فصل: فصل: في بيان شرائع من قبلنا

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أصول السرخسي ***


فصل‏:‏ في بيان شرائع من قبلنا

اختلف العلماء في هذا الفصل على أقاويل‏.‏ فمنهم من قال‏:‏ ما كان شريعة لنبي فهو باق أبدا حتى يقوم دليل النسخ فيه وكل من يأتي فعليه أن يعمل به على أنه شريعة ذلك النبي عليه السلام ما لم يظهر ناسخه‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ شريعة كل نبي تنتهي ببعث نبي آخر بعده حتى لا يعمل به إلا أن يقوم الدليل على بقائه وذلك ببيان من النبي المبعوث بعده‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ شرائع من قبلنا يلزمنا العمل به على أن ذلك شريعة لنبينا عليه السلام فيما لم يظهر دليل النسخ فيه، ولا يفصلون بين ما يصير معلوما من شرائع من قبلنا بنقل أهل الكتاب أو برواية المسلمين عما في أيديهم من الكتاب وبين ما ثبت من ذلك ببيان في القرآن أو السنة‏.‏ وأصح الاقاويل عندنا أن ما ثبت بكتاب الله أنه كان شريعة من قبلنا أو ببيان من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن علينا العمل به على أنه شريعة لنبينا عليه السلام ما لم يظهر ناسخه، فأما ما علم بنقل أهل الكتاب أو بفهم المسلمين من كتبهم فإنه لا يجب اتباعه لقيام دليل موجب للعلم على أنهم حرفوا الكتب، فلا يعتبر نقلهم في ذلك لتوهم أن المنقول من جملة ما حرفوا، ولا يعتبر فهم المسلمين ذلك مما في أيديهم من الكتب لجواز أن يكون ذلك من جملة ما غيروا وبدلوا‏.‏ والدليل على أن المذهب هذا أن محمدا قد استدل في كتاب الشرب على جواز القسمة بطريق المهايأة في الشرب بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ونبئهم أن الماء قسمة بينهم‏}‏ وبقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم‏}‏ وإنما أخبر الله تعالى ذلك عن صالح عليه السلام، ومعلوم أنه ما استدل به إلا بعد اعتقاده بقاء ذلك الحكم شريعة لنبينا عليه السلام‏.‏ واستدل أبو يوسف على جريان القصاص بين الذكر والانثى بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس‏}‏ وبه كان يستدل الكرخي على جريان القصاص بين الحر والعبد والمسلم والذمي، والشافعي في هذا لا يخالفنا، وقد استدل برجم النبي صلى الله عليه وسلم اليهوديين بحكم التوراة، كما نص عليه بقوله أنا أحق من أحيا سنة أماتوها على وجوب الرجم على أهل الكتاب وعلى أن ذلك صار شريعة لنبينا‏.‏ ونحن لا ننكر ذلك أيضا ولكنا ندعي انتساخ ذلك بطريق زيادة شرط الاحصان لايجاب الرجم في شريعتنا، ولمثل هذه الزيادة حكم النسخ عندنا‏.‏ وبين المتكلمين اختلاف في أن النبي عليه السلام قبل نزول الوحي ‏(‏عليه‏)‏ هل كان متعبدا بشريعة من قبله‏؟‏ فمنهم من أبى ذلك، ومنهم من توقف فيه، ومنهم من قال كان متعبدا بذلك، ولكن موضع بيان هذا الفصل أصول التوحيد، فإنا نذكر ههنا ما يتصل بأصول الفقه‏.‏ فأما الفريق الأول قالوا‏:‏ صفة الاطلاق في الشئ يقتضي التأبيد فيه إذا كان محتملا للتأبيد، فالتوقيت يكون زيادة فيه لا يجوز إثباته إلا بالدليل، ثم الرسول الذي كان الحكم شريعة له لم يخرج من أن يكون رسولا برسول آخر بعث بعده، فكذلك شريعته لا تخرج من أن تكون معمولا بها وإن بعث بعده رسول آخر ما لم يقم دليل النسخ فيه، ألا ترى أن علينا الاقرار بالرسل كلهم، وإلى ذلك وقعت الاشارة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله‏}‏ فكذلك ما ثبت شريعة لرسول فما لم يظهر ناسخه فهو بمنزلة ما ليس فيه احتمال النسخ في كونه باقيا معمولا به، يوضحه أن ما ثبت شريعة لرسول فقد ثبتت الحقية فيه وكونه مرضيا عند الله، وبعث الرسل لبيان ما هو مرضي عند الله فما علم كونه مرضيا قبل بعث رسول آخر لا يخرج من أن يكون مرضيا ببعث رسول آخر، وإذا بقي مرضيا كان معمولا به كما كان قبل بعث الرسول الثاني، وبهذا تبين الفرق أن الأصل هو الموافقة في شرائع الرسل إلا أذا تبين تغيير حكم بدليل النسخ‏.‏ فأما الفريق الثاني فقد استدلوا بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا‏}‏ وبقوله‏:‏ ‏{‏وجعلناه هدى لبني إسرائيل‏}‏ فتخصيص بني إسرائيل يكون التوراة هدى لهم يكون دليلا على أنه لا يلزمنا العمل بما فيه إلا أن يقوم دليل يوجب العمل به في شريعتنا، ولأن بعث الرسل لبيان ما بالناس حاجة إلى بيانه، وإذا لم تجعل شريعة رسول منتهية ببعث رسول آخر لم يكن بالناس حاجة إلى البيان عند بعث الثاني، لأن ذلك مبين عندهم بالطريق الموجب للعلم، فمن هذا الوجه يتبين أن بعث رسول آخر دليل النسخ لشريعة كانت قبله، ولهذا جعلنا هذا كالنسخ فيما يحتمل النسخ دون ما لا يحتمل النسخ أصلا كالتوحيد وأصل الدين، ألا ترى أن الرسل عليهم السلام ما اختلفوا في شئ من ذلك أصلا ولا وصفا ولا يجوز أن يكون بينهم فيه خلاف، ولهذا انقطع القول ببقاء شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة لعلمنا بدليل مقطوع به أنه لا نبي بعده حتى يكون ناسخا لشريعته، يوضحه أن الأنبياء عليهم السلام قبل نبينا أكثرهم إنما بعثوا إلى قوم مخصوصين ورسولنا هو المبعوث إلى الناس كافة على ما قال عليه السلام‏:‏ أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي‏:‏ بعثت إلى الاحمر والاسود، وقد كان النبي قبلي يبعث إلى قومه الحديث، فإذا ثبت أنه قد كان في المرسلين من يكون وجوب العمل بشريعته على أهل مكان دون أهل مكان آخر وإن كان ذلك مرضيا عند الله تعالى علمنا أنه يجوز أن يكون وجوب العمل به على أهل زمان دون أهل زمان آخر وإن كان ‏(‏ذلك‏)‏ منتهيا ببعث نبي آخر وقد كان يجوز اجتماع نبيين في ذلك الوقت في مكانين على أن يدعو كل واحد منهما إلى شريعته، فعرفنا أنه يجوز مثل ذلك في زمانين وأن المبعوث آخرا يدعو إلى العمل بشريعته ويأمر الناس باتباعه ولا يدعو إلى العمل بشريعة من قبله، فتعين الكلام في نبينا فإنه كان يدعو الناس إلى اتباعه كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فاتبعوني يحببكم الله‏}‏ وإنما يأمر بالعمل بشريعته فلو بقيت شرائع من قبلنا معمولا بها بعد مبعثه لدعا الناس إلى العمل بذلك، ولكان يجب عليه أن يعلم ذلك أصحابه ليتمكنوا من العمل به ولو فعل ذلك لنقل إلينا نقلا مستفيضا والمنقول إلينا منعه إياهم عن ذلك، فإنه روي أنه ‏(‏عليه الصلاة والسلام ‏(‏لما رأى صحيفة في يد عمر سأله عنها فقال‏:‏ هي التوراة‏.‏ فغضب حتى احمرت وجنتاه وقال‏:‏ أمتهوكون كما تهوكت اليهود والنصارى ‏!‏ والله لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي وبهذا اللفظ يتبين أن الرسول المتقدم ببعث رسول آخر يكون كالواحد من أمته في لزوم اتباع شريعته لو كان حيا، وعليه دل كتاب الله كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به‏}‏ فأخذ الميثاق عليهم بذلك من أبين الدلائل على أنهم بمنزلة أمة من بعث آخرا في وجوب اتباعه، وبهذا ظهر شرف نبينا عليه السلام فإنه لا نبي بعده فكان الكل ممن تقدم وممن تأخر في حكم المتبع له وهو بمنزلة القلب يطيعه الرأس ويتبعه الرجل‏.‏ والفريق الثالث استدلوا بهذا الكلام أيضا ولكن بطريق أن ما كان شريعة لمن قبلنا يصير شريعة لنبينا صلى الله عليه وسلم، ومن تقدم في العمل به يكون متبعا له، وفي حكم العامل بشريعته من هذا الوجه، فإن الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏ملة أبيكم إبراهيم‏}‏ وقال تعالى ‏{‏قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم‏}‏ وقال تعالى ‏{‏وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا‏}‏ وما يكون منتهيا منسوخا لا يكون متبعا، فبهذه النصوص يتبين أنه متبع، وأنه ملة إبراهيم فلم يبق طريق سوى أن نقول قد صار ذلك شريعة لنبينا عليه السلام، ويجب على الناس العمل به بطريق أنه شريعة له حتى يقوم دليل نسخه في شريعته، ألا ترى أنه قد اجتمع نبيان في وقت واحد وفي مكان واحد فيمن قبلنا على أن كان أحدهما تبعا للآخر نحو هارون مع موسى، ولوط مع إبراهيم كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فآمن له لوط‏}‏ فكانت الشريعة لاحدهما والآخر نبي مرسل وهو مأمور باتباعه والعمل بشريعته، ولا يجوز القول باجتماع نبيين في وقت واحد ومكان واحد على أن يكون لكل واحد منهما شريعة تخالف شريعة الآخر في وقت من الاوقات‏.‏ واستدلوا على ذلك بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده‏}‏ ومعلوم أن الهدى في أصل الدين وأحكام الشرع جميعا‏.‏ فإن قيل‏:‏ المراد به الامر بالاقتداء بهم في أصل الدين فإنه مبني على ما تقدم من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلما جن عليه الليل‏}‏ إلى قوله ‏{‏وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم‏}‏ إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أولئك الذين هدى الله‏}‏ والدليل عليه أنه قد كان في المذكورين من لم يكن نبيا فإنه قال ‏{‏ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم‏}‏ ومعلوم أن الامر بالاقتداء في أحكام الشرع لا يكون في غير الأنبياء وإنما يكون ذلك في أصل الدين، ولانه قد كان في شرائعهم الناسخ والمنسوخ، فالامر باللاقتداء بهم في الاحكام على الاطلاق يكون آمرا بالعمل بشيئين مختلفين متضادين وذلك غير جائز‏.‏ قلنا‏:‏ في الآية تنصيص على الاقتداء بهداهم وذلك يعم أصل الدين وأحكام الشرع، ألا ترى إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين‏}‏ أنه يدلنا على أن الهدى كل ما يجب الاتقاء فيه وما يكون المهتدي فيه متقيا، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون‏}‏ والحكم إنما يكون بالشرائع، ولما سئل مجاهد عن سجدة ص قال‏:‏ سجدها داود وهو ممن أمر نبيكم بأن يقتدي به، وتلا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فبهداهم اقتده‏}‏ فبهذا تبين أن هذا أمر مبتدأ غير مبني على ما سبق فعمومه يتناول أصل الدين والشرائع جميعا‏.‏ وقوله‏:‏ فيها ناسخ ومنسوخ، قلنا‏:‏ وفي شريعتنا أيضا ناسخ ومنسوخ ثم لم يمنع ذلك إطلاق القول بوجوب الاقتداء علينا برسول الله صلى الله عليه وسلم في شريعته‏.‏ وقوله‏:‏ قد كان فيهم من ليس بنبي، لا كذلك فقد ألحق به من البيان ما يعلم به أن المراد الأنبياء وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم أولئك الذين آتيناهم الكتاب‏}‏ مع أن الامر بالاقتداء يعلم أنه لا يتناول إلا من يعلم أنه مرضي الطريقة، مقتدي به من نبي أو ولي، والأولياء على طريقة الأنبياء عليهم السلام في العمل بشرائعهم، فبهذا يتبين أن المراد هو الامر بالاقتداء بالأنبياء عليهم السلام، ومعلوم أنه ما أمر بالاقتداء بهم في دعاء الناس إلى شريعتهم وإنما أمر بذلك على أن يدعو الناس إلى شريعته، فعرفنا بهذا أن ذلك كله صار شريعة له، بمنزلة الملك ينتقل من المورث إلى الوارث فيكون ذلك الملك بعينه مضافا إلى الوارث بعدما كان مضافا إلى المورث في حياته، وإلى ذلك وقعت الاشارة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا‏}‏ فأما قوله‏:‏ ‏{‏لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا‏}‏ قد عرفنا يقينا أنه ليس المراد به المخالفة في المنهاج في الكل بل ذلك مراد في البعض وهو ما قام الدليل فيه على انتساخه‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏هدى لبني إسرائيل‏}‏ لا يدل على أنه ليس بهدى لغيرهم، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هدى للمتقين‏}‏ والقرآن هدى للناس أجمع، وأيد هذا دعاء رسول الله عليه الصلاة والسلام بالتوراة وطلب حكم الرجم منه للعمل به، وقوله‏:‏ أنا أحق من أحيا سنة أماتوها فإن إحياء سنة أميتت إنما يكون بالعمل بها، فعرفنا أن التوراة هدى لبني إسرائيل ولغيرهم، وأيد جميع ما ذكرنا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه‏}‏ ولا معنى لذلك سوى أن ما فيه يصير شريعة لنبينا بما أنزل عليه من الكتاب إلا ما ثبت نسخه، وهذا هو القول الصحيح عندنا، إلا أنه قد ظهر من أهل الكتاب الحسد وإظهار العداوة مع المسلمين فلا يعتمد قولهم فيما يزعمون أنه من شريعتهم وأن ذلك قد انتقل إليهم بالتواتر، ولا تقبل شهادتهم في ذلك لثبوت كفرهم وضلالهم فلم يبق لثبوت ذلك طريق سوى نزول القرآن به أو بيان الرسول له، فما وجد فيه هذا الطريق فعلينا فيه الاتباع والعمل به حتى يقوم دليل النسخ، وأيد ما ذكرنا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون‏}‏‏.‏ ‏{‏فأولئك هم الظالمون‏}‏ ومعلوم أنهم ما كانوا يمتنعون من العمل بأحكام التوراة وإنما كانوا يمتنعون من العمل به على طريق أنه شريعة رسولنا فإنهم كانوا لا يقرون برسالته وقد سماهم الله كافرين ظالمين ممتنعين من الحكم بما أنزل الله‏.‏ وكذلك قال تعالى‏:‏ ‏{‏وليحكم أهل الانجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون‏}‏ وإنما سماهم فاسقين لتركهم العمل بما في الانجيل على أنه شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، فبهذا يتبين أن ذلك كله قد صار شريعة لنبينا عليه السلام وأنه يجب اتباعه والعمل به على أنه شريعة نبينا‏.‏ وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله‏}‏ تنصيص على أنه معمول به‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏أن أقيموا الدين‏}‏ والدين اسم لكل ما يدان الله به فتدخل الاحكام في ذلك، ويظهر أن ذلك كله قد صار شريعة لنبينا فيجب اتباعه والعمل به إلا ما قام دليل النسخ فيه‏.‏

فصل‏:‏ في تقليد الصحابي

إذا قال قولا ولا يعرف له مخالف حكى أبو عمرو بن دانيكا الطبري عن أبي سعيد البردعي رحمه الله أنه كان يقول‏:‏ قول الواحد من الصحابة مقدم على القياس يترك القياس بقوله، وعلى هذا أدركنا مشايخنا‏.‏ وذكر أبو بكر الرازي عن أبي الحسن الكرخي رحمه الله‏:‏ أنه كان يقول‏:‏ أرى أبا يوسف يقول في بعض مسائله‏:‏ القياس كذا إلا أني تركته للاثر، وذلك الاثر قول واحد من الصحابة‏.‏ فهذه دلالة بينة من مذهبه على تقديم قول الصحابي على القياس‏.‏ قال‏:‏ وأما أنا فلا يعجبني هذا المذهب‏.‏ وهذا الذي ذكره الكرخي عن أبي يوسف موجود في كثير من المسائل عن أصحابنا، فقد قالوا في المضمضة والاستنشاق‏:‏ إنهما سنتان في القياس في الجنابة والوضوء جميعا تركنا القياس لقول ابن عباس وقالوا في الدم إذا ظهر على رأس الجرح ولم يسل فهو ناقض للطهارة في القياس تركناه لقول ابن عباس، وقالوا في الاغماء‏:‏ إذا كان يوما وليلة أو أقل فإنه يمنع قضاء الصلوات في القياس تركناه لفعل عمار بن ياسر رضي الله عنهما، وقالوا في إقرار المريض لوارثه إنه جائز في القياس تركناه لقول ابن عمر رضي الله عنهما‏.‏ وقال‏:‏ أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله فيمن اشترى شيئا على أنه ‏(‏إن‏)‏ لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام فلا بيع بينهما فالعقد فاسد في القياس تركناه لاثر يروى عن ابن عمر‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ إعلام قدر رأس المال فيما يتعلق العقد على قدره شرط لجواز السلم بلغنا نحو ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما، وخالفه أبو يوسف ومحمد بالرأي‏.‏ وقال أبو يوسف ومحمد‏:‏ إذا ضاع العين في يد الاجير المشترك بما يمكن التحرز عنه فهو ضامن لاثر روي فيه عن علي رضي الله عنه‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ لا ضمان عليه، فأخذ بالرأي مع الرواية بخلافه عن علي‏.‏ وقال محمد‏:‏ لا تطلق الحامل أكثر من واحدة للسنة بلغنا ذلك عن ابن مسعود وجابر رضي الله عنهما‏.‏ وقال أبو حنيفة وأبو يوسف بالرأي‏:‏ إنها تطلق ثلاثا للسنة‏.‏ فعرفنا أن عمل علمائنا بهذا في مسائلهم مختلف‏.‏ ول‍ لشافعي في المسألة قولأن كان يقول في القديم‏:‏ يقدم قول الصحابي على القياس، وهو قول مالك، وفي الجديد كان يقول‏:‏ يقدم القياس في العمل به على قول الواحد والاثنين من الصحابة، كما ذهب إليه الكرخي‏.‏ وبعض أهل الحديث يخصون بترك القياس في مقابلة قولهم الخلفاء الراشدين، ويستدلون بقوله عليه السلام عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي وبقوله عليه السلام‏:‏ اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر فظاهر الحديثين يقتضي وجوب اتباعهما وإن خالفهما غيرهما من الصحابة، ولكن يترك هذا الظاهر عند ظهور الخلاف بقيام الدليل، فبقي حال ظهور قولهما من غير مخالف لها على ما يقتضيه الظاهر‏.‏ وأما الكرخي فقد احتج بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاعتبروا يا أولي الابصار‏}‏ والاعتبار هو العمل بالقياس والرأي فيما لا نص فيه، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول‏}‏ يعني إلى الكتاب والسنة، وقد دل عليه حديث معاذ حين قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ بم تقضي‏؟‏ قال‏:‏ بكتاب الله‏.‏ قال‏:‏ فإن لم تجد في كتاب الله‏؟‏ قال‏:‏ بسنة رسول الله‏.‏ قال‏:‏ فإن لم تجد في سنة رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ اجتهد رأيي‏.‏ فقال‏:‏ الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى به رسوله فهذا دليل على أنه ليس بعد الكتاب والسنة شئ يعمل به سوى الرأي‏.‏ قال‏:‏ ولا حجة لكم في قوله عليه السلام‏:‏ أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم لأن المراد الاقتداء بهم في الجري على طريقهم في طلب الصواب في الاحكام لا في تقليدهم وقد كانت طريقتهم العمل بالرأي والاجتهاد، ألا ترى أنه شبههم بالنجوم وإنما يهتدي بالنجم من حيث الاستدلال به على الطريق بما يدل عليه لا أن نفس النجم يوجب ذلك، وهو تأويل قوله‏:‏ اقتدوا بالذين من بعدي وعليكم بسنة الخلفاء من بعدي فإنه إنما يعني سلوك طريقهم في اعتبار الرأي والاجتهاد فيما لا نص فيه، وهذا هو المعنى، فقد ظهر من الصحابة الفتوى بالرأي ظهورا لا يمكن إنكاره، والرأي قد يخطئ فكان فتوى الواحد منهم محتملا مترددا بين الصواب والخطأ، ولا يجوز ترك الرأي بمثله كما لا يترك بقول التابعي، وكما لا يترك أحد المجتهدين في عصر رأيه بقول مجتهد آخر‏.‏ والدليل على أن الخطأ محتمل في فتواهم ما روي أن عمر سئل عن مسألة فأجاب فقال رجل‏:‏ هذا هو الصواب‏.‏ فقال‏:‏ والله ما يدري عمر أن هذا هو الصواب أو الخطأ ولكني لم آل عن الحق‏.‏ وقال ابن مسعود رضي الله عنه فيما أجاب به في المفوضة‏:‏ وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان‏.‏ فعرفنا أنه قد كان جهة الخطأ محتملا في فتواهم، ولا يقال هذا في إجماعهم موجود إذا صدر عن رأي ثم كان حجة، لأن الرأي إذا تأيد بالاجماع تتعين جهة الصواب فيه بالنص، قال عليه السلام‏:‏ إن الله لا يجمع أمتي على الضلالة ألا ترى أن إجماع أهل كل عصر يجعل حجة بهذا الطريق وإن لم يكن قول الواحد منهم مقدما على الرأي في العمل به، ولانه لم يظهر منهم دعاء الناس إلى أقاويلهم، ولو كان قول الواحد منهم مقدما على الرأي لدعا الناس إلى قوله كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى العمل بقوله، وكما كانت الصحابة تدعو الناس إلى العمل بالكتاب والسنة وإلى العمل بإجماعهم فيما أجمعوا عليه، إذ الدعاء إلى الحجة واجب، ولأن قول الواحد منهم لو كان حجة لم يجز لغيره مخالفته بالرأي كالكتاب والسنة، وقد رأينا أن بعضهم يخالف بعضا برأيه فكان ذلك شبه الاتفاق منهم على أن قول الواحد منهم لا يكون مقدما على الرأي‏.‏ ولا يدخل على هذا إجماعهم، فإن مع بقاء الواحد منهم مخالفا لا ينعقد الاجماع، وبعد ما ثبت الاجماع باتفاقهم لو بدا لاحدهم فخالف لم يعتد بخلافه أيضا على ما بينا أن انقراض العصر ليس بشرط لثبوت حكم الاجماع، وأن مخالفة الاجماع بعد انعقاده كمخالفة النص‏.‏ وجه ما ذهب إليه أبو سعيد البردعي وهو الاصح أن فتوى الصحابي فيه احتمال الرواية عمن ينزل عليه الوحي، فقد ظهر من عادتهم أن من كان عنده نص فربما روى وربما أفتى على موافقة النص مطلقا من غير الرواية، ولا شك أن ما فيه احتمال السماع من صاحب الوحي فهو مقدم على محض الرأي، فمن هذا الوجه تقديم قول الصحابي على الرأي بمنزلة تقديم خبر الواحد على القياس، ولئن كان قوله صادرا عن الرأي فرأيهم أقوى من رأي غيرهم، لانهم شاهدوا طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان أحكام الحوادث وشاهدوا الاحوال التي نزلت فيها النصوص والمحال التي تتغير باعتبارها الاحكام، فبهذه المعاني يترجح رأيهم على رأي من لم يشاهد شيئا من ذلك، وعند تعارض الرأيين إذا ظهر لاحدهما نوع ترجيح وجب الاخذ بذلك، فكذلك إذا وقع التعارض بين رأي الواحد منا ورأي الواحد منهم يجب تقديم رأيه على رأينا لزيادة قوة في رأيه، وهكذا نقول في المجتهدين في زماننا، فإن على أصل أبي حنيفة إذا كان عند مجتهد أن من يخالفه في الرأي أعلم بطريق الاجتهاد، وأنه مقدم عليه في العلم فإنه يدع رأيه لرأي من عرف زيادة قوة في اجتهاده، كما أن العامي يدع رأيه لرأي المفتي المجتهد لعلمه بأنه متقدم عليه فيما يفصل به بين الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه، وعلى قول أبي يوسف ومحمد لا يدع المجتهد في زماننا رأيه لرأي من هو مقدم عليه في الاجتهاد من أهل عصره لوجود المساواة بينهما في الحال وفي معرفة طريق الاجتهاد، ولكن هذا لا يوجد فيما بين المجتهد منا والمجتهد من الصحابة، فالتفاوت بينهما في الحال لا يخفى وفي طريق العلم كذلك فهم قد شاهدوا أحوال من ينزل عليه الوحي وسمعوا منه، وإنما انتقل إلينا ذلك بخبرهم وليس الخبر كالمعاينة‏.‏ فإن قيل‏:‏ أليس أن تأويل الصحابي للنص لا يكون مقدما على تأويل غيره ولم يعتبر فيه هذه الاحوال فكذلك في الفتوى بالرأي‏؟‏ قلنا‏:‏ لأن التأويل يكون بالتأمل في وجوه اللغة ومعاني الكلام، ولا مزية لهم في ذلك الباب على غيرهم ممن يعرف من معاني اللسان مثل ذلك‏.‏ فأما الاجتهاد في الاحكام إنما يكون بالتأمل في النصوص التي هي أصل في أحكام الشرع، وذلك يختلف باختلاف الاحوال ولاجله تظهر لهم المزية بمشاهدة أحوال الخطاب على غيرهم ممن لم يشاهد، ولا يقال هذه أمور باطنة وإنما أمرنا ببناء الحكم على ما هو الظاهر، لأن بناء الحكم على الظاهر مستقيم عندنا ولكن في موضع يتعذر اعتبارهما جميعا، فأما عند المقابلة لا إشكال أن اعتبار الظاهر والباطن جميعا يتقدم على مجرد اعتبار الظاهر ‏(‏وفي الاخذ بقول الصحابي اعتبارهما وفي العمل بالرأي اعتبار الظاهر‏)‏ فقط هذا مع ما لهم من الفضيلة بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتفقه في الدين سماعا منه، وشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بالخيرية بعده وتقديمهم في ذلك على من بعدهم بقوله‏:‏ خير الناس قرني الحديث، وقال‏:‏ لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه فعرفنا أنهم يوفقون لاصابة الرأي ما لا يوفق غيرهم لمثله فيكون رأيهم أبعد عن احتمال الخطأ من رأي من بعدهم، ولا حجة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاعتبروا‏}‏ لأن تقديم قولهم بهذا الطريق نوع من الاعتبار فالاعتبار يكون بترجيح أحد الدليلين بزيادة قوة فيه، وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فردوه إلى الله والرسول‏}‏ لأن في تقديم فتوى الصحابي رد الحكم إلى أمر الرسول عليه السلام، لأن الرسول عليه السلام قد دعا الناس إلى الاقتداء بأصحابه بقوله بأيهم اقتديتم اهتديتم وإنما كان لا يدعو الواحد منهم غيره إلى قوله لأن ذلك الغير إن أظهر قولا بخلاف قوله فعند تعارض القولين منهما تتحقق المساواة بينهما وليس أحدهما بأن يدعو صاحبه إلى قوله بأولى من الآخر، وإن لم يظهر منه قول بخلاف ذلك فهو لا يدري لعله إذا دعاه إلى قوله أظهر خلافه فلا يكون قوله حجة عليه، فأما بعدما ظهر القول عن واحد منهم وانقرض عصرهم قبل أن يظهر قول بخلافه من غيره فقد انقطع احتمال ما ثبت به المساواة من الوجه الذي قررنا فيكون قوله حجة، وإنما ساغ لبعضهم مخالفة البعض لوجود المساواة بينهم فيما يتقوى به الرأي، وهو مشاهدة أحوال التنزيل ومعرفة أسبابه‏.‏ ولا خلاف بين أصحابنا المتقدمين والمتأخرين أن قول الواحد من الصحابة حجة فيما لا مدخل للقياس في معرفة الحكم فيه، وذلك نحو المقادير التي لا تعرف بالرأي، فإنا أخذنا بقول علي رضي الله عنه في تقدير المهر بعشرة دراهم، وأخذنا بقول أنس في تقدير أقل الحيض بثلاثة أيام وأكثره بعشرة أيام، وبقول عثمان بن أبي العاص في تقدير أكثر النفاس بأربعين يوما، وبقول عائشة رضي الله عنها في أن الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين، وهذا لأن أحدا لا يظن بهم المجازفة في القول، ولا يجوز أن يحمل قولهم في حكم الشرع على الكذب، فإن طريق الدين من النصوص إنما انتقل إلينا بروايتهم، وفي حمل قولهم على الكذب والباطل قول بفسقهم، وذلك يبطل روايتهم فلم يبق إلا الرأي أو السماع ممن ينزل عليه الوحي ولا مدخل للرأي في هذا الباب، فتعين السماع وصار فتواه مطلقا كروايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شك أنه لو ذكر سماعه من رسول الله لكان ذلك حجة لاثبات الحكم به فكذلك إذا أفتى به ولا طريق لفتواه إلا السماع، ولهذا قلنا‏:‏ إن قول الواحد منهم فيما لا يوافقه القياس يكون حجة في العمل به، كالنص يترك القياس به، حتى إن في شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن أخذنا بقول عائشة رضي الله عنها في قصة زيد بن أرقم رضي الله عنه وتركنا القياس، لأن القياس لما كان مخالفا لقولها تعين جهة السماع في فتواها، وكذلك أخذنا بقول ابن عباس رضي الله عنهما في النذر بذبح الولد إنه يوجب ذبح شاة لانه قول يخالف القياس فتتعين فيه جهة السماع، وأخذنا بقول ابن مسعود رضي الله عنه في تقدير الجعل لراد الآبق من مسيرة سفر بأربعين درهما، لانه قول بخلاف القياس وهو إطلاق الفتوى منه فيما لا يعرف بالقياس فتتعين جهة السماع‏.‏ فإن قيل‏:‏ هذا المعنى يوجد في قول التابعي، فإنه لا يظن المجازفة في القول بالمجتهد في كل عصر، ولا يجوز حمل كلامه على الكذب قصدا، ومع ذلك لا تتعين جهة السماع لفتواه عند الاطلاق حتى لا يكون حجة فيما لا يستدرك بالقياس كما لا يكون حجة فيما يعرف بالقياس‏.‏ قلنا‏:‏ قد بينا أن قول الصحابي يكون أبعد عن احتمال الغلط وقلة التأمل فيه من قول غيره، ثم احتمال اتصال قولهم بالسماع يكون بغير واسطة، فقد صحبوا من كان ينزل عليه الوحي وسمعوا منه، واحتمال اتصال قول من بعدهم بالسماع يكون بواسطة النقل وتلك الواسطة لا يمكن إثباتها بغير دليل وبدونها لا يثبت اتصال قوله بالسماع بوجه من الوجوه، فمن هذا الوجه يقع الفرق بين قول الصحابي وبين قول من هو دونه فيما لا مدخل للقياس فيه‏.‏ فإن قيل‏:‏ قد قلتم في المقادير بالرأي من غير أثر فيه، فإن أبا حنيفة قدر مدة البلوغ بالسن بثماني عشرة سنة أو سبع عشرة سنة بالرأي، وقدر مدة وجوب دفع المال إلى السفيه الذي لم يؤنس منه الرشد بخمس وعشرين سنة بالرأي، وقدر أبو يوسف ومحمد مدة تمكن الرجل من نفي الولد بأربعين يوما بالرأي، وقدر أصحابنا جميعا ما يطهر به البئر من النزح عند وقوع الفأرة فيه بعشرين دلوا، فهذا يتبين فساد قول من يقول إنه لا مدخل للرأي في معرفة المقادير، وأنه تتعين جهة السماع في ذلك إذا قاله صحابي‏.‏ قلنا‏:‏ إنما أردنا بما قلنا المقادير التي تثبت لحق الله ابتداء دون مقدار يكون فيما يتردد بين القليل والكثير والصغير والكبير، فإن المقادير في الحدود والعبادات نحو أعداد الركعات في الصلوات مما لا يشكل على أحد أنه لا مدخل للرأي في معرفة ذلك فكذلك ما يكون بتلك الصفة مما أشرنا إليه فأما ما استدللتم به فهو من باب الفرق بين القليل والكثير فيما يحتاج إليه، فإنا نعلم أن ابن عشر سنين لا يكون بالغا وأن ابن عشرين سنة يكون بالغا، ثم التردد فيما بين ذلك فيكون هذا استعمال الرأي في إزالة التردد، وهو نظير معرفة القيمة في المغصوب والمستهلك ومعرفة مهر المثل والتقدير في النفقة فإن للرأي مدخلا في معرفة ذلك من الوجه الذي قلنا، وكذلك حكم دفع المال إلى السفيه فإن الله تعالى قال ‏{‏فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم‏}‏ وقال‏:‏ ‏{‏ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا‏}‏‏.‏ فوقعت الحاجة إلى معرفة الكبير على وجه يتيقن معه بنوع من الرشد وذلك مما يعرف بالرأي، فقدر أبو حنيفة ذلك بخمس وعشرين سنة لانه يتوهم أن يصير جدا في هذه المدة، ومن صار فرعه أصلا فقد تناهى في الأصلية فيتيقن له بصفة الكبر ويعلم إيناس الرشد منه باعتبار أنه بلغ أشده، فإنه قيل في تفسير الاشد المذكور في سورة يوسف عليه السلام إنه هذه المدة، وكذلك ما قال أبو يوسف ومحمد فإنه يتمكن من النفي بعد الولادة بساعة أو ساعتين لا محالة ولا يتمكن من النفي بعد سنة أو أكثر، فإنما وقع التردد فيما بين القليل والكثير من المدة فاعتبر الرأي فيه بالبناء على أكثر مدة النفاس‏.‏ فأما حكم طهارة البئر بالنزح فإنما عرفناه بآثار الصحابة، فإن فتوى علي وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما في ذلك معروفة، مع أن ذلك من باب الفرق بين القليل من النزح والكثير، وقد بينا أن للرأي مدخلا في معرفة هذا كله في قول ظهر عن صحابي ولم يشتهر ذلك في أقرانه، فإنه بعدما اشتهر إذا لم يظهر النكير عن أحد منهم كان ذلك بمنزلة الاجماع وقد بينا الكلام فيه، وما اختلف فيه الصحابة فقد بينا أن الحق لا يعدو أقاويلهم حتى لا يتمكن أحد من أن يقول بالرأي قولا خارجا عن أقاويلهم، وكذلك لا يشتغل بطلب التاريخ بين أقاويلهم ليجعل المتأخر ناسخا للمتقدم كما يفعل في الآيتين والخبرين، لانه لما ظهر الخلاف بينهم ولم نجز المحاجة بسماع من صاحب الوحي فقد انقطع احتمال التوقيف فيه وبقي مجرد القول بالرأي والرأي لا يكون ناسخا للرأي، ولهذا لم يجز نسخ أحد القياسين بالآخر، ولكن طريق العمل طلب الترجيح بزيادة قوة لاحد الاقاويل، فإن ظهر ذلك وجب العمل بالراجح، وإن لم يظهر يتخير المبتلي بالحادثة في الاخذ بقول أيهما شاء بعد أن يقع في أكثر رأيه أنه هو الصواب، وبعد ما عمل بأحد القولين لا يكون له أن يعمل بالقول الآخر إلا بدليل، وقد بينا ‏(‏لك‏)‏ هذا في باب المعارضة‏.‏ هذا الذي بينا هو النهاية في الاخذ بالسنة حقيقتها وشبهتها ثم العمل بالرأي بعده، وبذلك يتم الفقه على ما أشار إليه محمد بن الحسن في أدب القاضي فقال‏:‏ لا يستقيم العمل بالحديث إلا بالرأي، ولا يستقيم العمل بالرأي إلا بالحديث‏.‏ وأصحابنا هم المتمسكون بالسنة والرأي في الحقيقة، فقد ظهر منهم من تعظيم السنة ما لم يظهر من غيرهم ممن يدعي أنه صاحب الحديث، لانهم جوزوا نسخ الكتاب بالسنة لقوة درجتها، وجوزوا العمل بالمراسيل، وقدموا خبر المجهول على القياس، وقدموا قول الصحابي على القياس، لأن فيه شبهة السماع من الوجه الذي قررنا، ثم بعد ذلك كله عملوا بالقياس الصحيح وهو المعنى الذي ظهر أثره بقوته‏.‏ فأما الشافعي رحمه الله حين لم يجوز العمل بالمراسيل فقد ترك كثيرا من السنن، وحين لم يقبل رواية المجهول فقد عطل بعض السنة أيضا، وحين لم ير تقليد الواحد من الصحابة فقد جوز الاعراض عما فيه شبهة السماع، ثم جوز العمل بقياس الشبه وهو مما لا يجوز أن يضاف إليه الوجوب بحال، فما حاله إلا كحال من لم يجوز العمل بالقياس أصلا، ثم يعمل باستصحاب الحال فحمله ما صار إليه من الاحتياط على العمل بلا دليل وترك العمل بالدليل‏.‏ وتبين أن أصحابنا هم القدوة في أحكام الشرع أصولها وفروعها، وأن بفتواهم اتضح الطريق للناس إلا أنه بحر عميق لا يسلكه كل سابح، ولا يستجمع شرائطه كل طالب، والله الموفق‏.‏

فصل‏:‏ في خلاف التابعي هل يعتد به مع إجماع الصحابة

لا خلاف أن قول التابعي لا يكون حجة على وجه يترك القياس بقوله، فقد روينا عن أبي حنيفة أنه كان يقول‏:‏ ما جاءنا عن التابعين زاحمناهم‏.‏ ولا خلاف أن من لم يدرك عصر الصحابة من التابعين أنه لا يعتد بخلافه في إجماعهم، فأما من أدرك عصر الصحابة من التابعين كالحسن وسعيد بن المسيب والنخعي والشعبي رضي الله عنهم فإنه يعتد بقوله في إجماعهم عندنا حتى لا يتم إجماعهم مع خلافه، وعلى قول الشافعي لا يعتد بقوله مع إجماعهم‏.‏ وعلى هذا قال أبو حنيفة لا يثبت إجماع الصحابة في الاشعار، لأن إبراهيم النخعي كان يكرهه وهو ممن أدرك عصر الصحابة فلا يثبت إجماعهم دون قوله‏.‏ وجه قول الشافعي أن إجماع الصحابة حجة بطريق الكرامة لهم ولا مشاركة للتابعي معهم في السبب الذي استحقوا به زيادة الكرامة، وذلك صحبة رسول الله عليه السلام، ومشاهدة أحوال الوحي، ولهذا لم نجعل التابعي الذي أدرك عصرهم بمنزلتهم في الاحتجاج بقوله، فكذلك لا يقدح قوله في إجماعهم كما لا يقدح قول من لم يدرك عصر الصحابة في إجماعهم، ولأن صاحب الشرع أمرنا بالاقتداء بهم، وندب إلى ذلك بقوله عليه السلام‏:‏ بأيهم اقتديتم اهتديتم وهذا لا يوجد في حق التابعي وإن أدرك عصرهم فلا يكون مزاحما لهم، وإنما ينعدم انعقاد الاجماع بالمزاحم‏.‏ وحجتنا في ذلك أنه لما أدرك عصرهم وسوغوا له اجتهاد الرأي والمزاحمة معهم في الفتوى والحكم بخلاف رأيهم قد صار هو كواحد منهم فيما يبتني على اجتهاد الرأي، ثم الاجماع لا ينعقد مع خلاف واحد منهم، فكذلك لا ينعقد مع خلاف التابعي الذي أدرك عصرهم، لانه من علماء ذلك العصر، فشرط انعقاد الاجماع أن لا يكون أحد من أهل العصر مخالفا لهم‏.‏ وبيان هذا أن عمر وعليا رضي الله عنهما قلدا شريحا القضاء بعدما ظهر منه مخالفتهما في الرأي، وإنما قلداه القضاء ليحكم برأيه‏.‏ فإن قيل‏:‏ لا كذلك، بل قلداه القضاء ليحكم بقولهما أو بقول بعض الصحابة سواهما‏.‏ قلنا‏:‏ قد روي أن عمر كتب إلى شريح‏:‏ اقض بما في كتاب الله، فإن لم تجد فبسنة رسول الله، فإن لم تجد فاجتهد برأيك‏.‏ فإن قيل‏:‏ معنى قوله‏:‏ ‏(‏فاجتهد برأيك‏)‏ في آرائنا وأقاويلنا‏.‏ قلنا‏:‏ هذه زيادة على النص وهي تنزل منزلة النسخ فلا يكون تأويلا، وقد صح أن عليا رضي الله عنه تحاكم إلى شريح وقضى عليه بخلاف رأيه في شهادة الولد لوالده ثم قلده القضاء في خلافته، وابن عباس رضي الله عنهما رجع إلى قول مسروق في النذر بذبح الولد فأوجب عليه شاة بعدما كان يوجب عليه مائة من الابل، وعمر رضي الله عنه أمر كعب بن سور أن يحكم برأيه بين الزوجين فجعل لها ليلة من أربع ليال وكان ذلك خلاف رأي عمر‏.‏ قال أبو سلمة بن عبد الرحمن‏:‏ تذاكرنا مع ابن عباس وأبي هريرة عدة مرات عدة الحامل المتوفى عنها زوجها فقال ابن عباس‏:‏ تعتد بأبعد الاجلين، وقلت‏:‏ تعتد بوضع الحمل، فقال أبو هريرة‏:‏ أنا مع ابن أخي، وعن مسروق أن ابن عباس رضي الله عنهما صنع طعاما لاصحاب عبد الله بن مسعود فجرت المسائل، وكان ابن عباس يخطئ في بعض فتاويه فما منعهم من أن يردوا عليه إلا كونهم على طعامه‏.‏ وسئل ابن عمر عن مسألة فقال‏:‏ سلوا عنها سعيد بن جبير فهو أعلم بها مني‏.‏ وكان أنس بن مالك إذا سئل عن مسألة فقال سلوا عنها مولانا الحسن‏.‏ فظهر أنهم سوغوا اجتهاد الرأي لمن أدرك عصرهم ولا معتبر بالصحبة في هذا الباب، ألا ترى أن إجماع أهل كل عصر حجة وإن انعدمت الصحبة لهم، وأنه قد كان في الصحابة الاعراب الذين لم يكونوا من أهل الاجتهاد في الاحكام فكان لا يعتبر قولهم في الاجماع مع وجود الصحبة، فعرفنا أن هذا الحكم إنما يبتنى على كونه من علماء العصر، وممن يجتهد في الاحكام ويعتد بقوله‏.‏ ثم الصحابة فيما بينهم كانوا متفاضلين في الدرجة، فإن درجة الخلفاء الراشدين فوق درجة غيرهم في الفضيلة ولم يدل ذلك على أن الاجماع الذي هو حجة يثبت بدون قولهم، وكما أمر رسول الله بالاقتداء بالصحابة فقد أمر بالاقتداء بالخلفاء الراشدين لسائر الصحابة بقوله عليه السلام‏:‏ عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي وأمر بالاقتداء بأبي بكر وعمر بقوله عليه السلام‏:‏ اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ثم هذا لا يدل على أن إجماعهم يكون حجة قاطعة مع خلاف سائر الصحابة‏.‏

فصل‏:‏ في حدوث الخلاف بعد الاجماع باعتبار معنى حادث

فمذهب علمائنا أن الاتفاق متى حصل في شئ على حكم ثم حدث فيه معنى اختلفوا لاجله في حكمه، فالاجماع المتقدم لا يكون حجة فيه‏.‏ وقال بعض العلماء ذلك الاجماع حجة فيه يجب التمسك به حتى يوجد إجماع آخر بخلافه‏.‏ وبيان هذا في الماء الذي وقع فيه نجاسة ولم يتغير أحد أوصافه، فإن الاجماع الذي كان على طهارته قبل وقوع النجاسة فيه لا يكون حجة لاثبات صفة الطهارة فيه بعد وقوع النجاسة فيه، وعند بعضهم يكون حجة‏.‏ وكذلك المتيمم إذا أبصر الماء في خلال الصلاة فالاجماع المنعقد على صحة شروعه في الصلاة قبل أن يبصر الماء لا يكون حجة لبقاء صلاته بعدما أبصر الماء، وعند بعضهم يكون حجة‏.‏ وكذلك بيع أم الولد فالاجماع المنعقد على جواز بيعها قبل الاستيلاد لا يكون حجة لجواز بيعها بعد الاستيلاد عندنا، وعند بعضهم يكون حجة‏.‏ ويقولون‏:‏ قد انعقد الاجماع على حكم في هذا العين فنحن على ما كنا عليه من الاجماع حتى ينعقد إجماع آخر له، لأن الشئ لا يرفعه ما هو دونه ولا شك أن الخلاف دون الاجماع، يوضحه أن التمسك باليقين وترك المشكوك فيه أصل في الشرع، فإن النبي عليه السلام أمر الشاك في الحدث بأن لا ينصرف من صلاته حتى يستيقن بالحدث، لانه على يقين من الطهارة وهو في شك من الحدث‏.‏ وكذلك أمر الشاك في الصلاة بأن يأخذ بالاقل لكونه متيقنا به‏.‏ وكذلك في الاحكام نقول اليقين لا يزال بالشك حتى إذا شك في طلاق امرأته لم يقع الطلاق عليها‏.‏ وكذلك الاقرار بالمال لا يثبت مع الشك، لأن براءة الذمة يقين باعتبار الأصل فلا يزول المتيقن بالشك، وهذا لأن اليقين كان معلوما في نفسه ومع الشك لا يثبت للعلم فلا يجوز ترك العمل بالعلم لاجل ما ليس بعلم‏.‏ وأصحابنا قالوا‏:‏ هذا مذهب باطل، فإن الاجماع كان ثابتا في عين على حكم لا لانه عين وإنما كان ذلك لمعنى وقد حدث معنى آخر خلاف ذلك ومع هذا المعنى الحادث لم يكن الاجماع قط فكيف يستقيم استصحابه‏؟‏ وبه نبطل نحن على ما كنا عليه، فإنا لم نكن على الاجماع مع هذا المعنى قط‏.‏ ثم لا يخلو‏:‏ إما أن تكون الحجة نفس الاجماع، أو الدليل الذي نشأ منه الاجماع قبل حدوث هذا المعنى فيه، فإن كان نفس الاجماع فبعد الخلاف الاجماع، وفي الموضع الذي لا إجماع لا يتحقق الاحتجاج بنفس الاجماع وإن كان الدليل الذي نشأ منه الاجماع، فما لم يثبت بقاء ذلك الدليل بعد اعتراض المعنى الحادث لا يتحقق الاستدلال بالاجماع‏.‏ ثم يحتج عليهم بعين ما احتجوا به فنقول‏:‏ قد تيقنا بالحدث المانع من جواز أداء الصلاة في أعضاء المحدث قبل استعمال هذا الماء الذي وقعت فيه النجاسة، فنحن على ما كنا عليه من اليقين، والاجماع لا يترك بالخلاف عند استعمال هذا الماء، واتفقنا على أن أداء الصلاة واجب على من أدرك الوقت فنحن على ذلك الاتفاق لا نتركه بأداء يكون منه بالتيمم بعدما أبصر الماء، لأن سقوط الفرض بهذا الاداء مشكوك فيه، واتفقنا على أن الامة بعد ما حبلت من مولاها قد امتنع بيعها، فنحن على ذلك الاتفاق لا نتركه بالخلاف في جواز بيعها بعدما انفصل الولد عنها، وكل كلام يمكن أن يحتج به على الخصم بعينه في إثبات ما رام إبطاله به فهو باطل في نفسه، وهو نظير احتجاجنا على من يقول لا دليل على النافي في أحكام الشرع، وإنما الدليل على المثبت كما في الدعاوى، فإن البينة تكون على المثبت دون النافي، فنقول‏:‏ من قال لا حكم فهو يثبت صحة اعتقاد نفي الحكم، وهذا منه إثبات حكم شرعي، وخصمه ينفي صحة هذا الاعتقاد فينبغي أن تكون الحجة عليه للاثبات لا على خصمه فإنه ينفي، وسنقرر هذا الكلام في موضعه، ثم نستدل بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار‏}‏ وفي هذا تنصيص على ترك العمل بما كان متيقنا به عند حدوث معنى آخر وإن لم يكن ذلك المعنى متيقنا به، فإن كفرها قبل الهجرة كان متيقنا به وزوال ذلك بعد الهجرة إنما نعرفه بغالب الرأي لا باليقين، وليس هذا نظير ما استشهدوا به، لأن هناك عند الشك في الطلاق لا نجد دليلا نعتمده في حكم الطلاق سوى ما تقدم، وكذلك عند الشك في وجوب المال لا نجد دليلا نعتمده سوى ما تقدم، وكذلك عند الشك في الحدث وعند الشك في أداء بعض الصلاة حتى إذا وجدنا فيه دليلا وهو التحري نقول بأنه يجب العمل بذلك الدليل، وهنا قد وجدنا دليلا نستدل به على الحكم بعد حدوث المعنى الحادث في العين فيجب العمل بذلك الدليل، ولا يجوز المصير إلى استصحاب ما كان قبل حدوث هذا المعنى، فاليقين إنما كان قبل وجود الدليل المغير، ومثله لا يكون يقينا بعد وجود الدليل المغير، وعلى هذا الأصل استصحاب العموم بعد حدوث الدليل المغير للحكم، فإنه لا يجوز لاحد أن يستدل على إباحة قتل المستأمن بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاقتلوا المشركين‏}‏ لأن حكم هذا العام كان ثابتا قبل وجود الدليل المغير فلا يجوز الاستدلال به بعد ذلك في موضع فيه خلاف، وهو أن المستأمن إذا جعل نفسه طليعة للمشركين يخبرهم بعورات المسلمين فإنه لا يباح قتله استدلالا بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاقلتوا المشركين‏}‏ عندنا، وعند بعضهم يجوز قتله باعتبار هذه الحجة، والكلام في هذا مثل الكلام في الفصل الأول، والله أعلم‏.‏

باب القياس

قال رضي الله عنه‏:‏ مذهب الصحابة ومن بعدهم من التابعين والصالحين والماضين من أئمة الدين رضوان الله عليهم جواز القياس بالرأي على الاصول التي تثبت أحكامها بالنص لتعدية حكم النص إلى الفروع جائز مستقيم يدان الله به، وهو مدرك من مدارك أحكام الشرع ولكنه غير صالح لاثبات الحكم به ابتداء، وعلى قول أصحاب الظواهر هو غير صالح لتعدية حكم النص به إلى ما لا نص فيه والعمل باطل أصلا في أحكام الشرع‏.‏ وأول من أحدث هذا القول إبراهيم النظام، وطعن في السلف لاحتجاجهم بالقياس ونسبهم بتهوره إلى خلاف ما وصفهم الله به، فخلع به ربقة الاسلام من عنقه، وكان ذلك منه إما للقصد إلى إفساد طريق المسلمين عليهم، أو للجهل منه بفقه الشريعة، ثم تبعه على هذا القول بعض المتكلمين ببغداد، ولكنه تحرز عن الطعن في السلف فرارا من الشنعة التي لحقت النظام، فذكر طريقا آخر لاحتجاج الصحابة بالقياس هو دليل على جهله، وهو أنه قال‏:‏ ما جرى بين الصحابة لم يكن على وجه الاحتجاج بالقياس وإنما كان على وجه الصلح والتوسط بين الخصوم وذكر المسائل لتقريب ما قصدوه من الصلح إلى الافهام‏.‏ وهذا مما لا يخفى فساده على من تأمل أدنى تأمل فيما نقل عن الصحابة في هذا الباب‏.‏ ثم نشأ بعده رجل متجاهل يقال له داود الاصبهاني فأبطل العمل بالقياس من غير أن وقف على ما هو مراد كل فريق ممن كان قبله، ولكنه أخذ طرفا من كل كلام ولم يشتغل بالتأمل فيه ليتبين له وجه فساده، قال‏:‏ القياس لا يكون حجة، ولا يجوز العمل به في أحكام الشرع وتابعه على ذلك أصحاب الظواهر الذين كانوا مثله في ترك التأمل، وروى بعضهم هذا المذهب عن قتادة ومسروق وابن سيرين، وهو افتراء عليهم، فقد كانوا أجل من أن ينسب إليهم القصد إلى مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما هو طريق أحكام الشرع بعد ما ثبت نقله عنهم‏.‏ ثم قال بعض نفاة القياس‏:‏ دلائل العقل لا تصلح لمعرفة شئ من أمور الدين بها والقياس يشبه ذلك‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ لا يعمل بالدلائل العقلية في أحكام الشرع أصلا وإن كان يعمل بها في العقليات‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ لا يعمل بها إلا عند الضرورة ولا ضرورة في أحكام الشرع لامكان العمل بالأصل الذي هو استصحاب الحال‏.‏ وهذا أقرب أقاويلهم إلى القصد فيحتاج في تبين وجه الفساد فيه إلى إثبات أن القياس حجة أصلية في تعدية الاحكام لا حجة ضرورية، وإلى أنه مقدم في الاحتجاج به على استصحاب الحال‏.‏ ولكن نبدأ ببيان شبهتهم، فإنهم استدلوا بظاهر آيات من الكتاب، منها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم‏}‏ وفي المصير إلى الرأي لاثبات حكم في محل قول بأن الكتاب غير كاف‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ما فرطنا في الكتاب من شئ‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين‏}‏ ففيها بيان أن الاشياء كلها في الكتاب إما في إشارته أو دلالته أو في اقتضائه أو في نصه، فإن لم يوجد في شئ من ذلك فبالابقاء على الأصل الذي علم ثبوته بالكتاب وهو دليل مستقيم، قال تعالى‏:‏ ‏{‏قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه‏}‏ الآية، فقد أمره بالاحتجاج بأصل الإباحة فيما لا يجد فيه دليل الحرمة في الكتاب، وهذا مستمر على أصل من يقول الإباحة في الاشياء أصل، وعلى أصلنا الذي نقول‏:‏ إنما نعرف كل شئ بالكتاب، وهذا معلوم بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا‏}‏ فإن الاضافة بلام التمليك تكون أدل على إثبات صفة الحل من التنصيص على الإباحة فلم يبق الرأي بعد هذا إلا لتعرف الحكمة والوقوف على المصلحة فيه عاقبة وذلك مما لا مجال للرأي في معرفته، فإن المصلحة في العاقبة عبارة عن الفوز والنجاة، وما به الفوز والنجاة في الآخرة لا يمكن الوقوف عليه بالرأي، وإنما الرأي لمعرفة المصالح العاجلة التي يعلم جنسها بالحواس ثم نستدرك نظائرها بالرأي، وهذا مثل ما قلتم إن تعليل النصوص بعلة لا يتعدى إلى الفروع باطل، لانها خالية عن إثبات الحكم بها فالحكم في المنصوص ثابت بالنص فلا يكون في هذا التعليل إلا تعرف وجه الحكمة والوقوف على المصلحة في العاقبة والرأي لا يهتدي إلى ذلك‏.‏ ومنها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون‏}‏ ‏{‏الظالمون‏}‏ ‏{‏الفاسقون‏}‏ والعمل بالرأي فيه تقدم بين يدي الله ورسوله وهو حكم بغير ما أنزل الله، فإن طريقة الاستنباط بآرائنا وما يبدو لنا من آرائنا لا يكون مما أنزل الله في شئ، إنما المنزل كتاب الله وسنة رسوله، فقد ثبت أنه ما كان ينطق إلا عن وحي، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن هو إلا وحي يوحى‏}‏ وقال تعالى ‏{‏لتبين للناس ما نزل إليهم‏}‏ وإنما الحكم بالرأي من جملة ما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام‏}‏ الآية، واستدلوا بآثار‏:‏ فمن ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال‏:‏ لم يزل بنو إسرائيل على طريقة مستقيمة حتى كثر فيهم أولاد السبايا، فقاسوا ما لم يكن بما قد كان فضلوا وأضلوا وفي حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ تعمل هذه الامة برهة بالكتاب ثم برهة بالسنة ثم برهة بالرأي، فإذا فعلوا ذلك ضلوا وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء الدين، أعيتهم السنة أن يحفظوها فقالوا برأيهم فضلوا وأضلوا‏.‏ وقال ابن مسعود رضي الله عنه‏:‏ إياكم وأرأيت وأرأيت ‏!‏ فإنما هلك من كان قبلكم في أرأيت وأرأيت‏.‏ وقال النبي عليه السلام‏:‏ من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار وإنما أراد به إعمال الرأي للعمل به في الاحكام، فإن إعمال الرأي للوقوف على معنى النص من حيث اللسان فقه مستقيم، ويكون العمل به عملا بالنص لا بالرأي‏.‏ وبيان هذا فيما اختلف فيه ابن عباس وزيد رضي الله عنهم في زوج وأبوين فقال ابن عباس‏:‏ للام ثلث جميع المال، فإن الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏فلامه الثلث‏}‏ والمفهوم من إطلاق هذه العبارة ثلث جميع المال‏.‏ وقال زيد‏:‏ للام ثلث ما بقي، لأن في الآية بيان أن للام ثلث ما ورثه الابوان، فإنه قال‏:‏ ‏{‏وورثه أبواه فلامه الثلث‏}‏ وميراث الابوين هو الباقي بعد نصيب الزوج فللام ثلث ذلك‏.‏ هذا ونحوه عمل بالكتاب لا بالرأي فيكون مستقيما‏.‏ ومن حيث المعقول يستدلون بأنواع من الكلام‏:‏ أحدها من حيث الدليل وهو أن في القياس شبهة في أصله، لأن الوصف الذي تعدى به الحكم غير منصوص عليه ولا هو ثابت بإشارة النص ولا بدلالته ولا بمقتضاه، فتعيينه من بين سائر الاوصاف بالرأي لا ينفك عن شبهة، والحكم الثابت به من إيجاب أو إسقاط أو تحليل أو تحريم محض حق الله تعالى، ولا وجه لاثبات ما هو حق الله بطريق فيه شبهة، لأن من له الحق موصوف بكمال القدرة يتعالى عن أن ينتسب إليه العجز أو الحاجة إلى إثبات حقه بما فيه شبهة، ولا وجه لانكار هذه الشبهة فيه، فإن القياس لا يوجب العلم قطعا بالاتفاق وكان ذلك باعتبار أصله، وعلى هذا التقرير يكون هذا استدلالا بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقف ما ليس لك به علم‏}‏ وبقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقولوا على الله إلا الحق‏}‏ ولا يدخل على هذا أخبار الآحاد، فإن أصله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو موجب للعلم قطعا، وإنما تتمكن الشبهة في طريق الانتقال إلينا، وقد كان قول رسول الله حجة قبل الانتقال إلينا بهذا الطريق، فلشبهة تتمكن في الطريق لا يخرج الحديث من أن يكون حجة موجبة للعلم، وهو كالنص المؤول، فإن الشبهة تتمكن في تأويلنا، فلا يخرج النص من أن يكون حجة موجبة للعلم‏.‏ ومنهم من قرر هذا الكلام من وجه آخر وقال‏:‏ تعيين وصف في المنصوص بالرأي لاضافة الحكم إليه يشبه قياس إبليس لعنه الله على ما أخبر الله تعالى عنه‏:‏ ‏{‏أأسجد لمن خلقت طينا‏}‏ وكذلك التمييز بين هذا الوصف وسائر الاوصاف في إثبات حكم الشرع أو الترجيح بالرأي يشبه ما فعله إبليس كما أخبر الله تعالى عنه‏:‏ ‏{‏خلقتني من نار وخلقته من طين‏}‏ فلا يشك أحد في أن ذلك كان باطلا ولم يكن حجة، فالعمل بالرأي في أحكام الشرع لا يكون عملا بالحجة أيضا‏.‏ ونوع آخر من حيث المدلول فإنه طاعة لله تعالى ولا مدخل للرأي في معرفة ما هو طاعة لله، ولهذا لا يجوز إثبات أصل العبادة بالرأي، وهذا لأن الطاعة في إظهار العبودية والانقياد، وما كان التعبد مبنيا على قضية الرأي بل طريقه طريق الابتلاء، ألا ترى أن من المشروعات ما لا يستدرك بالرأي ‏(‏أصلا‏)‏ كالمقادير في العقوبات والعبادات، ومنه ما هو خلاف ما يقتضيه الرأي وما هذه صفته فإنه لا يمكن معرفته بالرأي فيكون العمل بالرأي فيه عملا بالجهالة لا بالعلم، وكيف يمكن إعمال الرأي فيه والمشروعات متباينة في أنفسها يظهر ذلك عند التأمل في جميعها، والقياس عبارة عن رد الشئ إلى نظيره، يقال‏:‏ قس النعل بالنعل‏:‏ أي احذه به‏.‏ فكيف يتأتى هذا مع التباين‏؟‏ يوضحه أن العلل التي تعدى الحكم بها من المنصوص عليه إلى غيره متعددة مختلفة ولاجلها اختلف العلماء في طريق التعدية، وما يكون بهذه الصفة فإنه يتعذر تعيين واحد منها للعمل إلا بما يوجب العلم قطعا وهو النص، ولهذا جوزنا العمل بالعلة المنصوص عليها، كما في قوله عليه السلام‏:‏ الهرة ليست بنجسة إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات فأثبتنا هذا الحكم في غيرها من حشرات البيت لأن العلة منصوص عليها، فأما بالرأي فلا يمكن الوقوف على ما هو العلة عينا فيكون العمل به باطلا‏.‏ ولا يدخل عليه الاخبار فإنه لا اختلاف فيها في الأصل، لانه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بينا أنه قال ذلك عن وحي، وقد علمنا بالنص أنه لا اختلاف فيما هو من عند الله، قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا‏}‏ وإنما الاختلاف في الاخبار من جهة الرواة، والحجة هو الخبر لا الراوي‏.‏ وما كان الاختلاف فيما بين الرواة إلا نظير اشتباه الناسخ من المنسوخ في كتاب الله فإن ذلك متى ارتفع بما هو الطريق في معرفته يكون العمل بالناسخ واجبا‏.‏ ويكون ذلك عملا بالنص لا بالتاريخ، فكذلك في الاخبار‏.‏ وتحت ما قررنا فائدتان بهما قوام الدين ونجاة المؤمنين‏:‏ إحداهما المحافظة على نصوص الشريعة، فإنها قوالب الاحكام‏.‏ والثاني التبحر في معاني اللسان فإن معانيه جمة غائرة لا يفضل عمر المرء عن التأمل فيها إذا أراد الوقوف عليها، ولا يتفرغ للعمل بالهوى الذي ينشأ منه الزيغ عن الحق والوقوع في البدعة، وما يحصل به التحرز عن البدع واجبا أحكام الشرع فلا شك أن قوام الدين ونجاة المؤمنين يكون فيه‏.‏ ولا يدخل على شئ مما ذكرنا إعمال الرأي في أمر الحرب وقيم المتلفات ومهر النساء والوقوف على جهة الكعبة‏.‏ أما على الوجه الأول فلان هذا كله من حقوق العباد، ويليق بحالهم العجز والاشتباه فيما يعود إلى مصالحهم العاجلة فيعتبر فيه الوسع ليتيسر عليهم الوصول إلى مقاصدهم، وهذا في غير أمر القبلة ظاهر وكذلك في أمر القبلة، فإن الأصل فيه معرفة جهات أقاليم الارض وذلك من حقوق العباد‏.‏ وعلى الثاني فلان الأصل فيما هو من حقوق العباد ما يكون مستدركا بالحواس، وبه يثبت علم اليقين كما ثبت بالكتاب والسنة، ألا ترى أن الكعبة جهتها تكون محسوسة في حق من عاينها، وبعد البعد منها بإعمال الرأي يمكن تصييرها كالمحسوسة‏.‏ وكذلك أمر الحرب، فالمقصود صيانة النفس عما يتلفها أو قهر الخصم وأصل ذلك محسوس، وما هو إلا نظير التوقي عن تناول سم الزعاف لعلمه أنه متلف، والتوقي عن الوقوع على السيف والسكين لعلمه أنه ناقض للبنية، فعرفنا أن أصل ذلك محسوس، فإعمال الرأي فيه للعمل يكون في معنى العمل بما لا شبهة في أصله‏.‏ ثم في هذه المواضع الضرورة تتحقق إلى إعمال الرأي، فإنه عند الاعراض عنه لا نجد طريقا آخر وهو دليل العمل به، فلاجل الضرورة جوزنا به العمل بالرأي فيه، وهنا الضرورة لا تدعو إلى ذلك لوجود دليل في أحكام الشرع للعمل به على وجه يغنيه عن إعمال الرأي فيه وهو اعتبار الأصل الذي قررنا‏.‏ ولا يدخل على شئ مما ذكرنا إعمال الرأي والتفكر في أحوال القرون الماضية وما لحقهم من المثلات والكرامات، لأن ذلك من حقوق العباد، فالمقصود أن يمتنعوا مما كان مهلكا لمن قبلهم حتى لا يهلكوا، أو أن يباشروا ما كان سببا لاستحقاق الكرامة لمن قبلهم حتى ينالوا مثل ذلك، وهو في الأصل من حقوق العباد بمنزلة الاكل الذي يكتسب به المرء سبب إبقاء نفسه، وإتيان الاناث في محل الحرث بطريقه ليكتسب به سبب إبقاء النسل‏.‏ ثم طريق ذلك الاعتبار بالتأمل في معاني اللسان، فإن أصله الخبر وذلك مما يعلم بحاسة السمع، ثم بالتأمل فيه يدرك المقصود وليس ذلك من حكم الشريعة في شئ، فقد كان الوقوف على معاني اللغة في الجاهلية وهو باق اليوم بين الكفرة الذين لا يعلمون حكم الشريعة‏.‏ وعلى هذا يخرج أيضا ما أمر به رسول الله عليه السلام من المشورة مع أصحابه، فإن المراد أمر الحرب وما هو من حقوق العباد، ألا ترى أن المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه شاورهم في ذلك ولم ينقل أنه شاورهم قط في حقيقة ما هم عليه ولا فيما أمرهم به من أحكام الشرع، وإلى هذا المعنى أشار بقوله عليه السلام‏:‏ إذا أتيتكم بشئ من أمر دينكم فاعملوا به، وإذا أتيتكم بشئ من أمر دنياكم فأنتم أعلم بأمر دنياكم أو كلاما هذا معناه‏.‏ وهذا بيان شبه الخصوم في المسألة‏.‏ والحجة لجمهور العلماء دلائل الكتاب والسنة والمعقول، وهي كثيرة جدا قد أورد أكثرها المتقدمون من مشايخنا، ولكنا نذكر من كل نوع طرفا مما هو أقوى في الاعتماد عليه‏.‏ فمن دلائل الكتاب قوله تعالى ‏{‏فاعتبروا يا أولي الابصار‏}‏ حكي عن ثعلب قال‏:‏ الاعتبار في اللغة هو‏:‏ رد حكم الشئ إلى نظيره ومنه يسمى الأصل الذي يرد إليه النظائر عبرة، ومن ذلك قوله تعالى ‏{‏إن في ذلك لعبرة لاولي الابصار‏}‏ والرجل يقول‏:‏ اعتبرت هذا الثوب بهذا الثوب أي سويته به في التقدير، وهذا هو حد القياس، فظهر أنه مأمور به بهذا النص‏.‏ وقيل الاعتبار‏:‏ التبيين ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن كنتم للرؤيا تعبرون‏}‏‏:‏ أي تبينون، والتبيين الذي يكون مضافا إلينا هو إعمال الرأي في معنى المنصوص ليتبين به الحكم في نظيره‏.‏ فإن قيل‏:‏ الاعتبار هو التأمل والتفكر فيما أخبر الله تعالى مما صنعه بالقرون الماضية‏.‏ قلنا‏:‏ هذا مثله ولكنه غير مأمور به لعينه بل ليعتبر حاله بحالهم فيزجروا عما استوجبوا به ما استوجبوا من العقاب، إذ المقصود من الاعتبار هو أن يتعظ بالعبرة، ومنه يقال السعيد من وعظ بغيره‏.‏ وبيان ما قلنا في القصاص، فإن الله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏ولكم في القصاص حياة‏}‏ وهو في العيان ضد الحياة، ولكن فيه حياة بطريق الاعتبار في شرعه واستبقائه، أما الحياة في شرعه وهو أن من قصد قتل غيره فإذا تفكر في نفسه أنه متى قتله قتل به انزجر عن قتله فتكون حياة لهما، والحياة في استبقائه أن القاتل عمدا يصير حربا لاولياء القتيل لخوفه على نفسه منهم، فالظاهر أنه يقصد قتلهم ويستعين على ذلك بأمثاله من السفهاء ليزيل الخوف عن نفسه، فإذا استوفى الولي القصاص منه اندفع شره عنه وعن عشيرته فيكون حياة لهم من هذا الوجه، لأن إحياء الحي في دفع سبب الهلاك عنه، قال تعالى‏:‏ ‏{‏ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا‏}‏ وإذا تبين هذا المعنى فنقول‏:‏ لا فرق بين حكم هو هلاك في محل باعتبار معنى هو كفر، وبين حكم هو تحريم أو تحليل في محل باعتبار معنى هو قدر وجنس، فالتنصيص على الامر بالاعتبار في أحد الموضعين يكون تنصيصا على الامر به في الموضع الآخر‏.‏ فإن قيل‏:‏ الكفر في كونه علة لما استوجبوه منصوص عليه، وكذلك القتل في كونه علة للقصاص، ونحن لا ننكر هذا الاعتبار في العلة التي هي منصوصة فذلك نحو ما روي أن ماعزا رضي الله عنه زنا وهو محصن فرجم، فإنا نثبت هذا الحكم بالزنا بعد الاحصان في حق غير ماعز، وإنما ننكر هذا في علة مستنبطة بالرأي نحو الكيل والجنس فإنكم تجعلونه علة الربا في الحنطة بالرأي، إذ ليس في نص الربا ما يوجب تعيين هذا الوصف من بين سائر أوصاف المحل دلالة ولا إشارة‏.‏ قلنا‏:‏ نحن لا نثبت حكم الربا في الفروع بعلة القدر والجنس إلا من الوجه الذي ثبت حكم الرجم في حق غير ماعز بعلة الزنا بعد الاحصان، فإن ماعزا إحصانه كان موجودا قبل الزنا ثم لما ظهر منه الزنا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إحصانه فلما ظهر إحصانه عنده أمر برجمه، فعرفنا يقينا أن علة ما أمر به هو ما ظهر عنده، والزنا يصلح أن يكون علة لذلك، لأن المأمور به عقوبة والزنا جريمة يستوجب بها العقوبة، والاحصان لا يصلح أن يكون علة، لانها خصال حميدة، وبها يستفيد المرء كمال الحال وتتم عليه النعمة، فلا يصلح علة للعقوبة، ولكن تتغلظ الجناية بالزنا بعد وجودها، لأن بحسب زيادة النعمة يزداد غلظ الجريمة، ألا ترى أن الله تعالى هدد نساء رسوله بضعف ما هدد به سائر النساء فقال تعالى‏:‏ ‏{‏من يأت منكن بفاحشة‏}‏ الآية وكان ذلك لزيادة النعمة عليهن، وبتغلظ الجريمة تتغلظ العقوبة فيصير رجما بعد أن كان جلدا في حق غير المحصن، فعرفنا أن الاحصان حال في الزاني يصير الزنا باعتباره موجبا للرجم فكان شرطا، وبمثل هذا الطريق تثبت علة الربا في موضع النص ثم تعدى الحكم به إلى الفروع، فإن النص قوله عليه السلام‏:‏ الحنطة بالحنطة‏:‏ أي بيعها، وقوله‏:‏ مثل بمثل تفسير على معنى أنه إنما يكون بيعا في حال ما يكون مثلا بمثل ‏(‏والفضل ربا‏)‏‏:‏ أي حراما بسبب الربا، فيثبت بالنص أن الفضل محرم، وقد علمنا أنه ليس المراد كل فصل، فالبيع ما شرع إلا للاستفضال والاسترباح، وإنما المراد الفضل الخالي عن العوض، لأن البيع المشروع المعاوضة فلا يجوز أن يستحق به فضلا خاليا عن العوض، ثم خلو الفضل عن العوض لا يظهر يقينا بعدد الحبات والحفنات، ولا يظهر إلا بعد ثبوت المساواة قطعا في الوصف الذي صار به محلا للبيع وهو المالية، وهذه المساواة إنما يتوصل إلى معرفتها شرعا وعرفا، والشرع إنما أثبت هذه المساواة بالكيل لا بالحبات والحفنات، فإنه قال‏:‏ ‏(‏كيلا بكيل‏)‏ وكذلك في عرف التجار إنما يطلب المساواة بين الحنطة والحنطة بالكيل، وعند الاتلاف يجب ضمان المثل بالنص ويعتبر ذلك بالكيل، فثبت بهذا الطريق أن العلة الموجبة للحرمة ما يكون مؤثرا في المساواة حتى يظهر بعده الفضل الخالي عن المقابلة فيكون حراما، بمنزلة سائر الاشياء التي لها طول وعرض إذا قوبل واحد بآخر وبقي فضل في أحد الجانبين يكون خاليا عن المقابلة‏.‏ ثم المساواة من حيث الذات لا تعرف إلا بالجنس، ومن حيث القدر على الوجه الذي هو معتبر شرعا وعرفا‏.‏ لا يعرف إلا بالكيل، وهذه المساواة لا يتيقن إلا بعد سقوط قيمة الجودة، فأسقطنا قيمة الجودة منها عند المقابلة بجنسها بالنص، وهو قوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏جيدها ورديئها سواء‏)‏ وبدليل شرعي وهو حرمة الاعتياض عنها بالنص، فإنه لو باع قفيز حنطة جيدة بقفيز حنطة رديئة ودرهم على أن يكون الدرهم بمقابلة الجودة لا يجوز، وما يكون مالا متقوما يجوز الاعتياض عنه شرعا إلا أن إسقاط قيمة الجودة يكون شرطا لا علة، لانه لا تأثير لها في إحداث المساواة في المحل، والحكم الثابت بالنص وجوب المساواة، فكان بمنزلة الاحصان لايجاب الرجم، والمساواة التي هي الحكم لما كان يثبت بالقدر والجنس عرفنا أن هذين الوصفين هما العلة، وقد وجد التنصيص عليها في حديث الربا بمنزلة الزنا فإنه منصوص عليه في حديث ماعز، وهو مؤثر في إيجاب الحكم، فعرفنا أنه علة فيه، ثم بعد ما ثبت المساواة قطعا في صفة المالية باعتبار القدر إذا كان في أحد الجانبين فضل فهو خال عن العوض فيكون ربا حراما لا يجوز أن يكون مستحقا بالبيع، وإذا جعل مشروطا في البيع يفسد به البيع، وهذا فضل ظهر شرعا، ولو ظهر شرطا بأن باع من آخر عبدا بعبد على أن يسلم إليه مع ذلك ثوبا قد عينه من غير أن يكون بمقابلة الثوب عوض فإنه لا يجوز ذلك البيع، فكذلك إذا ثبت شرعا، ألا ترى أنه لما ثبت شرعا استحقاق صفة السلامة عن العيب بمطلق البيع فإذا فات ذلك يثبت حق الرد، بمنزلة ما هو ثابت شرطا بأن يشتري عبدا على أنه كاتب فيجده غير كاتب، وبهذا تبين أن ما صرنا إليه هو الاعتبار المأمور به، فإنه تأمل في معنى النصوص لاضافة الحكم إلى الوصف الذي هو مؤثر فيه، بمنزلة إضافة الهلاك إلى الكفر الذي هو مؤثر فيه، والرجم إلى الزنا الذي هو مؤثر فيه، وكل عاقل يعرف أن قوام أموره بمثل هذا الرأي، فالآدمي ما سخر غيره ممن في الارض إلا بهذا الرأي، وما ظهر التفاوت بينهم في الامور العاجلة إلا بالتفاوت في هذا الرأي فالمنكر له يكون متعنتا‏.‏ ومنها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم‏}‏ والاستنباط ليس إلا استخراج المعنى من المنصوص بالرأي‏.‏ وقيل المراد بأولي الامر أمراء السرايا، وقيل المراد العلماء وهو الاظهر، فإن أمراء السرايا إنما يستنبطون بالرأي إذا كانوا علماء، واستنباط المعنى من المنصوص بالرأي إما أن يكون مطلوبا لتعدية حكمه إلى نظائره وهو عين القياس، أو ليحصل به طمأنينة القلب وطمأنينة القلب إنما تحصل بالوقوف على المعنى الذي لاجله ثبت الحكم في المنصوص، وهذا لأن الله تعالى جعل هذه الشريعة نورا وشرحا للصدور فقال‏:‏ ‏{‏أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه‏}‏ والقلب يرى الغائب بالتأمل فيه، كما أن العين ترى الحاضر بالنظر إليه، ألا ترى أن الله تعالى قال في بيان حال من ترك التأمل‏:‏ ‏{‏فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور‏}‏ ثم في رؤية العين لا إشكال أنه يحصل به من الطمأنينة فوق ما يحصل بالخبر، وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ليس الخبر كالمعاينة ونحن نعلم أن الضال عن الطريق ‏(‏العادل‏)‏ يكون ضيق الصدر، فإذا أخبره مخبر بالطريق واعتقد الصدق في خبره يتبين في صدره بعض الانشراح، وإنما يتم انشراح صدره إذا عاين أعلام الطريق العادل، فكذلك في رؤية القلب، فإنه إذا تأمل في المعنى المنصوص حتى وقف عليه يتم به انشراح صدره، وتتحقق طمأنينة قلبه، وذلك بالنور الذي جعله الله في قلب كل مسلم، فالمنع من هذا التأمل والامر بالوقوف على مواضع النص من غير طلب المعنى فيه يكون نوع حجر ورفعا لتحقيق معنى انشراح الصدر وطمأنينة القلب الثابت بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لعلمه الذين يستنبطونه منهم‏}‏‏.‏ فإن قيل‏:‏ كيف يستقيم هذا وعندكم القياس لا يوجب العلم والمجتهد قد يخطئ وقد يصيب‏؟‏ قلنا‏:‏ نعم ولكن يحصل له بالاجتهاد العلم من طريق الظاهر على وجه يطمئن قلبه وإن كان لا يدرك ما هو الحق باجتهاده لا محالة، فهو نظير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن علمتموهن مؤمنات‏}‏ فإن المراد به العلم من حيث الظاهر‏.‏ فإن قيل‏:‏ كيف يستقيم هذا وأكثر المشروعات بخلاف المعهود المعتاد بين الناس‏؟‏ قلنا‏:‏ نعم هو بخلاف المعهود المعتاد عند اتباع هوى النفس وإشارتها، وأما إذا ترك ذلك ورجع إلى ما ينبغي للعاقل أن يرجع إليه فإنه يكون ذلك موافقا لما هو المعهود المعتاد عند العقلاء، فباعتبار هذا التأمل يحصل البيان على وجه يطمئن القلب إليه في الانتهاء، واعتقاد الحقية في النصوص فرض حق، وطلب طمأنينة القلب فيه حسن كما أخبر الله تعالى عن الخليل صلوات الله عليه‏:‏ ‏{‏قال بلى ولكن ليطمئن قلبي‏}‏‏.‏ ومنها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول‏}‏ فقد بينا أن المراد به القياس الصحيح، والرجوع إليه عند المنازعة، وفيه بيان أن الرجوع إليه يكون بأمر الله وأمر الرسول‏.‏ ولا يجوز أن يقال المراد هو الرجوع إلى الكتاب والسنة، لانه علق ذلك بالمنازعة، والامر بالعمل بالكتاب والسنة غير متعلق بشرط المنازعة، ولأن المنازعة بين المؤمنين في أحكام الشرع قلما تقع فيما فيه نص من كتاب أو سنة، فعرفنا أن المراد به المنازعة فيما ليس في عينه نص، وأن المراد هو الامر بالرد إلى الكتاب والسنة بطريق التأمل فيما هو مثل ذلك الشئ من المنصوص، وإنما تعرف هذه المماثلة بإعمال الرأي وطلب المعنى فيه‏.‏ ثم الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة في هذا الباب أكثر من أن تحصى، وأشهر من أن تخفى‏.‏ فوجه من ذلك ما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق المقايسة، على ما روي أنه قال لعمر حين سأله عن القبلة في حالة الصوم‏:‏ أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان يضرك‏؟‏ وهذا تعليم المقايسة فإن بالقبلة يفتتح طريق اقتضاء الشهوة، ولا يحصل بعينه اقتضاء الشهوة، كما أن بإدخال الماء في الفم يفتتح طريق الشرب ولا يحصل به الشرب‏.‏ وقال للخثعمية‏:‏ أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت تقضينه‏؟‏ فقالت‏:‏ نعم، قال‏:‏ فدين الله أحق وهذا تعليم المقايسة وبيان بطريق إعمال الرأي‏.‏ وقال للذي سأله عن قضاء رمضان متفرقا، أرأيت لو كان عليك دين فقضيت الدرهم والدرهمين أكان يقبل منك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، فقال‏:‏ الله أحق بالتجاوز وقال للمستحاضة‏:‏ إنه دم عرق انفجر فتوضئي لكل صلاة فهذا تعليم للمقايسة بطريق أن النجس لما سال حتى صار ظاهرا ووجب غسل ذلك الموضع للتطهير وجب تطهير أعضاء الوضوء به‏.‏ وقال عليه السلام‏:‏ الهرة ليست بنجسة لانها من الطوافين عليكم والطوافات وهذا تعليم للمقايسة باعتبار الوصف الذي هو مؤثر في الحكم فإن الطوف مؤثر في معنى التخفيف، ودفع صفة النجاسة لاجل عموم البلوى والضرورة، فظهر أنه علمنا القياس والعمل بالرأي كما علمنا أحكام الشرع، ومعلوم أنه ما علمنا ذلك لنعمل به في معارضة النصوص، فعرفنا أنه علمنا ذلك لنعمل به فيما لا نص فيه‏.‏ ووجه آخر أنه عليه الصلاة والسلام أمر أصحابه بذلك، فإنه قال لمعاذ رضي الله عنه حين وجهه إلى اليمن‏:‏ بم تقضي‏؟‏ قال‏:‏ بكتاب الله قال‏:‏ فإن لم تجد في كتاب الله‏؟‏ قال‏:‏ بسنة رسول الله‏.‏ قال فإن لم تجد في سنة رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ اجتهد رأيي‏.‏ قال‏:‏ الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى به رسوله وقال لابي موسى رضي الله عنه حين وجهه إلى اليمين‏:‏ اقض بكتاب الله، فإن لم تجد فبسنة رسول الله، فإن لم تجد فاجتهد رأيك وقال لعمرو بن العاص رضي الله عنه‏:‏ اقض بين هذين قال‏:‏ على ماذا أقضي‏؟‏ فقال على أنك إن اجتهدت فأصبت فلك عشر حسنات، وإن أخطأت فلك حسنة واحدة فلو لم يكن اجتهاد الرأي فيما لا نص فيه مدركا من مدارك أحكام الشرع لما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضرته‏.‏ ووجه آخر أنه عليه السلام كان يشاور أصحابه في أمور الحرب تارة، وفي أحكام الشرع تارة، ألا ترى أنه شاورهم في أمر الاذان والقصة فيه معروفة، وشاورهم في مفاداة الاسارى يوم بدر حتى أشار أبو بكر رضي الله عنه عليه بالفداء وأشار عمر رضي الله عنه بالقتل فاستحسن ما أشار به كل واحد منهما برأيه حتى شبه أبا بكر في ذلك بإبراهيم من الأنبياء حيث قال‏:‏ ‏{‏ومن عصاني فإنك غفور رحيم‏}‏ وبميكائيل من الملائكة فإنه ينزل بالرحمة، وشبه عمر بنوح من الأنبياء عليهم السلام حيث قال‏:‏ ‏{‏لا تذر على الارض من الكافرين ديارا‏}‏ وبجبريل من الملائكة فإنه ينزل بالعذاب، ثم مال إلى رأي أبي بكر‏.‏ فإن قيل‏:‏ ففي ذلك نزل قوله‏:‏ ‏{‏لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم‏}‏ الآية، ولو كان مستحسنا لما عوتبوا عليه‏.‏ قلنا‏:‏ العتاب ما كان في المشورة بل فيما نص الله عليه بقوله‏:‏ ‏{‏لمسكم فيما أخذتم‏}‏ ثم هذا إنما يلزم من يقول إن كل مجتهد مصيب ونحن لا نقول بهذا، ولكن نقول إعمال الرأي والمشورة مستحسن، ثم المجتهد قد يخطئ وقد يصيب كما في هذه الحادثة، فقد شاورهما رسول الله واجتهد كل واحد منهم رأيه، ثم أصاب أحدهما دون الآخر، وبهذا تبين أن قوله‏:‏ ‏{‏وشاورهم في الامر‏}‏ ليس في الحرب خاصة، ولكن يتناول كل ما يتأتى فيه إعمال الرأي، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابي بكر وعمر رضي الله عنهما يوما وقد شاورهما في شئ‏:‏ قولا فإني فيما لم يوح إلي مثلكما وقد تركهم رسول الله على المشاورة بعده في أمر الخلافة حين لم ينص على أحد بعينه مع علمه أنه لا بد لهم من ذلك، ولما شاوروا فيه تكلم كل واحد برأيه إلى أن استقر الامر على ما قاله عمر بطريق المقايسة والرأي، فإنه قال‏:‏ ألا ترضون لامر دنياكم بمن رضي به رسول الله لامر دينكم‏.‏ يعني الامامة للصلاة، واتفقوا على رأيه، وأمر الخلافة من أهم ما يترتب عليه أحكام الشرع، وقد اتفقوا على جواز العمل فيه بطريق القياس، ولا معنى لقول من يقول إن كان هذا قياسا فهو منتقض، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استخلف عبد الرحمن بن عوف ليصلي بالناس ولم يكن ذلك دليل كونه خليفة بعده، وذلك لأن عمر رضي الله عنه أشار إلى الاستدلال على وجه لا يرد هذا النقض وهو أنه في حال توفر الصحابة وحضور جماعتهم ووقوع الحاجة إلى الاستخلاف، خص أبا بكر بأن يصلي بالناس بعدما راجعوه في ذلك وسموا له غيره، كل هذا قد صار معلوما بإشارة كلامه وإن لم ينص عليه، ولم يوجد ذلك في حق عبد الرحمن ولا في حق غيره‏.‏ ثم عمر جعل الامر شورى بعده بين ستة نفر، فاتفقوا بالرأي على أن يجعلوا الامر في التعيين إلى عبد الرحمن بعدما أخرج نفسه منها فعرض على علي أن يعمل برأي أبى بكر وعمر فقال‏:‏ أعمل بكتاب الله، وبسنة رسول الله، ثم أجتهد رأيي، وعرض على عثمان هذا الشرط أيضا فرضي به فقلده، وإنما كان ذلك منه عملا بالرأي لانه علم أن الناس قد استحسنوا سيرة العمرين، فتبين بهذا أن العمل بالرأي كان مشهورا متفقا عليه بين الصحابة، ثم محاجتهم بالرأي في المسائل لا تخفى على أحد، فإنهم تكلموا في مسألة الجد مع الاخوة، وشبهه بعضهم بواد يتشعب منه نهر، وبعضهم بشجرة تنبت غصنا، وقد بينا ذلك في فروع الفقه‏.‏ وكذلك اختلفوا في العول وفي التشريك فقال كل واحد منهم فيه بالرأي، وبالرأي اعترضوا على قول عمر رضي الله عنه في عدم التشريك حين قالوا‏:‏ هب أن أبانا كان حمارا، حتى رجع عمر إلى التشريك، فعرفنا أنهم كانوا مجمعين على جواز العمل بالرأي فيما لا نص فيه، وكفى بإجماعهم حجة‏.‏ فإن قيل‏:‏ كيف يستقيم هذا وقد قال أبو بكر رضي الله عنه‏:‏ أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله تعالى برأيي‏.‏ وقال عمر رضي الله عنه‏:‏ إياكم وأصحاب الرأي‏.‏ وقال علي رضي الله عنه‏:‏ لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره‏.‏ وقال ابن مسعود رضي الله عنه‏:‏ إياكم وأرأيت وأرأيت‏.‏ قلنا‏:‏ أما القول بالرأي عن أبي بكر رضي الله عنه فهو أشهر من أن يمكن إنكاره، لانه قال في الكلالة‏:‏ أقول قولا برأيي، فإن يك صوابا فمن الله، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان‏.‏ وما رووا عنه قد اختلفت فيه الرواية فقال في بعضها‏:‏ إذا قلت في كتاب الله تعالى بخلاف ما أراد الله‏.‏ ولئن ثبت ما رووا فإنما استبعد قوله بالرأي فيما فيه نص بخلاف النص، وهذا لا يجوز منه ولا من غيره ولا يظن به‏.‏ وأما عمر رضي الله عنه‏:‏ فالقول عنه بالرأي أشهر من الشمس، وبه يتبين أن مراده بذم الرأي عند مخالفة النص أو الاعراض عن النص فيما فيه نص والاشتغال بالرأي الذي فيه موافقة هوى النفس، وإلى ذلك أشار في قوله‏:‏ أعيتهم السنة أن يحفظوها‏.‏ والقول بالرأي عن علي رضي الله عنه مشهور، فإنه قال‏:‏ اجتمع رأيي ورأي عمر على حرمة بيع أمهات الأولاد ثم رأيت أن أرقهن‏.‏ وبهذا يتبين أن مراده بقوله‏:‏ لو كان الدين بالرأي‏:‏ أصل موضوع الشرع، وبه نقول، فإن أصل أحكام الشرع غير مبني على الرأي ولهذا لا يجوز إثبات الحكم به ابتداء‏.‏ وقد اشتهر القول بالرأي عن ابن مسعود حيث قال في المفوضة‏:‏ أجتهد رأيي‏.‏ فعرفنا أن مراده ذم السؤال على وجه التعنت بعدما يتبين الحق أو التكلف فيما لا يحتاج المرء إليه، وهو نظير قوله عليه السلام‏:‏ ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم والآثار التي ذكرها محمد في أول أدب القاضي كلها دليل على أنهم ‏(‏كانوا‏)‏ مجمعين على العمل بالرأي، فإنه بدأ بحديث عمر حين كتب إلى أبي موسى‏:‏ اعرف الامثال والاشباه وقس الامور عند ذلك‏.‏ وذكر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال‏:‏ لقد أتى علينا زمان لسنا نسأل ولسنا هنالك‏.‏ الحديث‏.‏ فاتضح بما ذكرنا اتفاقهم على العمل بالرأي في أحكام الشرع‏.‏ فأما من طعن في السلف من نفاة القياس لاحتجاجهم بالرأي في الاحكام فكلامه كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا‏)‏ * لأن الله تعالى أثنى عليهم في غير موضع من كتابه كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏محمد رسول الله والذين معه‏}‏ الآية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وصفهم بأنهم خير الناس فقال‏:‏ خير الناس قرني الذين أنا فيهم والشريعة إنما بلغتنا بنقلهم، فمن طعن فيهم فهو ملحد منابذ للاسلام دواؤه السيف إن لم يتب‏.‏ ومن قال منهم إن القول بالرأي كان من الصحابة على طريق التوسط والصلح دون إلزام الحكم فهو مكابر جاحد لما هو معلوم ضرورة، لأن الذين نقلوا إلينا ما احتجوا به من الرأي في الاحكام قوم عالمون عارفون بالفرق بين القضاء والصلح فلا يظن بهم أنهم أطلقوا لفظ القضاء فيما كان طريقه طريق الصلح بأن لم يعرفوا الفرق بينهما أو قصدوا التلبيس، ولا ينكر أنه كان في ذلك ما هو بطريق الصلح، كما قال ابن مسعود حين تحاكم إليه الاعرابي مع عثمان‏:‏ أرى أن يأتي هذا واديه فيعطي به ثم إبلا مثل إبله وفصلانا مثل فصلانه‏.‏ فرضي بذلك عثمان‏.‏ وفي قوله فرضي به، بيان أن هذا كان بطريق الصلح، فعرفنا أن فيما لم يذكر مثل هذا اللفظ أو ذكر لفظ القضاء والحكم فالمراد به الالزام، وقد كان بعض ذلك على سبيل الفتوى، والمفتي في زماننا يبين الحكم للمستفتي ولا يدعوه إلى الصلح إلا نادرا، فكذلك في ذلك الوقت، وقد كان بعض ذلك بيانا فيما لم يكن فيه خصومة أولا تجري فيه الخصومة كالعبادات والطلاق والعتاق، نحو اختلافهم في ألفاظ الكنايات، واعتبار عدد الطلاق بالرجال والنساء وما أشبه ذلك، فعرفنا أن قول من قال لم يكن ذلك منهم إلا بطريق الصلح والتوسط، منكر من القول وزور‏.‏ ومنهم من قال‏:‏ كانوا مخصوصين بجواز العمل والفتوى بالرأي كرامة لهم، كما كان رسول الله مخصوصا بأن قوله موجب للعلم قطعا، ألا ترى أنه قد ظهر منهم العمل فيما فيه نص بخلاف النص بالرأي وبالاتفاق ذلك غير جائز لاحد بعدهم، فعرفنا أنهم كانوا مخصوصين بذلك‏.‏ وبيان هذا فيما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج لصلح بين الانصار فأذن بلال وأقام فتقدم أبو بكر رضي الله عنه للصلاة، فجاء رسول الله وهو في الصلاة - الحديث، إلى أن قال‏:‏ فأشار على أبي بكر أن أثبت في مكانك، ورفع أبو بكر رضي الله عنه يديه وحمد الله ثم استأخر وتقدم رسول الله، وكانت سنة الامامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم معلوما بالنص، ثم تقدم أبو بكر بالرأي، وقد أمره أن يثبت في مكانه نصا، ثم استأخر بالرأي‏.‏ ولما أراد رسول الله أن يتقدم للصلاة على ابن أبي المنافق جذب عمر رضي الله عنه رداءه، وفي رواية استقبله وجعل يمنعه من الصلاة عليه والاستغفار له وكان ذلك منه بالرأي، ثم نزل القرآن على موافقة رأيه، يعني قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تصل على أحد منهم مات أبدا‏}‏ ولما أراد علي أن يكتب كتاب الصلح عام الحديبية كتب‏:‏ هذا ما صالح محمد رسول الله وسهيل بن عمرو على أهل مكة‏.‏ قال سهيل‏:‏ لو عرفناك رسولا ما حاربناك، اكتب محمد بن عبد الله، فأمر رسول الله عليا أن يمحو رسول الله فأبى علي رضي الله عنه ذلك حتى أمره أن يريه موضعه فمحاه رسول الله بيده وكان هذا الاباء من علي بالرأي في مقابلة النص‏.‏ وقد كان الحكم للمسبوق أن يبدأ بقضاء ما سبق به ثم يتابع الامام، حتى جاء معاذ يوما وقد سبقه رسول الله ببعض الصلاة فتابعه فيما بقي ثم قضى ما فاته، فقال له رسول الله‏:‏ ما حملك على ما صنعت‏؟‏ قال‏:‏ وجدتك على شئ فكرهت أن أخالفك عليه‏.‏ فقال‏:‏ سن لكم معاذ سنة حسنة فاستنوا بها وكان هذا منه عملا بالرأي في موضع النص ثم استصوبه رسول الله في ذلك‏.‏ وأبو ذر حين بعثه رسول الله مع إبل الصدقة إلى البادية أصابته جنابة فصلى صلوات بغير طهارة إلى أن جاء إلى رسول الله الحديث إلى أن قال له‏:‏ التراب كافيك ولو إلى عشر حجج ما لم تجد الماء وكان ذلك منه عملا بالرأي في موضع النص‏.‏ وكذلك عمرو بن العاص أصابته جنابة في ليلة باردة فتيمم وأم أصحابه مع وجود الماء وكان ذلك منه عملا بالرأي في موضع النص ثم لم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فعرفنا أنهم كانوا مخصوصين بذلك‏.‏ وكذلك ظهر منهم الفتوى بالرأي فيما لا يعرف بالرأي من المقادير نحو حد الشرب كما قال علي رضي الله عنه فإنه ثبت بآرائنا‏.‏ ولا وجه لذلك إلى الحمل على معنى الخصوصية‏.‏ والجواب أن نقول‏:‏ هذا الكلام عند التأمل فيه من جنس الطعن عليهم لا بيان الكرامة لهم، لأن كرامتهم إنما تكون بطاعة الله وطاعة رسوله، فالسعي لاظهار مخالفة منهم في أمر الله وأمر الرسول يكون طعنا فيهم، ومعلوم أن رسول الله ما وصفهم بأنهم خير الناس إلا بعد علمه بأنهم أطوع الناس له، وأظهر الناس انقيادا لامره وتعظيما لاحكام الشرع، ولو جاز إثبات مخالفة الامر بالرأي لهم بطريق الكرامة والاختصاص بناء على الخيرية التي وصفهم بها رسول الله لجاز مثل ذلك لمن بعدهم بناء على ما وصفهم الله به بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كنتم خير أمة أخرجت للناس‏}‏ الآية، ولو جاز ذلك في فتاويهم لجاز فيما نقلوا إلينا من أحكام الشرع، فتبين أن هذا من جنس الطعن، وأنه لا بد من طلب التأويل فيما كان منهم في صورة الخلاف ظاهرا بما هو تعظيم وموافقة في الحقيقة‏.‏ ووجه ذلك بطريق الفقه أن نقول‏:‏ قد كان من الامور ما فيه احتمال معنى الرخصة والاكرام أو معنى العزيمة والالزام، ففهموا أن ما اقترن به من دلالة الحال أو غيره مما يتبين به أحد المحتملين، ثم رأوا التمسك بما هو العزيمة أولى لهم من الترخص بالرخصة، وهذا أصل في أحكام الشرع‏.‏ وبيان هذا في حديث الصديق، فإن إشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم له بأن يثبت في مكانه كان محتملا معنى الاكرام له ومعنى الالزام، وعلم بدلالة الحال أنه على سبيل الترخص والاكرام له، فحمد الله تعالى على ذلك، ثم تأخر تمسكا بالعزيمة الثابتة بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تقدموا بين يدي الله ورسوله‏}‏ وإليه أشار بقوله‏:‏ ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وكذلك كان تقدمه للامامة قبل أن يحضر رسول الله، فإن التأخير إلى أن يحضر كان رخصة، ومراعاة حق الله في أداء الصلاة في الوقت المعهود كان عزيمة، فإنما قصد التمسك بما هو العزيمة لعلمه أن رسول الله عليه السلام كان يستحسن ذلك منه، فعرفنا أنه ما قصد إلا تعظيم أمر الله وتعظيم رسول الله فيما باشره بالرأي‏.‏ وكذلك فعل عمر رضي الله عنه بالامتناع من الصلاة على من شهد الله بكفره وهو العزيمة، لأن الصلاة على الميت المسلم يكون إكراما له وذلك لا يشك فيه إذا كان المصلي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن التقدم للصلاة عليه كان بطريق حسن العشرة، ومراعاة قلوب المؤمنين من قراباته، فجذب عمر رداءه تمسكا بما هو العزيمة، وتعظيما لرسول الله لا قصدا منه إلى مخالفته‏.‏ وكذلك حديث علي فإنه أبى أن يمحو ذلك تعظيما لرسول الله وهو العزيمة، وقد علم أن رسول الله ما قصد بما أمر به إلا تتميم الصلح لما رأى فيه من الحظ للمسلمين بفراغ قلوبهم، ولو علم علي أن ذلك كان أمرا بطريق الالزام لمحاه من ساعته، ألا ترى أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنك ستبعثني في أمر أفأكون فيه كالسكة المحماة أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب‏؟‏ فقال‏:‏ بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب فبهذا تبين أنه عرف بأن ذلك الامر منه لم يكن إلزاما ورأى إظهار الصلابة في الدين بمحضر من المشركين عزيمة فتمسك به، ثم الرغبة في الصلح مندوب إليه الامام بشرط أن يكون فيه منفعة للمسلمين، وتمام هذه المنفعة في أن يظهر الامام المسامحة والمساهلة معهم فيما يطلبون، ويظهر المسلمون القوة والشدة في ذلك، ليعلم العدو أنهم لا يرغبون في الصلح لضعفهم، فلاجل هذا فعل علي رضي الله عنه ما فعله، وكأنه تأويل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تهنوا ولا تحزنوا‏}‏ وكذلك حديث معاذ رضي الله عنه، فإن السنة التي كانت في حق المسبوق من البداية بما فاته، فيها احتمال معنى الرخصة ليكون الاداء عليه أيسر، فوقف معاذ على ذلك وعرف أن العزيمة متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتقاد الغنيمة فيما أدركه معه، فاشتغل بإحراز ذلك أولا تمسكا بالعزيمة لا مخالفة للنص‏.‏ وكذلك حديث أبي ذر إن صح أنه أدى صلاته في تلك الحالة بغير طهارة، فإن في حكم التيمم للجنب بعض الاشتباه في النص باعتبار القراءتين ‏{‏أو لامستم‏}‏ ‏{‏أو لامستم النساء‏}‏ فلعله كان عنده أن المراد المس باليد وأنه لا يجوز التيمم للجنب كما هو مذهب عمر وابن مسعود رضي الله عنهما، ثم رأى أن بسبب العجز يسقط عنه فرض الطهارة في الوقت، وأن أداء الصلاة في الوقت عزيمة، فاشتغل بالاداء تعظيما لامر الله وتمسكا بالعزيمة‏.‏ وكذلك حديث عمرو بن العاص، فإنه رأى أن فرض الاغتسال ساقط عنه لما يلحقه من الحرج بسبب البرد أو لخوفه الهلاك على نفسه، وقد ثبت بالنص أن التيمم مشروع لدفع الحرج، فعرفنا أنه ليس في شئ من هذه الآثار معنى يوهم مخالفة النص من أحد منهم، وأنهم في تعظيم رسول الله كما وصفهم الله به‏.‏ وأما حد الشرب فإنما أثبتوه استدلالا بحد القذف، على ما روي أن عبد الرحمن بن عوف قال لعمر‏:‏ يا أمير المؤمنين إذا شرب هذي وإذا هذي افترى، وحد المفترين في كتاب الله ثمانون جلدة‏.‏ ثم الحكم الثابت بالاجماع لا يكون محالا به على الرأي، وقد بينا أن الاجماع يوجب علم اليقين والرأي لا يوجب ذلك، ثم هذا دعوى الخصوصية من غير دليل، ومن لا يرى إثبات شئ بالقياس فكيف يرى إثبات مجرد الدعوى من غير دليل والكتاب يشهد بخلاف ذلك، فالناس في تكليف الاعتبار المذكور في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاعتبروا يا أولي الابصار‏}‏ سواء، وهم كانوا أحق بهذا الوصف، وهذا أقوى ما نعتمده من الدليل المعقول في هذه المسألة، فإنه لا فرق بين التأمل في إشارات النص فيما أخبر الله به عن الذين لحقهم المثلات بسبب كفرهم كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب‏}‏ الآية، لنعتبر بذلك وننزجر عن مثل ذلك السبب، وبين التأمل في إشارات النص في حديث الربا ليعرف به أن المحرم هو الفضل الخالي عن العوض، فثبت ذلك الحكم بعينه في كل محل يتحقق فيه الفضل الخالي عن العوض مشروطا في البيع كالارز والسمسم والجص وما أشبه ذلك وقد قررنا هذا، يوضحه أن التأمل في معنى النص الثابت بإشارة صاحب الشرع بمنزلة التأمل في معنى اللسان الثابت بوضع واضع اللغة، ثم التأمل في ذلك للوقوف على طريق الاستعارة حتى يجعل ذلك اللفظ مستعارا في محل آخر بطريقه، جائز مستقيم من عمل الراسخين في العلم، فكذلك التأمل في معاني النص لاثبات حكم النص في كل موضع علم أنه مثل المنصوص عليه، وهذا لنوعين من الكلام‏:‏ أحدهما أن الله تعالى نص على أن القرآن تبيان لكل شئ بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ‏}‏ ولا يتمكن أحد من أن يقول كل شئ في القرآن باسمه الموضوع له في اللغة، فعرفنا أنه تبيان لكل شئ بمعناه الذي يستدرك به حكمه، وما ثبت بالنص فإما أن يقال هو ثابت بصورة النص لا غير، أو بالمعنى الذي صار معلوما بإشارة النص، والأول باطل، فإن الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏فلا تقل لهما أف‏}‏ ثم أحد لا يقول إن هذا نهي عن صورة التأفيف دون الشتم والضرب‏.‏ وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يظلمون نقيرا‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار‏}‏ فعرفنا أن ثبوت الحكم باعتبار المعنى الذي وقعت الاشارة إليه في النص‏.‏ ثم ذلك المعنى نوعان‏:‏ جلي، وخفي، ويوقف على الجلي باعتبار الظاهر، ولا يوقف على الخفي إلا بزيادة التأمل وهو المراد بقوله‏:‏ ‏{‏فاعتبروا‏}‏ وبعدما ثبت لزوم اعتبار ذلك المعنى بالنص وإثبات الحكم في كل محل قد وجد فيه ذلك المعنى يكون إثباتا بالنص لا بالرأي وإن لم يكن صيغة النص متناولا، إلا ترى أن الحكم بالرجم على ماعز لم يكن حكما على غيره باعتبار صورته ولكن باعتبار المعنى الذي لاجله توجه الحكم عليه بالرجم كان ذلك بيانا في حق سائر الاشخاص بالنص‏.‏ والثاني أنه ما من حادثة إلا وفيها حكم لله تعالى من تحليل أو تحريم أو إيجاب أو إسقاط، ومعلوم أن كل حادثة لا يوجد فيها نص، فالنصوص معدودة متناهية ولا نهاية لما يقع من الحوادث إلى قيام الساعة، وفي تسميته حادثة إشارة إلى أنه لا نص فيها، فإن ما فيه النص يكون أصلا معهودا‏.‏ وكذلك الصحابة ما اشتغلوا باعتماد نص في كل حادثة ‏(‏طلبا أو رواية، فعرفنا أنه لا يوجد نص في كل حادثة‏)‏ وقد لزمنا معرفة حكم الحادثة بالحجة بحسب الوسع فإما أن يكون الحجة استنباط المعنى من النصوص، أو استصحاب الحال كما قالوا، ومعلوم أنه ليس في استصحاب الحال إلا عمل بلا دليل ولا دليل جهل، والجهل لا يصلح أن يكون حجة باعتبار الأصل، وهو أيضا مما لا يوقف عليه، فمن المحتمل أن لا يكون عند بعض الناس فيه دليل ويكون عند بعضهم، والقياس من الوجه الذي قررنا حجة وإن كان لا يوجب علم اليقين، ألا ترى أن الشرع جوز لنا الاقدام على المباحات لقصد تحصيل المنفعة، يعني المسافرة للتجارة والمحاربة للعدو والغلبة على الاعداء بغالب الرأي، والاجتهاد في أمر القبلة والاشتغال بالمعالجة لتحصيل صفة البرء، وكل ذلك إقدام من غير بناء على ما يوجب علم اليقين، ثم هو حسن في بعض المواضع واجب في بعض المواضع‏.‏ وكذلك تقويم المتلفات، واعتقاد المعروف في النفقات والمتعة، فإن ذلك منصوص عليه، ثم الاقدام عليه بالرأي جائز فكان ذلك عملا بالحجة، فتبين أن القياس من نوع العمل بما هو حجة في الأصل ولكنه دون الثابت من الحكم بالنص، فلا يصار إليه إلا في وضع لا يوجد فيه نظر‏.‏ فأما استصحاب الحال فهو عمل بالجهل فلا يجوز المصير إليه إلا عند الضرورة المحضة بمنزلة تناول الميتة‏.‏ وسنقرر هذا في بابه إن شاء الله تعالى‏.‏ فبهم التقرير يتبين أن نفاة القياس يتمسكون بالجهل، وأن فقهاء الامصار يعلمون بما هو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال‏.‏ وأما استدلالهم بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو لم يكفهم‏؟‏‏}‏ قلنا نحن نقول بأن ما أنزل من الكتاب كذلك ولكن الاحتجاج بالقياس مما أنزل في الكتاب إشارة وإن كان لا يوجد فيه نصا فإنه الاعتبار المأمور به من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاعتبروا‏}‏ وبهذا يتبين أن الحكم به حكم بما أنزل الله فيضعف به استدلالهم بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن لم يحكم بما أنزل الله‏}‏ وبه يتبين أنه من جملة ما تناوله قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تبيانا لكل شئ‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين‏}‏ وقد قيل المراد بالكتاب هنا اللوح المحفوظ، وبهذا يتبين أن العمل بالقياس لا يكون تقدما بين يدي الله ورسوله بل هو ائتمار بأمر الله وأمر رسوله، وسلوك طريق قد علم رسول الله أمته بالوقوف به على أحكام الشرع، وهذا لانا إنما نثبت الحكم في الفروع بالعلة المؤثرة، والعلة ما صارت مؤثرة بآرائنا بل بجعل الله إياها مؤثرة، وإنما إعمال الرأي في تمييز الوصف المؤثر من سائر أوصاف الأصل وإظهار التأثير فيه فلا يكون العمل فيه عملا بالرأي، إنما التقدم بين يدي الله ورسوله فيما ذهب إليه الخصم من القول بأن العمل بالقياس باطل، لانه لا يجد ذلك في كتاب الله نصا، وهو لا يجوز الاستنباط ليقف به على إشارة النص فيكون ذلك قولا بغير حجة، ثم يكون عاملا في الاحكام بلا دليل، وقد بينا أن هذا لا يصلح أن يكون حجة أصلية‏.‏ وأما قوله‏:‏ ‏{‏ولا تقف ما ليس لك به علم‏}‏ فالمذكور هو علم منكر في موضع النفي والنكرة في موضع النفي تعم، فاستعمال الرأي يثبت نوع علم من طريق الظاهر وإن كان لا يثبت علم اليقين، وبالاتفاق علم اليقين ليس بشرط لوجوب العمل ولا لجوازه، فإن العمل بخبر الواحد واجب ولا يثبت به علم اليقين، والعمل بالرأي في الحرب جائز، وفي باب القبلة عند الاشتباه واجب، وفي المعالجة بالادوية جائز وإن كان شئ من ذلك لا يوجب علم اليقين، وهذا لأن التكليف بحسب الوسع وليس في وسعنا تحصيل علم اليقين في حكم كل حادثة، والحرج مدفوع، ففي إثبات الحجر عن إعمال الرأي في الحوادث التي لا نص فيها من الحرج ما لا يخفى‏.‏ ثم لا إشكال أن ما يثبت من العلم بطريق القياس فوق ما يثبت باستصحاب الحال، لأن استصحاب الحال إنما يكون دليلا عندهم لعدم الدليل المغير، وذلك مما لا يعلم يقينا، قد يجوز أن يكون الدليل المغير ثابتا وإن لم يبلغ المبتلى به، ولهذا لا تقبل البينة على النفي في باب الخصومات وتقبل على الاثبات باعتبار طريق لا يوجب علم اليقين، فإن الشهادة بالملك لظاهر اليد أو اليد مع التصرف تكون مقبولة وإن كانت لا توجب علم اليقين‏.‏ فأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقولوا على الله إلا الحق‏}‏ قلنا ما يظهر عند استعمال الرأي بالوصف المؤثر حق في حقنا وإن كنا لا نعلم أنه هو الحق عند الله تعالى، ألا ترى أن المتحري في باب القبلة يلزمه التوجه إلى الجهة التي يستقر عليها الرأي، ومعلوم أنه لا يلزمه مباشرة ما ليس بحق أصلا، فعرفنا أنه حق عندنا وإن كنا لا نقطع القول بأنه الحق عند الله تعالى، فقد يصيب المجتهد ذلك باجتهاده وقد يخطئ، ثم التكليف بحسب الوسع وليس في وضعنا الوقوف على ما هو حق عند الله لا محالة، وإنما الذي في وسعنا طلبه بطريق الاعتبار الذي أمرنا به وبعد إصابة ذلك الطريق يلزمنا العمل به فكذلك في الاحكام، وما أشاروا إليه من الفرق بين ما هو محض حق الله تعالى وبين ما فيه حق العباد ليس بقوي، لأن المطلوب هنا جهة القبلة لاداء ما هو محض حق الله تعالى والله تعالى موصوف بكمال القدرة، ومع ذلك أطلق لنا العمل بالرأي فيه، إما لتحقيق معنى الابتلاء، أو لانه ليس في وسعنا ما هو أقوى من ذلك بعد انقطاع الادلة الظاهرة، وهذا المعنى بعينه موجود في الاحكام، ثم الاحتمال الذي يبقى بعد استعمال الرأي بمنزلة الاحتمال في خبر الواحد، فإن قول صاحب الشرع موجب علم اليقين وإنما يثبت في حقنا العلم والعمل به إذا بلغنا ذلك، وفي البلوغ والاتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم احتمال، فكذلك الحكم في المنصوص ثابت بالنص على وجه يوجب علم اليقين، وفيه معنى هو مؤثر في الحكم شرعا ولكن في بلوغ الآراء وإدراك ذلك المعنى نوع احتمال، فلا يمنع ذلك وجوب العمل به عند انعدام دليل هو أقوى منه، ولهذا شرطنا للعمل بالرأي أن تكون الحادثة لا نص فيها من كتاب ولا سنة، فتبين أن فيما قلنا مبالغة في المحافظة على النصوص بظواهرها ومعانيها، فإنه ما لم يقف على النصوص لا يعرف أن الحادثة لا نص فيها وما لم يقف على معاني النصوص لا يمكنه أن يرد الحادثة إلى ما يكون مثلها من النصوص، ثم مع ذلك فيه تعميم المعنى في الفروع وتعظيم ما هو حق الله تعالى، فإن اعتقاد الحقية في الحكم المنصوص ثابت بالنص، ومعنى شرح الصدر وطمأنينة القلب ثابت بالوقوف على المعنى‏.‏ ولا معنى لاستدلالهم باختلاف أحكام النصوص، لانا إنما نجوز استعمال الرأي عند معرفة معاني النصوص وإنما يكون هذا فيما يكون معقول المعنى، فأما فيما لا يعقل المعنى فيه فنحن لا نجوز إعمال الرأي لتعدية الحكم إلى ما لا نص فيه، وسيأتيك بيان هذا في شرط القياس، ويتبين بهذا أن مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بذم الرأي فيما رووا من الآثار الرأي الذي ينشأ عن متابعة هوى النفس، أو الرأي الذي يكون المقصود منه رد المنصوص نحو ما فعله إبليس، فأما الرأي الذي يكون المقصود به إظهار الحق من الوجه الذي قلنا لا يكون مذموما، ألا ترى أن الله تعالى أمر به في إظهار قيمة الصيد بقوله‏:‏ ‏{‏يحكم به ذوا عدل منكم‏}‏ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علم ذلك أصحابه والصحابة عن آخرهم أجمعوا على استعماله من غير نكير من أحد منهم على من استعمله، فكيف يظن بهم الاتفاق على ما ذمه رسول الله أو جعله مدرجة الضلال، هذا شئ لا يظنه إلا ضال، والله أعلم‏.‏