فصل: فصل: في بيان ضبط المتن والنقل بالمعنى

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أصول السرخسي ***


فصل‏:‏ في أقسام الرواة الذين يكون خبرهم حجة

قال رضي الله عنه‏:‏ اعلم بأن الرواة قسمان‏:‏ معروف، ومجهول‏.‏ فالمعروف نوعان‏:‏ من كان معروفا بالفقه والرأي في الاجتهاد، ومن كان معروفا بالعدالة وحسن الضبط والحفظ ولكنه قليل الفقه‏.‏ فالنوع الاول كالخلفاء الراشدين والعبادلة وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأبي موسى الاشعري وعائشة وغيرهم من المشهورين بالفقه من الصحابة رضي الله عنهم، وخبرهم حجة موجبة للعلم الذي هو غالب الرأي، ويبتنى عليه وجوب العمل، سواء كان الخبر موافقا للقياس أو مخالفا له، فإن كان موافقا للقياس تأيد به، وإن كان مخالفا للقياس يترك القياس ويعمل بالخبر‏.‏ وكان مالك بن أنس يقول يقدم القياس على خبر الواحد في العمل به، لان القياس حجة بإجماع السلف من الصحابة، ودليل الكتاب والسنة والاجماع أقوى من خبر الواحد فكذلك ما يكون ثابتا بالاجماع‏.‏ ولكنا نقول‏:‏ ترك القياس بالخبر الواحد في العمل به أمر مشهور في الصحابة ومن بعدهم من السلف لا يمكن إنكاره حتى يسمون ذلك معدولا به عن القياس، وعليه دل حديث عمر رضي الله عنه فإن حمل ابن مالك رضي الله عنه حين روى له حديث الغرة في الجنين قال‏:‏ كدنا أن نقضي فيه برأينا فيما فيه قضاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف ما قضى به‏.‏ وفي رواية‏:‏ لولا ما رويت لرأينا خلاف ذلك‏.‏ وقال ابن عمر رضي الله عنه‏:‏ كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسا حتى أخبرنا رافع بن خديج رضي الله عنه أن النبي عليه السلام نهى عن إكراء المزارع فتركناه لاجل قوله، ولان قول الرسول صلى الله عليه وسلم موجب للعلم باعتبار أصله وإنما الشبهة في النقل عنه‏.‏ فأما الوصف الذي به القياس فالشبهة والاحتمال في أصله لانا لا نعلم يقينا أن ثبوت الحكم المنصوص باعتبار هذا الوصف من بين سائر الاوصاف، وما يكون الشبهة في أصله دون ما تكون الشبهة في طريقه بعد التيقن بأصله، يوضحه أن الشبهة هنا باعتبار توهم الغلط والنسيان في الراوي وذلك عارض، وهناك باعتبار التردد بين هذا الوصف وسائر الاوصاف وهو أصل، ثم الوصف الذي هو معنى من المنصوص كالخبر والرأي، والنظر فيه كالسماع، والقياس كالعمل به، ولا شك أن الوصف ساكت عن البيان والخبر بيان في نفسه فيكون الخبر أقوى من الوصف في الابانة، والسماع أقوى من الرأي في الاصابة، ولا يجوز ترك القوي بالضعيف‏.‏ فأما المعروف بالعدالة والضبط والحفظ كأبي هريرة وأنس بن مالك رضي الله عنهما وغيرهما ممن اشتهر بالصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والسماع منه مدة طويلة في الحضر والسفر، فإن أبا هريرة ممن لا يشك أحد في عدالته وطول صحبته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال له‏:‏ ‏(‏زر غبا تزدد حبا‏)‏ وكذلك في حسن حفظه وضبطه، فقد دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك على ما روي عنه أنه قال‏:‏ يزعمون أن أبا هريرة يكثر الرواية وإني كنت أصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني والانصار يشتغلون بالقيام على أموالهم والمهاجرون بتجاراتهم، فكنت أحضر إذا غابوا، وقد حضرت مجلسا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏(‏من يبسط منكم رداءه حتى أفيض فيه مقالتي فيضمها إليه ثم لا ينساها‏)‏ فبسطت بردة كانت علي فأفاض فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته ثم ضممتها إلى صدري فما نسيت بعد ذلك شيئا‏.‏ ولكن مع هذا قد اشتهر من الصحابة رضي الله عنه ومن بعدهم معارضة بعض رواياته بالقياس، هذا ابن عباس رضي الله عنهما لما سمعه يروي‏:‏ ‏(‏توضؤوا مما مسته النار‏)‏ قال‏:‏ أرأيت لو توضأت بماء سخن أكنت تتوضأ منه، أرأيت لو ادهن أهلك بدهن فادهنت به شاربك أكنت تتوضأ منه ‏!‏ فقد رد خبره بالقياس، حتى روي أن أبا هريرة قال ‏(‏له‏)‏‏:‏ يا ابن أخي إذا أتاك الحديث فلا تضرب له الامثال‏.‏ ولا يقال إنما رده باعتبار نص آخر عنده، وهو ما روي أن النبي عليه السلام أتى بكتف مؤربة فأكلها وصلى ولم يتوضأ، لانه لو كان عنده نص لما تكلم بالقياس ولا أعرض عن أقوى الحجتين، أو كان سبيله أن يطلب التاريخ بينهما ليعرف الناسخ من المنسوخ، أو أن يخصص اللحم من ذلك الخبر بهذا الحديث، فحيث اشتغل بالقياس وهو معروف بالفقه والرأي من بين الصحابة على وجه لا يبلغ درجة أبي هريرة في الفقه ودرجته، عرفنا أنه استخار التأمل في روايته إذا كان مخالفا للقياس‏.‏ ولما سمعه يروي‏:‏ من حمل جنازة فليتوضأ قال أيلزمنا الوضوء في حمل عيدان يابسة‏؟‏ ‏!‏ ولما سمعت عائشة رضي الله عنها أن أبا هريرة يروي أن ولد الزنا شر الثلاثة‏.‏ قالت‏:‏ كيف يصح هذا وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تزر وازرة وزر أخرى‏}‏ وهذا عام دخله خصوص‏.‏ وروي أن عائشة قالت لابن أخيها ألا تعجب من كثرة رواية هذا الرجل ورسول الله صلى الله عليه وسلم حدث بأحاديث لو عدها عاد لاحصاها ‏!‏ وقال إبراهيم النخعي رضي الله عنه‏:‏ كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة ويدعون‏.‏ وقال لو كان ولد الزنا شر الثلاثة لما انتظر بأمه أن تضع‏.‏ وهذا نوع قياس‏.‏ ولما بلغ عمر رضي الله عنه أن أبا هريرة يروي ما لا يعرف قال‏:‏ لتكفن عن هذا أو لالحقنك بجبال دوس‏.‏ فلمكان ما اشتهر من السلف في هذا الباب قلنا ما وافق القياس من روايته فهو معمول به، وما خالف القياس فإن تلقته الامة بالقبول فهو معمول به، وإلا فالقياس الصحيح شرعا مقدم على روايته فيما ينسد باب الرأي فيه‏.‏ ولعل ظانا يظن أن في مقالتنا ازدراء به ومعاذ الله من ذلك، فهو مقدم في العدالة والحفظ والضبط كما قررنا، ولكن نقل الخبر بالمعنى كان مستفيضا فيهم، والوقوف على كل معنى أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلامه أمر عظيم، فقد أوتي جوامع الكلم على ما قال‏:‏ أوتيت جوامع الكلم واختصر لي اختصارا ومعلوم أن الناقل بالمعنى لا ينقل إلا بقدر ما فهمه من العبارة، وعند قصور فهم السامع ربما يذهب عليه بعض المراد، وهذا القصور لا يشكل عند المقابلة بما هو فقه ‏(‏لفظ‏)‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلتوهم هذا القصور قلنا‏:‏ إذا انسد باب الرأي فيما روي وتحققت الضرورة بكونه مخالفا للقياس الصحيح فلا بد من تركه، لان كون القياس الصحيح حجة ثابت بالكتاب والسنة والاجماع فما خالف القياس الصحيح من كل وجه فهو في المعنى مخالف للكتاب والسنة المشهورة والاجماع‏.‏ وبيان هذا في حديث المصراة فإن الأمر برد صاع من تمر مكان اللبن قل أو كثر مخالف للقياس الصحيح من كل وجه، لان تقدير الضمان في العدوانات بالمثل أو القيمة حكم ثابت بالكتاب والسنة والاجماع‏.‏ وكذلك فيما يرويه سلمة بن المحبق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيمن وطئ جارية امرأته‏:‏ فإن طاوعته فهي له وعليه مثلها، وإن استكرهها فهي حرة وعليه مثلها فإن القياس الصحيح يرد هذا الحديث ويتبين أنه كالمخالف للكتاب والسنة المشهورة والاجماع‏.‏ ثم هذا النوع من القصور لا يتوهم في الراوي إذا كان فقيها لان ذلك لا يخفى عليه لقوة فقهه، فالظاهر أنه إنما روى الحديث بالمعنى عن بصيرة فإنه علم سماعه ‏(‏من رسول الله كذلك مخالفا للقياس ولا تهمة في روايته فكأنا سمعنا ذلك‏)‏ من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيلزمنا ترك كل قياس بمقابلته، ولهذا قلت رواية الكبار من فقهاء الصحابة رضي الله عنهم، ألا ترى إلى ما روي عن عمرو بن ميمون قال‏:‏ صحبت ابن مسعود سنين فما سمعته يروي حديثا إلا مرة واحدة، فإنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أخذه البهر والفرق وجعلت فرائصه ترتعد فقال نحو هذا أو قريبا منه أو كلاما هذا معناه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا‏.‏ فبهذا يتبين أن الوقوف على ما أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم من معاني كلامه كان عظيما عندهم فلهذا قلت رواية الفقهاء منهم، فإذا صحت الرواية عنهم فهو مقدم على القياس‏.‏ ومع هذا كله فالكبار من أصحابنا يعظمون رواية هذا النوع منهم ويعتمدون قولهم، فإن محمدا رحمه الله ذكر عن أبي حنيفة رحمه الله أنه أخذ بقول أنس بن مالك رضي الله عنه في مقدار الحيض وغيره وكان درجة أبي هريرة فوق درجته، فعرفنا بهذا أنهم ما تركوا العمل بروايتهم إلا عند الضرورة لانسداد باب الرأي من الوجه الذي قررنا‏.‏ فأما المجهول فإنما نعني بهذا اللفظ من لم يشتهر بطول الصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما عرف بما روي من حديث أو حديثين، نحو وابصة بن معبد، وسلمة بن المحبق، ومعقل بن سنان الاشجعي رضي الله عنهم وغيرهم‏.‏ ورواية هذا النوع على خمسة أوجه‏:‏ أحدها أن يشتهر لقبول الفقهاء روايته والرواية عنه، والثاني أن يسكتوا عن الطعن فيه بعدما يشتهر، والثالث أن يختلفوا في الطعن في روايته، والرابع أن يطعنوا في روايته من غير خلاف بينهم في ذلك، والخامس أن لا تظهر روايته ولا الطعن فيه فيما بينهم‏.‏ أما من قبل السلف منه روايته وجوزوا النقل عنه فهو بمنزلة المشهورين في الرواية‏:‏ لانهم ما كانوا متهمين بالتقصير في أمر الدين، وما كانوا يقبلون الحديث حتى يصح عندهم أنه يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإما أن يكون قبولهم لعلمهم بعدالته وحسن ضبطه، أو لانه موافق لما عندهم مما سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من بعض المشهورين يروي عنه‏.‏ وكذلك إن سكتوا عن الرد بعدما اشتهر روايته عندهم، لان السكوت بعد تحقق الحاجة لا يحل إلا على وجه الرضا بالمسموع فكان سكوتهم عن الرد دليل التقرير، بمنزلة ما لو قبلوه وردوا عنه‏.‏ وكذلك ما اختلفوا في قبوله وروايته عنه عندنا، لانه حين قبله بعض الفقهاء المشهورين منهم فكأنه روى ذلك بنفسه‏.‏ وبيان هذا في حديث معقل بن سنان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى لبروع بنت واشق الاشجعية بمهر مثلها حين مات عنها زوجها ولم يسم لها صداقا، فإن ابن مسعود رضي الله عنه قبل روايته وسر به لما وافق قضاءه قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي رضي الله عنه رده فقال‏:‏ ماذا نصنع بقول أعرابي بوال على عقبه حسبها الميراث لا مهر لها‏.‏ فلما اختلفوا فيه في الصدر الاول أخذنا بروايته، لان الفقهاء من القرن الثاني كعلقمة ومسروق والحسن ونافع بن جبير قبلوا روايته فصار معدلا بقبول الفقهاء روايته‏.‏ وكذلك أبو الجراح صاحب راية الاشجعيين صدقه في هذه الرواية‏.‏ وكأن عليا رضي الله عنه إنما لم يقبل روايته لانه كان مخالفا للقياس عنده، وابن مسعود رضي الله عنه قبل روايته لانه كان موافقا للقياس عنده‏.‏ فتبين بهذا أن رواية مثل هذا فيما يوافق القياس يكون مقبولا ثم العمل يكون بالرواية‏.‏ وأما إذا ردوا عليه روايته ولم يختلفوا في ذلك فإنه لا يجوز العمل بروايته، لانهم كانوا لا يتهمون برد الحديث الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بترك العمل به وترجيح الرأي بخلافه عليه، فاتفاقهم على الرد دليل على أنهم كذبوه في هذه الرواية وعلموا أن ذلك وهم منه‏.‏ ولو قال الراوي أوهمت لم يعمل بروايته، فإذا ظهر دليل ذلك ممن هو فوقه أولى‏.‏ وبيان هذا في حديث فاطمة بنت قيس، فإن عمر رضي الله عنه قال‏:‏ لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت‏.‏ قال عيسى بن أبان رحمه الله مراده من الكتاب والسنة القياس الصحيح، فإن ثبوته بالكتاب والسنة وهو قياس الشبه في اعتبار النفقة بالسكنى من حيث إن كل واحد منهما حق مالي مستحق بالنكاح‏.‏ فإن قيل‏:‏ هذا إشارة إلى غير ما أشار إليه عمر، فإنه لم يقل لا نقبل حديثها لعلمنا أنها أوهمت، ولكن قال‏:‏ لا ندع كتاب ربنا لانا لا ندري أصدقت أم كذبت‏.‏ قلنا‏:‏ في قوله لا ندري إشارة إلى هذا المعنى، فإن قبول الرواية والعمل به يبتني على ظهور رجحان جانب الصدق وهو بين أنه لم يظهر رجحان جانب الصدق في روايتها، والرأي يدل على خلاف روايتها فنترك روايتها ونعمل بالقياس الصحيح، وفي المعنى لا فرق بين هذا وبين قوله لا نقبل روايتها، بمنزلة القاضي يرد شهادة الفاسق بقوله ائت بشاهد آخر ائت بحجة‏.‏ ومن هذا النحو حديث سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه في القسامة‏:‏ أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم‏؟‏ وحديث بسرة رضي الله عنها‏:‏ من مس ذكره فليتوضأ وحديث أبي هريرة‏:‏ من أصبح جنبا فلا صوم له وأما ما لم يشتهر عندهم ولم يعارضوه بالرد فإن العمل به لا يجب ولكن يجوز العمل به إذا وافق القياس، لان من كل من الصدر الاول فالعدالة ثابتة له باعتبار الظاهر، لانه في زمان الغالب من أهله العدول على ما قال عليه السلام‏:‏ خير الناس قرني الذي أنا فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم فباعتبار الظاهر يترجح جانب الصدق في خبره، وباعتبار أنه لم تشتهر روايته في السلف يتمكن تهمة الوهم فيه فيجوز العمل به إذا وافق القياس على وجه حسن الظن به ولكن لا يجب العمل به، لان الوجوب شرعا لا يثبت بمثل هذا الطريق الضعيف، ولهذا جوز أبو حنيفة القضاء بشهادة المستور، ولم يوجب على القاضي القضاء، لانه كان في القرن الثالث والغالب على أهله الصدق، فأما في زماننا رواية مثل هذا لا يكون مقبولا، ولا يصح العمل به ما لم يتأيد بقبول العدول روايته، لان الفسق غلب على أهل هذا الزمان، ولهذا لم يجوز أبو يوسف ومحمد القضاء بشهادة المستور قبل ظهور عدالته‏.‏ فصار الحاصل أن الحكم في رواية المشهور الذي لم يعرف بالفقه وجوب العمل وحمل روايته على الصدق إلا أن يمنع منه مانع وهو أن يكون مخالفا للقياس وأن الحكم في رواية المجهول أنه لا يكون حجة للعمل إلا أن يتأيد بمؤيد وهو قبول السلف أو بعضهم روايته، والله أعلم‏.‏

فصل‏:‏ في بيان شرائط الراوي حدا وتفسيرا وحكما

قال رضي الله عنه‏:‏ اعلم بأن هذه الشرائط أربعة‏:‏ العقل، والضبط، والعدالة، والإسلام‏.‏ أما اشتراط العقل‏:‏ فلان الخبر الذي يرويه كلام منظوم له معنى معلوم، ولا بد من اشتراط العقل في المتكلم من العباد ليكون قوله كلاما معتبرا، فالكلام المعتبر شرعا ما يكون عن تمييز وبيان، لا عن تلقين وهذيان، ألا ترى أن من الطيور من يسمع منه حروف منظومة ويسمى ذلك لحنا لا كلاما، وكذلك إذا سمع من إنسان صوته بحروف منظومة لا يدل على معنى معلوم لا يسمى ذلك كلاما، فعرفنا أن معنى الكلام في الشاهد ما يكون مميزا بين أسماء الاعلام، فما لا يكون بهذه الصفة يكون كلاما صورة لا معنى، بمنزلة ما لو صنع من خشب صورة آدمي لا يكون آدميا لانعدام معنى الآدمي فيه‏.‏ ثم التمييز الذي به يتم الكلام بصورته ومعناه لا يكون إلا بعد وجود العقل، فكان العقل شرطا في المخبر، لان خبره أحد أنواع الكلام فلا يكون معتبرا إلا باعتبار عقله‏.‏ وأما الضبط‏:‏ فلان قبول الخبر باعتبار معنى الصدق فيه ولا يتحقق ذلك إلا بحسن ضبط الراوي من حين يسمع إلى حين يروي‏.‏ فكان الضبط لما هو معنى هذا النوع من الكلام بمنزلة العقل الذي به يصح أصل الكلام شرعا‏.‏ وأما العدالة‏:‏ فلان الكلام في خبر من هو غير معصوم عن الكذب فلا تكون جهة الصدق متعينا في خبره لعينه، وإنما يترجح جانب الصدق بظهور عدالته، لان الكذب محظور عقله فنستدل بانزجاره عن سائر ما نعتقده محظورا على انزجاره عن الكذب الذي نعتقده محظورا، أو لما كان منزجرا عن الكذب في أمور الدنيا فذلك دليل انزجاره عن الكذب في أمور الدين وأحكام الشرع بالطريق الاولى، فأما إذا لم يكن عدلا في تعاطيه فاعتبار جانب تعاطيه يرجح معنى الكذب في خبره، لانه لما لم يبال من ارتكاب سائر المحظورات مع اعتقاده حرمته، فالظاهر أنه لا يبالي من الكذب مع اعتقاده حرمته، واعتبار جانب اعتقاده يدل على الصدق في خبره فتقع المعارضة ويجب التوقف، وإذا كان ترجيح جانب الصدق باعتبار عدالته وبه يصير الخبر حجة للعمل شرعا، فعرفنا أن العدالة في الراوي شرط لكون خبره حجة‏.‏ فأما اشتراط الإسلام‏:‏ لانتفاء تهمة الكذب لا باعتبار نقصان حال المخبر بل باعتبار زيادة شئ فيه يدل على كذبه في خبره، وذلك لان الكلام في الأخبار التي يثبت بها أحكام الشرع، وهم يعادوننا في أصل الدين بغير حق على وجه هو نهاية في العداوة فيحملهم ذلك على السعي في هدم أركان الدين بإدخال ما ليس منه فيه، وإليه أشار الله تعالى في قوله‏:‏ ‏{‏لا يألونكم خبالا‏}‏ أي لا يقصرون في الافساد عليكم، وقد ظهر منهم هذا بطريق الكتمان، فإنهم كتموا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبوته من كتابه بعدما أخذ عليهم الميثاق بإظهار ذلك فلا يؤمنون من أن يقصدوا مثل ذلك بزيادة هي كذب لا أصل له بطريق الرواية، بل هذا هو الظاهر، فلاجل هذا شرطنا الإسلام في الراوي لكون خبره حجة، ولهذا لم تجوز شهادتهم على المسلمين، لان العداوة ربما تحملهم على القصد للاضرار بالمسلمين بشهادة الزور، كما لا تقبل شهادة ذي الضغن لظهور عداوته بسبب الباطن، وقبلنا شهادة بعضهم على بعض لانعدام هذا المعنى الباعث على الكذب فيما بينهم‏.‏ وبهذا تبين أن رد خبره ليس لعين الكفر بل لمعنى زائد يمكن تهمة الكذب في خبره، بمنزلة شهادة الاب للولد فإنها لا تكون مقبولة لمعنى زائد يمكن تهمة الكذب في شهادته وهو شفقة الابوة وميله إلى ولده طبعا‏.‏ وأما بيان حد هذه الشروط وتفسيرها فنقول‏:‏ العقل نور في الصدر به يبصر القلب عند النظر في الحجج بمنزلة السراج، فإنه نور تبصر العين به عند النظر فترى ما يدرك بالحواس لا أن السراج يوجب رؤية ذلك ولكنه يدل العين عند النظر عليه، فكذلك نور الصدر الذي هو العقل يدل القلب على معرفة ما هو غائب عن الحواس من غير أن يكون موجبا لذلك، بل القلب يدرك ‏(‏بالعقل‏)‏ ذلك بتوفيق الله تعالى، وهو في الحاصل عبارة عن الاختيار الذي يبتنى عليه المرء ما يأتي به وما يذر مما لا ينتهي إلى إدراكه سائر الحواس، فإن الفعل أو الترك لا يعتبر إلا لحكمة وعاقبة حميدة، ولهذا لا يعتبر من البهائم لخلوه عن هذا المعنى، والعاقبة الحميدة لا تتحقق فيما يأتي به الإنسان من فعل أو ترك له إلا بعد التأمل فيه بعقله، فمتى ظهرت أفعاله على سنن أفعال العقلاء كان ذلك دليلا لنا على أنه عاقل مميز وأن فعله وقوله ليس يخلو عن حكمة وعاقبة حميدة، وهذا لان العقل لا يكون موجودا في الآدمي باعتبار أصله ولكنه خلق من خلق الله تعالى يحدث شيئا فشيئا، ثم يتعذر الوقوف على وجود كل جزء منه بحسب ما يمضي من الزمان على الصبي إلى أن يبلغ صفة الكمال، فجعل الشرع الحد لمعرفة كمال العقل هو البلوغ تيسيرا للامر علينا، لان اعتدال الحال عند ذلك يكون عادة والله تعالى هو العالم حقيقة بما يحدثه من ذلك في كل أحد من عباده من نقصان أو كمال، ولكن لا طريق لنا إلى الوقوف على حد ذلك، فقام السبب الظاهر في حقنا مقام المطلوب حقيقة تيسيرا، وهو البلوغ مع انعدام الآفة، ثم يسقط اعتبار ما يوجد من العقل للصبي قبل هذا الحد شرعا لدفع الضرر عنه لا للاضرار به، فإن الصبا سبب للنظر له، ولهذا لم يعتبر فيما يتردد بين المنفعة والمضرة ويعتبر فيما يتمخض منفعة له‏.‏ ثم خبره في أحكام الشرع لا يكون حجة للالزام دفعا لضرر العهدة عنه، كما لا يجعل وليا في تصرفاته في أمور الدنيا دفعا لضرر العهدة عنه، ولهذا صح سماعه وتحمله للشهادة قبل البلوغ إذا كان مميزا، فقد كان في الصحابة من سمع في حالة الصغر وروى بعد البلوغ وكانت روايته مقبولة، لانه ليس في ذلك من معنى ضرر لزوم العهدة شئ، وإنما يكون ذلك في الأداء فيشترط لفسخه أدائه على وجه يكون حجة كونه عاقلا مطلقا‏.‏ ولا يحصل ذلك إلا باعتدال حاله ظاهرا كما بينا‏.‏ وصار الحاصل أن العاقل نوعان‏:‏ من يصيب بعض العقل على وجه يتمكن من التمييز به بين ما يضره وما ينفعه ولكنه ناقص في نفسه كالصبي قبل البلوغ والمعتوه الذي يعقل، وعاقل هو كامل العقل وهو البالغ الذي لا آفة به، فإن بالآفة يستدل تارة على انعدام العقل بعد البلوغ كالمجنون، وتارة على نقصان العقل كما في حق المعتوه، فإذا انعدمت الآفة كان اعتدال الظاهر بالبلوغ دليلا على كمال العقل الذي هو الباطن، والمطلق من كل شئ يتناول الكامل منه، فاشتراط العقل لصحة خبره على وجه يكون حجة دليل على أنه يشترط كمال العقل في ذلك‏.‏ فأما الضبط‏:‏ فهو عبارة عن الاخذ بالجزم، وتمامه في الأخبار أن يسمع حق السماع، ثم يفهم المعنى الذي أريد به، ثم يحفظ ذلك ‏(‏بجهده، ثم يثبت على ذلك‏)‏ بمحافظة حدوده ومراعاة حقوقه بتكراره إلى أن يؤدي إلى غيره، لان بدون السماع لا يتصور الفهم، وبعد السماع إذا لم يفهم معنى الكلام لم يكن ذلك سماعا مطلقا بل يكون ذلك سماع صوت لا سماع كلام هو خبر، وبعد فهم المعنى يتم التحمل وذلك يلزمه الأداء كما تحمل، ولا يتأتى ذلك إلا بحفظه والثبات على ذلك إلى أن يؤدي‏.‏ ثم الأداء إنما يكون مقبولا منه باعتبار معنى الصدق فيه وذلك لا يتأتى إلا بهذا، ولهذا لم يجوز أبو حنيفة رضي الله عنه أداء الشهادة لمن عرف خطه في الصك ولا يتذكر الحادثة لانه غير ضابط لما تحمل وبدون الضبط لا يجوز له أداء الشهادة‏.‏ ثم الضبط نوعان‏:‏ ظاهر، وباطن‏.‏ فالظاهر منه بمعرفة صيغة المسموع والوقوف على معناه لغة، والباطن منه بالوقوف على معنى الصيغة فيما يبتنى عليه أحكام الشرع وهو الفقه، وذلك لا يتأتى إلا بالتجربة والتأمل بعد معرفة معاني اللغة وأصول أحكام الشرع، ولهذا لم تقبل رواية من اشتدت غفلته إما خلقة أو مسامحة ومجازفة، لان الضبط ظاهرا لا يتم منه عادة، وما يكون شرطا يراعي وجوده بصفة الكمال، ولهذا لم يثبت السلف المعارضة بين رواية من لم يعرف بالفقه ورواية من عرف بالفقه لانعدام الضبط باطنا ممن لم يعرف بالفقه، على ما يروى عن عمرو بن دينار أن جابر بن زيد أبا الشعثاء، روى له عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم، قال عمرو فقلت لجابر‏:‏ إن ابن شهاب أخبرني عن يزيد بن الاصم أن النبي عليه السلام تزوجها وهو حلال‏.‏ فقال‏:‏ إنها كانت خالة ابن عباس وهو أعلم بحالها‏.‏ فقلت‏:‏ وقد كانت خالة يزيد بن الاصم أيضا‏.‏ فقال‏:‏ أنى يجعل يزيد بن الاصم بوال على عقبه إلى ابن عباس ‏!‏ فدل أن رواية غير الفقيه لا تكون معارضة لرواية الفقيه، وهذا الترجيح ليس إلا باعتبار تمام الضبط من الفقيه، وكأن المعنى فيه أن نقل الخبر بالمعنى كان مشهورا فيهم، فمن لا يكون معروفا بالفقه ربما يقصر في أداء المعنى بلفظه بناء على فهمه، ويؤمن مثل ذلك من الفقيه، ولهذا قلنا إن المحافظة على اللفظ في زماننا أولى من الرواية بالمعنى لتفاوت ظاهر بين الناس في فهم المعنى‏.‏ فإن قيل‏:‏ كيف يستقيم هذا ونقل القرآن صحيح ممن لا يفهم معناه‏؟‏ قلنا‏:‏ أصل النقل في القرآن من أئمة الهدى الذين كانوا خير الورى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما نقلوا بعد تمام الضبط، ثم من بعدهم إنما ينقل بعد جهد شديد يكون منه في التعلم والحفظ واستدامة القراءة، ولو وجد مثل ذلك في الخبر لكنا نجوز نقله أيضا، مع أن الله تعالى وعد حفظ القرآن عن تحريف المبطلين بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون‏}‏ وبهذا النص عرفنا انقطاع طمع الملحدين عن القرآن فصححنا النقل فيه ممن يكون ضابطا له ظاهرا وإن كان لا يعرف معناه، ومثل ذلك لا يوجد في الأخبار فكان تمام الضبط فيها بما قلنا‏.‏ مع أن هناك يتعلق بالنظم أحكام‏:‏ منها حرمة القراءة على الجنب والحائض، وجواز الصلاة بها في قول بعض العلماء، وكون النظم معجزا‏.‏ فأما في الأخبار المعتبر هو المعنى المراد بالكلام، فتمام الضبط إنما يكون بالوقوف على ما هو المراد، ولهذا قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله‏:‏ لا تجوز الشهادة على الكتاب والختم إذا لم يعرف الشاهد ما في باطن الكتاب، لان الضبط في الشهادة شرط للاداء والمقصود ما في باطن الكتاب لا عين الكتاب فلا يتم ضبطه إلا بمعرفة ذلك، ولهذا استحب المتقدمون من السلف تقليل الرواية، ومن كان أكرمهم وأدوم صحبة وهو الصديق رضي الله عنه كان أقلهم رواية، حتى روي عنه أنه قال‏:‏ إذا سئلتم عن شئ فلا ترووا ولكن ردوا الناس إلى كتاب الله تعالى‏.‏ وقال عمر رضي الله عنه‏:‏ أقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شريككم‏.‏ ولما قيل ل‍ زيد بن أرقم ألا تروي لنا عن رسول الله عليه السلام شيئا فقال‏:‏ قد كبرنا ونسينا والرواية عن رسول الله شديد‏.‏ وقال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ كنا نحفظ الحديث والحديث يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما إذا ركبتم الصعب والذلول فهيهات ‏!‏ فقد جمع أهل الحديث في هذا الباب آثارا كثيرة ولاجلها قلت رواية أبي حنيفة رضي الله عنه حتى قال بعض الطاعنين إنه كان لا يعرف الحديث‏.‏ ولم يكن على ما ظن، بل كان أعلم أهل عصره بالحديث، ولكن لمراعاة شرط كمال الضبط قلت روايته‏.‏ وبيان هذا أن الإنسان قد ينتهي إلى مجلس وقد مضى صدر من الكلام فيخفي على المتكلم حاله لتوقفه على ما مضى من كلامه مما يكون بعده بناء عليه، فقلما يتم ضبط هذا السامع لمعنى ما يسمع بعد ما فاته أول الكلام، ولا يجد في تأمل ذلك أيضا، لانه لا يرى نفسه أهلا بأن يؤخذ الدين عنه، ثم يكون من قضاء الله تعالى أن يصير صدرا يرجع إليه في معرفة أحكام الدين، فإذا لم يتم ضبطه في الابتداء لم ينبغ له أن يجازف في الرواية، وإنما ينبغي أن يشتغل بما وجد منه الجهد التام في ضبطه فيستدل بكثرة الرواية ممن كان حاله في الابتداء بهذه الصفة على قلة المبالاة، ولهذا ذم السلف الصالح كثرة الرواية، وهذا معنى معتبر في الروايات والشهادات جميعا، ألا ترى أن من اشتهر في الناس بخصلة دالة على قلة المبالاة من قضاء الحاجة بمرأى العين من الناس أو الاكل في الاسواق يتوقف في شهادته‏.‏ فهذا بيان تفسير الضبط‏.‏ وأما العدالة‏:‏ فهي الاستقامة‏.‏ يقال‏:‏ فلان عادل إذا كان مستقيم السيرة في الانصاف والحكم بالحق‏.‏ وطريق عادل، سمي به الجادة، وضده الجور‏.‏ ومنه يقال‏:‏ طريق جائر إذا كان من البنيات‏.‏ ثم العدالة نوعان‏:‏ ظاهرة، وباطنة‏.‏ فالظاهرة تثبت بالدين والعقل على معنى أن من أصابها فهو عدل ظاهرا، لانهما يحملانه على الاستقامة ويدعوانه إلى ذلك‏.‏ والباطنة لا تعرف إلا بالنظر في معاملات المرء، ولا يمكن الوقوف على نهاية ذلك لتفاوت بين الناس فيهما، ولكن كل من كان ممتنعا من ارتكاب ما يعتقد الحرمة فيه فهو على طريق الاستقامة في حدود الدين‏.‏ وعلى هذه العدالة نبني حكم رواية الخبر في كونه حجة، لان ما تثبت به العدالة الظاهرة بعارضة هوى النفس والشهوة الذي تصده عن الثبات على طريق الاستقامة، فإن الهوى أصل فيه سابق على إصابة العقل، ولا يزايله بعدما رزق العقل، وبعدما اجتمعا فيه يكون عدلا من وجه دون وجه، فيكون حاله كحال الصبي العاقل والمعتوه الذي يعقل من جملة العقلاء، وقد بينا أن المطلق يقتضي الكامل، فعرفنا أن العدل مطلقا من يترجح أمر دينه على هواه، ويكون ممتنعا بقوة الدين عما يعتقد الحرمة فيه من الشهوات، ولهذا قال في كتاب الشهادات‏:‏ إن من ارتكب كبيرة فإنه لا يكون عدلا في الشهادة، وفيما دون الكبيرة من المعاصي إن أصر على ارتكاب شئ لم يكن مقبول الشهادة‏.‏ وكان ينبغي أن لا يكون مقبول الشهادة أصر أو لم يصر، لانه فاسق بخروجه عن الحد المحدود له شرعا، والفاسق لا يكون عدلا في الشهادة، إلا أن في القول بهذا سد الباب أصلا فغير المعصوم لا يتحقق منه التحرز عن الزلات أجمع، لان لله تعالى على العباد في كل لحظة أمرا ونهيا يتعذر عليهم القيام بحقهما، ولكن التحرز عن الاصرار بالندم والرجوع عنه غير متعذر، والحرج مدفوع، وليس في التحرز عن ارتكاب الكبائر الموجبة للحد معنى الحرج، فلهذا بنينا حكم العدالة على التحرز المتأتي عما يعتقد الحرمة فيه، ولهذا قلنا صاحب الهوى إذا كان ممتنعا عما يعتقد الحرمة فيه فهو مقبول الشهادة وإن كان فاسقا في اعتقاده ضالا، لانه بسبب الغلو في طلب الحجة والتعمق في اتباعه أخطأ الطريق فضل عن سواء السبيل، وشدة اتباع الحجة لا تمكن تهمة الكذب في شهادته وإن أخطأ الطريق، وكذلك الكافر من أهل الشهادة إذا كان عدلا في تعاطيه بأن كان منزجرا عما يعتقد الحرمة فيه، إلا أنه غير مقبول الشهادة على المسلمين لاجل عداوة ظاهرة تحمله على التقول عليه، وهي عداوة بسبب باطل فتكون مبطلة للشهادة، ولهذا قلنا‏:‏ الرق والانوثة والعمى لا تقدح في العدالة أصلا وإن كانت تمنع من قبول الشهادة أو تمكن نقصانا فيها، لانه لا تأثير لهذه المعاني في الحمل على ارتكاب ما يعتقد الحرمة فيه والعدالة تبتنى على ذلك، ولهذا لم يجعل الفاسق والمستور عدلا مطلقا في حكم الشهادة حتى لا يجوز القضاء بشهادة الفاسق وإن كان لو قضى به القاضي نفذ، ولا يجب القضاء بشهادة المستور قبل ظهور حاله‏.‏ وقال الشافعي رحمه الله‏:‏ ولما لم يكن خبر الفاسق والمستور حجة فخبر المجهول أحرى أن لا يكون حجة‏.‏ وقلنا نحن‏:‏ المجهول من القرون الثلاثة عدل بتعديل صاحب الشرع إياه ما لم يتبين منه ما يزيل عدالته، فيكون خبره حجة على الوجه الذي قررنا‏.‏ وأما الإسلام‏:‏ فهو عبارة عن شريعتنا، وهو نوعان أيضا‏:‏ ظاهر، وباطن فالظاهر يكون بالميلاد بين المسلمين والنشوء على طريقتها شهادة وعبادة‏.‏ والباطن يكون بالتصديق والاقرار بالله كما هو بصفاته وأسمائه والاقرار بملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والقدر خيره وشره من الله تعالى وقبول أحكامه وشرائعه‏.‏ فمن استوصف فوصف ذلك كله فهو مسلم حقيقة، وكذلك إن كان معتقدا لذلك كله‏.‏ فقبل أن يستوصف هو مؤمن فيما بينه وبين ربه حقيقة‏.‏ وقال في الجامع الكبير‏:‏ إذا بلغت المرأة فاستوصفت الإسلام فلم تصف فإنها تبين من زوجها‏.‏ وقد كنا حكمنا بصحة النكاح بظاهر إسلامها ثم يحكم بفساد النكاح حين لم تحسن أن تصف وجعل ذلك ردة منها‏.‏ وقد استقصى بعض مشايخنا في هذا فقالوا‏:‏ ذكر الوصف على سبيل الاجمال لا يكفي ما لم يكن عالما بحقيقة ما يذكر، لان حفظ الفقه غير حفظ المعنى، ألا ترى أن من يذكر أن محمدا رسول الله ولا يعرف من هو لا يكون مؤمنا به، فإن النصارى يزعمون أنهم يؤمنون بعيسى وعندهم أنه ولد الله فلا يكون ذلك منهم معرفة لعيسى الذي هو عبد الله ورسوله‏.‏ ولكنا نقول‏:‏ في المصير إلى هذا الاستقصاء حرج بين، فالناس يتفاوتون في ذلك تفاوتا ظاهرا، وأكثرهم لا يقدرون على بيان تفسير صفات الله تعالى وأسمائه على الحقيقة، ولكن ذكر الاوصاف على الاجمال يكفي لثبوت الايمان حقيقة، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن الناس بذلك حتى قال للاعرابي الذي شهد برؤية الهلال‏:‏ أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله‏؟‏ فقال‏:‏ نعم‏.‏ فقال‏:‏ الله أكبر يكفي المسلمين أحدهم ولما سأله جبريل عن الايمان والإسلام لاجل تعليم الناس معالم الدين بين ذلك على سبيل الاجمال‏.‏ وكتاب الله يشهد بذلك، قال تعالى‏:‏ ‏{‏فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن‏}‏ وقد كان هذا الامتحان من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين بالاستيصاف على الاجمال، وهذا لان المطلق عند الاستيصاف يكون محمولا على الكامل كما هو الاصل، وقد يعجز المرء عن إظهار ما يعتقده بعبارته فينبغي أن يكون الاستيصاف بذكر ذلك على وجه استفهام المخاطب أنه هل يعتقد كذا وكذا، فإذا قال نعم كان مؤمنا حقيقة، وإن كان قال لا أعرف ما تقول أو لا أعتقد ذلك فحينئذ يحكم بكفره، وكذلك من ظهر منه أمارات المعرفة نحو أداء الصلاة بالجماعة مع المسلمين، فإن ذلك يقوم مقام الوصف في الحكم بإيمانه مطلقا، قال عليه السلام‏:‏ إذا رأيتم الرجل يعتاد الجماعات فاشهدوا له بالايمان ولا يختلف ما ذكرنا بالرق والحرية والذكورة والانوثة والعمى والبصر، فلهذا جعلنا خبر هؤلاء في كونه حجة في الأحكام الشرعية بصفة واحدة، لان الشرائط التي يبتنى عليها وجوب قبول الخبر يتحقق في الكل‏.‏ أما العبد فلا شك في استجماع هذه الشرائط فيه وإن لم يكن من أهل الشهادة لان الاهلية للشهادة تبتنى على الاهلية للولاية على الغير والرق ينفي هذه الولاية، وهذا لان الشهادة تنفيذ القول على الغير وذلك ينعدم في الخبر من وجهين‏:‏ أحدهما أن المخبر لا يلزم أحدا شيئا ولكن السامع إنما يلتزم باعتقاده أن المخبر عنه مفترض الطاعة ‏(‏فإذا ترجح جانب الصدق في خبر المخبر ضاهى ذلك المسموع ممن هو مفترض الطاعة‏)‏ في اعتقاده فيلزمه العمل باعتبار اعتقاده، كالقاضي يلزمه القضاء بالشهادة بتقلده هذه الامانة لا بإلزام الشاهد إياه، فإن كلام الشاهد يلزم المشهود عليه دون القاضي‏.‏ وبيان هذا أن قوله عليه السلام‏:‏ لا صلاة إلا بقراءة ليس في ظاهره إلزام أحد شيئا بل بيان صفة تتأدى به الصلاة إذا أرادها، بمنزلة قول القائل لا خياطة إلا بالابرة‏.‏ والثاني أن المخبر يلتزم أولا ثم يتعدى حكم اللزوم إلى غيره من السامعين، فأما الشاهد فإنه يلزم غيره ابتداء، ولهذا جعلنا العبد بمنزلة الحر في الشهادة التي يكون فيها التزام على الوجه الذي يكون في الخبر وهو الشهادة على رؤية هلال رمضان‏.‏ ثم قد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجيب دعوة المملوك فدل أنه كان يعتمد خبره بأن مولاه أذن له‏.‏ وسلمان رضي الله عنه حين كان عبدا أتاه بصدقة فاعتمد خبره وأمر أصحابه بالاكل، ثم أتاه بهدية فاعتمد خبره وأكل منه‏.‏ وكان يعتمد خبر بريرة رضي الله عنها قبل أن تعتق وبعد عتقها، فدل أن المملوك في حكم قبول الخبر كالحر وأن الانثى في ذلك كالذكر وإن تفاوتا في حكم الشهادة، لانه يشترط العدد في النساء لثبوت معنى الشهادة، وفي باب الخبر العدد ليس بشرط فكما فارق الشهادة الخبر في اشتراط أصل العدد فكذلك في اشتراط العدد في النساء، ألا ترى أن الصحابة كانوا يرجعون إلى أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يشكل عليهم من أمر الدين فيعتمدون خبرهن‏.‏ وقال رسول الله عليه السلام تأخذون ثلثي دينكم من عائشة وأما العمى فإنه لا يؤثر في الخبر لانه لا يقدح في العدالة، ألا ترى أنه قد كان في الرسل من ابتلي بذلك كشعيب ويعقوب، وكان في الصحابة من ابتلي به كابن أم مكتوم وعتبان بن مالك رضي الله عنهما، وفيهم من كف بصره كابن عباس وابن عمر وجابر وواثلة بن الاسقع رضي الله عنهم، والأخبار المروية عنهم مقبولة، ولم يشتغل أحد بطلب التاريخ في ذلك أنهم رووا في حالة البصر أم بعد العمى، وهذا بخلاف الشهادة فإن شهادتهم إنما لا تقبل لحاجة الشاهد إلى تمييز بين المشهود له والمشهود عليه عند الأداء وهذا التمييز من البصير يكون بالمعاينة، ومن الاعمى بالاستدلال وبينهما تفاوت يمكن التحرز عنه في جنس الشهود، وفي رواية الخبر لا حاجة إلى هذا التمييز فكان الاعمى والبصير فيه سواء والمحدود في القذف بعد التوبة في رواية الخبر كغيره في ظاهر المذهب، فإن أبا بكرة رضي الله عنه مقبول الخبر ولم يشتغل أحد بطلب التاريخ في خبره أنه روى بعدما أقيم عليه الحد أم قبله، بخلاف الشهادة فإن رد شهادته من تمام حده ثبت ذلك بالنص، ورواية الخبر ليست في معنى الشهادة، ألا ترى أنه لا شهادة للنساء في الحدود أصلا، وروايتهن في باب الحدود كرواية الرجال، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة رضي الله عنهما أنه لا يكون المحدود في القذف مقبول الرواية لانه محكوم بكذبه بالنص، قال تعالى‏:‏ ‏{‏فأولئك عند الله هم الكاذبون‏}‏ والمحكوم بالكذب فيما يرجع إلى التعاطي لا يكون عدلا، ومن شرط كون الخبر حجة العدالة مطلقا كما بينا‏.‏

فصل‏:‏ في بيان ضبط المتن والنقل بالمعنى

قال بعض أهل الحديث‏:‏ مراعاة اللفظ في الرواية واجب على وجه لا يجوز النقل بالمعنى من غير مراعاة اللفظ بحال، وذلك منقول عن ابن سيرين‏.‏ قال بعض أهل النظر‏:‏ قول الصحابي على سبيل الحكاية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله لا يكون حجة بل يجب طلب لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الباب حتى يصح الاحتجاج به، وهذا قول مهجور‏.‏ وقال جمهور العلماء مراعاة اللفظ في النقل أولى، ويجوز النقل بالمعنى بعد حسن الضبط على تفصيل نذكره في آخر الفصل‏.‏ وقد نقل ذلك عن الحسن والشعبي والنخعي‏.‏ فأما من لم يجوز ذلك استدل بقوله عليه السلام‏:‏ نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه فقد أمر بمراعاة اللفظ في النقل، وبين المعنى فيه وهو تفاوت الناس في الفقه والفهم، واعتبار هذا المعنى يوجب الحجر عاما عن تبديل اللفظ بلفظ آخر، وهذا لان النبي صلى الله عليه وسلم أوتي من جوامع الكلم والفصاحة في البيان ما هو نهاية لا يدركه فيه غيره، ففي التبديل بعبارة أخرى لا يؤمن التحريف أو الزيادة والنقصان فيما كان مرادا له‏.‏ وحجتنا في ذلك ما اشتهر من قول الصحابة‏:‏ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا ونهانا عن كذا، ولا يمتنع أحد من قبول ذلك إلا من هو متعنت‏.‏ وروينا عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان إذا روى حديثا قال‏:‏ نحو هذا أو قريبا منه أو كلاما هذا معناه، وكان أنس رضي الله عنه إذا روى حديثا قال في آخره أو كما قال رسول الله عليه السلام، فدل أن النقل بالمعنى كان مشهورا فيهم، وكذلك العلماء بعدهم يذكرون في تصانيفهم‏:‏ بلغنا نحوا من ذلك‏.‏ وهذا لان نظم الحديث ليس بمعجز والمطلوب منه ما يتعلق بمعناه وهو الحكم من غير أن يكون له تعلق بصورة النظم، وقد علمنا أن الأمر بالتبليغ لما هو المقصود به فإذا كمل ذلك بالنقل بالمعنى كان ممتثلا لما أمر به من النقل لا مرتكبا للحرام، وإنما يعتبر النظم في نقل القرآن لانه معجز مع أنه قد ثبت أيضا فيه نوع رخصة ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما أشار إليه في قوله‏:‏ أنزل القرآن على سبعة أحرف إلا أن في ذلك رخصة من حيث الاسقاط، وهذا من حيث التخفيف والتيسير، ومعنى الرخصة يتحقق بالطريقين كما تقدم بيانه‏.‏ إذا عرفنا هذا فنقول‏:‏ الخبر إما أن يكون محكما له معنى واحد معلوم بظاهر المتن، أو يكون ظاهرا معلوم المعنى بظاهره على احتمال شئ آخر كالعام الذي يحتمل الخصوص والحقيقة التي تحتمل المجاز، أو يكون مشكلا، أو يكون مشتركا يعرف المراد بالتأويل، أو يكون مجملا لا يعرف المراد به إلا ببيان، أو يكون متشابها، أو يكون من جوامع الكلم‏.‏ فأما المحكم يجوز نقله بالمعنى لكل من كان عالما بوجوه اللغة، لان المراد به معلوم حقيقة، وإذا كساه العالم باللغة عبارة أخرى لا يتمكن فيه تهمة الزيادة والنقصان‏.‏ فأما الظاهر فلا يجوز نقله بالمعنى إلا لمن جمع إلى العلم باللغة العلم بفقه الشريعة، لانه إذا لم يكن عالما بذلك لم يؤمن إذا كساه عبارة أخرى أن لا تكون تلك العبارة في احتمال الخصوص والمجاز مثل العبارة الاولى، وإن كان ذلك هو المراد به، ولعل العبارة التي يروي بها تكون أعم من تلك العبارة لجهله بالفرق بين الخاص والعام، فإذا كان عالما بفقه الشريعة يقع الامن عن هذا التقصير منه عند تغيير العبارة فيجوز له النقل بالمعنى كما كان يفعله الحسن والنخعي والشعبي رحمهم الله‏.‏ فأما المشكل والمشترك لا يجوز فيهما النقل بالمعنى أصلا، لان المراد بهما لا يعرف إلا بالتأويل، والتأويل يكون بنوع من الرأي كالقياس فلا يكون حجة على غيره‏.‏ وأما المجمل فلا يتصور فيه النقل بالمعنى لانه لا يوقف على المعنى فيه إلا بدليل آخر، والمتشابه كذلك لانا ابتلينا بالكف عن طلب المعنى فيه فكيف يتصور نقله بالمعنى‏.‏ وأما ما يكون من جوامع الكلم كقوله عليه السلام‏:‏ الخراج بالضمان وقوله عليه السلام‏:‏ العجماء جبار وما أشبه ذلك فقد جوز بعض مشايخنا نقله بالمعنى على الشرط الذي ذكرنا في الظاهر‏.‏ قال رضي الله عنه‏:‏ والاصح عندي أنه لا يجوز ذلك لان النبي عليه السلام كان مخصوصا بهذا النظم على ما روي أنه قال‏:‏ أوتيت جوامع الكلم أي خصصت بذلك فلا يقدر أحد بعده على ما كان هو مخصوصا به، ولكن كل مكلف بما في وسعه، وفي وسعه نقل ذلك اللفظ ليكون مؤديا إلى غيره ما سمعه منه بيقين، وإذا نقله إلى عبارته لم يؤمن القصور في المعنى المطلوب به ويتيقن بالقصور في النظم الذي هو من جوامع الكلم، وكان هذا النوع هو مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله‏:‏ ثم أداها كما سمعها‏.‏

فصل‏:‏ في بيان الضبط بالكتابة والخط

قال رضي الله عنه‏:‏ اعلم بأن الكتابة نوعان‏:‏ تذكرة، وإمام‏.‏ فالتذكرة هو أن ينظر في المكتوب فيتذكر به ما كان مسموعا له، والنقل بهذا الطريق جائز سواء كان مكتوبا بخطه أو بخط غيره، وذلك الخط معروف أو مجهول، لانه إنما ينقل ما يحفظ غير أن النظر في الكتاب كان مذكرا له فلا يكون دون التفكر، ولو تفكر فتذكر جاز له أن يروي ويكون خبره حجة فكذلك إذا نظر في الكتاب فتذكر، ولهذا المقصود ندب إلى الكتاب على ما جاء في الحديث‏:‏ قيدوا العلم بالكتاب وقال إبراهيم‏:‏ كانوا يأخذون العلم حفظا ثم أبيح لهم الكتابة لما حدث بهم من الكسل، ولان النسيان مركب في الإنسان لا يمكنه أن يحفظ نفسه منه إلا ما كان خاصا لرسول الله عليه السلام بقوله‏:‏ سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله ولهذا الاستثناء وقع لرسول الله عليه السلام تردد في قراءته سورة المؤمنين في صلاة الفجر حتى قال لابي رضي الله عنه‏:‏ ‏(‏هلا ذكرتني‏)‏ فثبت أن النسيان مما لا يستطاع الامتناع منه إلا بحرج بين والحرج مدفوع، وبعد النسيان النظر في الكتاب طريق للتذكر والعود إلى ما كان عليه من الحفظ، وإذا عاد كما كان فالرواية تكون عن ضبط تام‏.‏ وأما النوع الثاني فهو أن لا يتذكر عند النظر ولكنه يعتمد الخط، وذلك يكون في فصول ثلاثة‏:‏ رواية الحديث، والقاضي يجد في خريطته سجلا مخطوطا بخطه من غير أن يتذكر الحادثة، والشاهد يرى خطه في الصك ولا يتذكر الحادثة‏.‏ فأبو حنيفة رحمه الله أخذ في الفصول الثلاثة بما هو العزيمة وقال لا يجوز له أن يعتمد الكتاب ما لم يتذكر، لان النظر في الكتاب لمعرفة القلب كالنظر في المرآة للرؤية بالعين، ثم النظر في المرآة إذا لم تفده إدراكا لا يكون معتبرا، فالنظر في الكتاب إذا لم يفده تذكرا يكون هدرا، وهذا لان الرواية والشهادة وتنفيذ القضاء لا يكون إلا بعلم والخط يشبه الخط فبصورة الخط لا يستفيد علما من غير التذكر، وما كان الفساد في سائر الاديان إلا بالاعتماد على الصور بدون المعنى‏.‏ وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف رحمهما الله أن في السجل ورواية الاثر يجوز له أن يعتمد الخط وإن لم يتذكر به وفي الصك لا يجوز له ذلك‏.‏ وروى ابن رستم عن محمد رحمهما الله أن ذلك جائز في الفصول كلها، وما ذهبنا إليه رخصة للتيسير على الناس‏.‏ ثم هذه الرخصة تتنوع أنواعا‏:‏ إما أن يكون الكتاب بخطه، أو بخط رجل معروف ثقة موقع بتوقيعه، أو بخط رجل معروف غير ثقة أو غير موقع، أو بخط مجهول أما أبو يوسف رحمه الله فقال‏:‏ السجل يكون في خريطة القاضي مختوما بختمه وكان في يده أيضا فباعتبار الظاهر يؤمن فيه التزوير والتبديل بالزيادة والنقصان، والقاضي مأمور باتباع الظاهر في القضاء فله أن يعتمد السجل في ذلك، وكذلك كتاب المحدث إذا كان في يده، وإن لم يكن السجل في يد القاضي فليس له أن يعتمده لان التزوير والتغيير فيه عادة لما يبتنى عليه من المظالم والخصومات، ومثله في كتاب الحديث ليس بعادة فلا فرق فيه بين أن يكون في يده أو في يد أمين آخر لم يظهر منه خيانة في مثله، وأما الصك فيكون بيد الخصم فلا يقع الامن فيه عن التغيير والتزوير، حتى إذا كان في يد الشاهد كان الجواب فيه مثل الجواب في السجل‏.‏ والحاصل أنه بنى هذه الرخصة على ما يوقع الامن عن التغيير والتعديل عادة، ومحمد رحمه الله أثبت الرخصة في الصك أيضا وإن لم يكن في يده إذا علم أن المكتوب خطه على وجه لا يبقى فيه شبهة له، لان الباقي بعد ذلك توهم التغيير وله أثر بين يوقف عليه، فإذا لم يظهر ذلك فيه جاز اعتماده، فأما إذا وجد الكتاب بخط بين وهو معلوم عنده أو بخط رجل معروف موثق به فإنه يجوز له أن يقول وجدت بخط فلان كذا لا يزيد على ذلك، ثم إن كان ذلك الخط منفردا ليس معه شئ آخر فإنه لا يكون حجة، وإن كان معه غيره فذلك يوقع الامن عن التزوير بطريق العادة فيجوز اعتماده على وجه الرخصة ‏(‏وهذا في الأخبار خاصة‏)‏ فأما في الشهادة والقضاء فلا، لان ذلك من مظالم العباد يعتبر فيه من الاستقصاء ما لا يعتبر في رواية الأخبار واشتراط العلم فيه منصوص عليه، قال تعالى‏:‏ ‏{‏إلا من شهد بالحق وهم يعلمون‏}‏ وقال عليه السلام للشاهد‏:‏ إذا رأيت مثل هذا الشمس فاشهد وإلا فدع‏.‏