل وشرط الحاكم الشهيد في الكافي عدالتها وطريق معرفة أنها بكر أن تبول على جدار فإن وصل إليه فبكر وإلا فلا أو يرسل في فرجها ما في بيضة فإن دخل فثيب وإلا فبكر أو يرسل في فرجها أصغر بيضة للدجاجة فإن دخلت من غير عنف فهي ثيب وإلا فبكر، وفي الخانية وإن شهد البعض بالبكارة والبعض بالثيابة يريها غيرهن ا هـ‏.‏

وفي المعراج لو وجدت ثيبا وزعمت أن عذرتها زالت بسبب آخر من غير وطئه كأصبعه وغيرها فالقول قوله؛ لأنه الظاهر والأصل عدم أسباب أخر، وفي المحيط عنين أجله القاضي سنة وامرأته ثيب فوطئها وادعت بعد الحول أنه لم يطأها وقالت حلفه فأبى أن يحلف ففرق القاضي بينهما لم يسعها أن تتزوج بآخر ولم يسعه أن يتزوج بأختها ا هـ‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ وإن اختارته بطل حقها‏)‏ أطلقه فشمل الاختيار حقيقة وحكما كما إذا قامت من مجلسها أو أقامها أعوان القاضي قبل أن تختار شيئا أو قام القاضي قبل أن تختار لإمكان أن تختار مع القيام وعليه الفتوى كذا في المحيط والواقعات، وفي البدائع ظاهر الرواية أنه لا يتوقف على المجلس وقيد بقوله بانت بالتفريق؛ لأن الفرقة لا تقع باختيارها نفسها بل لا بد من تطليق الزوج بائنة أو تفريق القاضي إن امتنع وقيل تقع باختيارها وجعله في الخلاصة ظاهر الرواية والأول رواية الحسن وأشار ببطلانه باختيارها إلى أنه لو فرق بينهما ثم تزوجها ثانيا لم يكن لها خيار لرضاها بحاله كما لو تزوجته عالمة بحاله على المفتى به كما في المحيط، وفي الخانية فرق بين العنين وبين امرأته ثم تزوج أخرى تعلم بحاله اختلفت الروايات والصحيح أن للثانية حق الخصومة؛ لأن الإنسان قد يعجز عن امرأة ولا يعجز عن غيرها ويحتسب من السنة أيام حيضها ورمضان وحجه وغيبته لا بمرض أحدهما على المفتى به مطلقا كما في الولوالجية وصحح في الخانية أن الشهر لا يحتسب وما دونه يحتسب، وفي المحيط أصح الروايات عن أبي يوسف أن نصف الشهر وما دونه يحتسب وما زاد على النصف لا يحتسب ولا بحجها وغيبتها وحبسها وامتناعها من المجيء إلى السجن بعد حبسه بعد أن يكون فيه موضع خلوة، ولو على مهرها، وفي الخلاصة لو كان محرما وقت الخصومة أجله بعد الإحرام، وفي الخانية لو وجد زوجها مريضا لا يقدر على الجماع لا يؤجل ما لم يصح وإن طال المرض ا هـ‏.‏ وفيها وإن كان الزوج مظاهرا منها إن كان قادرا على الإعتاق أجله القاضي وإن كان عاجزا عنه أمهله القاضي شهرين للكفارة ثم يؤجل وإن ظاهر بعد التأجيل لا يلتفت إليه ويحتسب ذلك عليه‏.‏ ا هـ‏.‏ وفي المحيط الجامع أصله أن كل موضع تجري الوكالة فيه ينتصب الولي فيه خصما فالتفريق بسبب الجب وخيار البلوغ وعدم الكفاءة تجري الوكالة فيه فانتصب الولي فيه خصما وكل موضع لا تجري الوكالة فيه لا ينتصب الولي خصما فيه كالفرقة بالإباء عن الإسلام واللعان ا هـ‏.‏

‏(‏قوله‏:‏ لم يخير أحدهما بعيب‏)‏ أي‏:‏ لا خيار لأحد الزوجين بعيب في الآخر؛ لأن المستحق بالعقد هو الوطء والعيب لا يفوته بل يوجب فيه خللا ففواته بالموت قبل التسليم لا يوجب الخيار فاختلاله أولى، وفي الهداية أن اختلاله بالموت لا يوجب الفسخ فبالعيب أولى واعترض عليه جميع الشارحين بأن النكاح مؤقت بحياتهما ولم يجيبوا وأجبت عنه بجوابين الأول أن النكاح ينتهي بالموت لا أنه ينفسخ قالوا والشيء بانتهائه يتقرر ولا ينفسخ‏.‏ والثاني وهو الأحسن أنه على حذف مضاف تقديره لا يوجب خيار الفسخ حتى لا يسقط بالموت شيء من مهرها أطلق العيب فشمل الجذام والبرص والجنون والرتق والقرن وخالف الشافعي ومالك وأحمد في هذه الخمسة وخالف محمد في الثلاثة الأول إذا كانت بالزوج فتخير المرأة بخلاف ما إذا كانت بها فلا يخير لقدرته على دفع الضرر عن نفسه بالطلاق دونها ويرد عليه تخيير الغلام إذا بلغ عند محمد فإنه قادر بالطلاق ويمكن أن يجاب بأن خيار البلوغ لدفع ضرر فعل الغير بخلافه هنا؛ لأن الزوج فعله كما لا يخفى، الجذام من الجذم بفتح الجيم القطع وهو مصدر من باب ضرب ومنه يقال جذم بالبناء للمفعول إذا أصابه الجذام؛ لأنه يقطع اللحم ويسقطه وهو مجذوم قالوا ولا يقال فيه من هذا المعنى أجذم وزان أحمر كذا في المصباح‏.‏ وفي القاموس والجذام كالغراب علة تحدث من انتشار السوداء في الجسد كله فيفسد مزاج الأعضاء وهيئاتها وربما انتهى إلى تآكل الأعضاء وسقوطها عن تقرح جذم فهو مجذوم ومجذم وأجذم ووهم الجوهري في منعه ا هـ‏.‏ والبرص محركة بياض يظهر في ظاهر البدن لفساد مزاج برص كفرح فهو أبرص وأبرصه الله ثم قال في موضع آخر وجن بالضم جنا وجنونا واستجن مبنيا للمفعول وتجنن وتجان وأجنه الله فهو مجنون، وأما الرتق ضد الفتق ومحركه جمع رتقة ومصدر قولك امرأة رتقاء بينة الرتق لا يستطاع جماعها أو لا خرق لها إلا المبال خاصة، وفي المصباح رتقت المرأة رتقا من باب تعب فهي رتقاء إذا استد مدخل الذكر من فرجها فلا يستطاع جماعها والقرن مثل فلس العفلة وهو لحم ينبت في الفرج في مدخل الذكر كالغدة الغليظة وقد يكون عظما ويحكى أنه اختصم إلى القاضي شريح في جارية بها قرن فقال أقعدوها فإن أصاب الأرض فهو عيب وإلا فلا وقال القلعي القرن بفتح الراء بمنزلة العفلة فأوقع المصدر موقع الاسم وهو سائغ كذا في المصباح والرتق بفتح التاء كما في العناية وقد كتبنا في القواعد الفقهية في مذهب الحنفية أن القاضي لو قضى برد أحد الزوجين بعيب نفذ قضاؤه، وفي القنية من الكراهية جراح اشترى جارية رتقاء فله شق الرتق وإن تألمت ا هـ‏.‏ ولم أر حكم شق الرتقاء المنكوحة وقالوا في تعليل عدم ردها لإمكان شقه ولكن ما رأيت هل يشق جبرا أم لا، وفي المعراج لو تراضى العنين وزوجته على النكاح بعد التفريق فله أن يتزوجها إلا رواية عن أحمد حيث قال لا يجتمعان أبدا كفرقة اللعان، وهذا باطل لا أصل له والله أعلم بالصواب‏.‏